مع أول خيوط الفجر، تنطلق عشرات القوارب الخشبية بهدوء فوق مياه خزان جبل أولياء، جنوب ولاية الخرطوم، في رحلة تتكرر كل يوم، لكنها باتت أكثر قسوة مع حلول الصيف.
فهناك، حيث اعتاد الصيادون أن يجدوا رزقهم على مقربة من الشاطئ، أجبرهم انحسار مياه النيل على الإبحار لمسافات أطول، بحثا عن أسماك أصبحت أقل عددا وأكثر صعوبة في الوصول إليها.
وعلى امتداد الخزان، يواجه مئات الصيادين موسما مختلفا، فرضته الطبيعة وتفاقمت آثاره بفعل التغيرات التي شهدها النيل خلال السنوات الأخيرة، إذ أدى انخفاض مناسيب المياه إلى تبدل أماكن تجمع الأسماك وازدياد الوقت والجهد اللازمين للحصول على محصول صيد يكفي لتأمين قوت اليوم.
ويقول الصياد محمد الهادي إبراهيم، في حديثه للجزيرة، إن تراجع منسوب النيل، نتيجة ضعف الأمطار ووجود السدود على امتداد مجرى النهر، أدى إلى انخفاض أعداد الأسماك، موضحا أن الصيادين باتوا يمضون ساعات طويلة في المياه للحصول على كميات أقل بكثير مما كانوا يصطادونه خلال موسم الخريف، حين ترتفع مناسيب النيل وتتحسن حركة الأسماك.
ويضيف أن هذا التراجع لم ينعكس على كميات الصيد فحسب، بل امتد إلى الأسواق، حيث ارتفعت أسعار الأسماك بصورة ملحوظة مقارنة بما كانت عليه في السنوات الماضية.
ورغم صعوبة الظروف الحالية، يرى الصياد محمود علي عمر أن الواقع اليوم يبقى أقل قسوة مما عاشه الصيادون خلال فترة سيطرة قوات الدعم السريع على العاصمة، إذ يؤكد أنهم تعرضوا آنذاك لانتهاكات واعتداءات، وحرم كثيرون منهم من ممارسة مهنتهم، قبل أن تتحسن الأوضاع نسبيا عقب استعادة القوات المسلحة السودانية السيطرة على المنطقة.
ولم يقتصر أثر انحسار المياه على الصيادين وحدهم، فقد تبدلت ملامح خزان جبل أولياء نفسه، إذ انكشفت مساحات واسعة كانت تغمرها المياه قبل سنوات، وتحولت إلى أراض تغطيها الأعشاب، لتصبح مراعي لقطعان الماشية والإبل، في مشهد يعكس حجم التحولات التي شهدتها المنطقة.
وامتدت تداعيات هذه المتغيرات إلى المطاعم والأسواق المنتشرة على ضفاف النيل، حيث أدى انخفاض المعروض من الأسماك وارتفاع تكاليف التشغيل إلى زيادة أسعار الوجبات.
ويؤكد الياقوت محمد إدريس، صاحب أحد المطاعم، أن أسعار شراء الأسماك من الصيادين ارتفعت خلال الأشهر الماضية، كما أسهمت زيادة أسعار الدقيق وزيوت الطهي في رفع تكلفة إعداد الوجبات، ما وضع أصحاب المطاعم أمام معادلة صعبة بين الحفاظ على استمرار أعمالهم ومراعاة تراجع القدرة الشرائية للمواطنين.
وبين مياه تنحسر، وحرب تركت آثارها على ضفاف النيل، يواصل صيادو جبل أولياء الإبحار كل صباح، حاملين شباكهم وأملهم في أن يعودوا بما يكفي لإعالة أسرهم، في معركة يومية يخوضونها ضد الطبيعة وتقلبات الحياة معا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك