القول إن تنظيم «الاخوان المسلمين» «تنظيم معتدل» فيه من الزور والبهتان ما يكفي لجعل المرء يدهش، إما من فرط حماقة هذا الاعتقاد، أو من فرط ما ينطوي عليه من «استهبال».
ومع ذلك، فإن الحقائق حقائق، ولا بد من بسيطها ومباشرها لكي يتضح الحق من الباطل.
هناك عشرة معايير، أو قل بديهيات للاعتدال، لن يتمكن الاخوان ولا باقي «الإسلام السياسي»، أن يلاقوها، إما لأسباب أيديولوجية، أو لأسباب تتعلق بطبيعة مشروعهم بالذات.
معايير أو بديهيات أو مقومات، لا يستقيم من دونها أي اعتدال، وهي تكفي لتكشف أن تنظيمات «الإسلام السياسي» لا يمكنها فكريا ولا سياسيا أن تتسم بالاعتدال، حتى ولو كان النفاقُ هو لغة الناس أجمعين.
ثمة طبيعة بنيوية في هذه التنظيمات تجعلها عاجزة عن ممارسة الاعتدال، أو فقه مقوماته.
ولكن هب أن مُجادلا طيب القلب، جاء بحزمة كبيرة من أزاهير النيات الحسنة ليغمر بها أمنياته، فهل سيرى أيا من تلك المقومات العشرة قابلا للتحقيق؟كل مَنْ لم تغمره الادعاءات سيعرف، أن لكل مقوّمٍ منها أسانيدَ تناقضه في فقه التطرف استهلكت عشرات الكتب التي صنعت فكر وطبيعة هذه التنظيمات، مما يجعلها تسخر، هي نفسها، من فكرة الاعتدال، دع عنك تبنّيه.
المقومات العشرة لكل معتدل هي:1- أن يقبل الآخر ولا يكفِّره أو يُقصيه.
أو يؤمن على الأقل، بقوله تعالى: «فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر»، فلا يحكم على إيمان أحد، أو يجرده منه.
2- أن يكون جزءًا من النظام المؤسسي، لا بديلا أو نقيضا له، ويقبل بالشراكة الوطنية فيه، وألا يجعل السعي إلى السلطة سُلَّما يركله عندما يرتقي سدتها.
3- أن ينبذ كل وجه من وجوه العنف اللفظي أو المسلح، على حد سواء.
4- أن يكف عن اعتبار نفسه ممثلا شرعيا وحيدا لله، أو ناطقا باسمه، أو عارفا وحيدا بأصول شريعته، فيفصِّل فيها، ويلبس منها، على هواه، وألا «يحزبن» الدين ويجعله ملكا له.
5- أن يعتبر دوره في السلطة مؤقتا وقائما على أساس برنامج أرضي (اجتماعي واقتصادي) قابل للمساءلة والحساب والنقض، لا على أساس برنامج سماوي غير قابل للنقاش أصلا.
6- أن يقبل بالوطن كقيمة نهائية، فلا ينظر إليه كامتداد لدولة لا حدود لها، أو يجعله جزءا من وهم أيديولوجي عريض.
7- ألا يُحرِّم ويحلل على هواه، ويترك أمور الحلال والحرام لمختصين بشؤون الإفتاء ممن لا يوظفونها لأغراض سياسية.
8- ألا يسعى الى «أسلمة المسلمين»، لأن في ذلك نكرانٌ لإسلامهم، وتعالٍ عليهم.
9- ألا يحارب الطوائف والأقليات، وأن ينظر الى أبنائها كمواطنين متساوين في الحقوق والواجبات ولا يميز ضدهم.
10- ألا يقيم علاقات مع قوى خارجية ولا يتلقى أموالا منها، وأن يقدم كشف حساب موثوق عن ارتباطاته، وينبذ العمل في الخفاء.
هذه قواعد أكثر منها شروط، ولسوف تقبل بها كل قوة سياسية تزمع أن تكون قوة بناء، أو قوة اعتدال تضع مصالح الأوطان والناس، فوق مصالح الحزب أو الجماعة.
وغيابها أو النفاق بشأنها يعني سفك دماء، وتمزقات، وتشظيات، حتى لكأنك ألقيت قنبلة عنقودية وسط حشد من الناس، فصاروا يختلفون فيما بينهم على تعريف ديانتهم وهوياتهم وانتماءاتهم وماضيهم ومشاغلهم كلها، فلا تجد لهم وجهة، ولا هم يعرفون من هم أصلا.
إنها مقوّمات بسيطة، حدَّ أنها بديهيات، إلا أنه ما من جماعة من جماعات «الإسلام السياسي» سوف تقبل بها، لأنها تناقض – بهذا المقدار أو ذاك – صورتها عن نفسها، وتصوّرها عما تريد.
الذين يريدون إقناعنا بأن «الإخوان المسلمين» تنظيم معتدل، يستطيعون أن يخدعوا أنفسهم، أو يغرقوا بالادعاءات بمقدار ما يشاءون، ولكنهم لا يستطيعون فرضها على أحد ممن رأوا العَوج، ورأوا عواقبه.
المسألة ليست مسألة «كراهية» ولا «استعداء»، وإنما مسألة معايير وأسس، تنطبق على أي أحد مثلما تنطبق على كل الناس.
إنما للعوج أساس، موجود في فقه التطرف وكتبه، ولن يعتدل المرء إلا بنقده والتحرر من دوائره المغلقة، ثم إن القاعدة في «الانتخاب إلى السلطة» هي خدمة الناس في معاشهم وعمران مجتمعهم، وليس هدم هذا المعاش والعمران في صراع فلسفي بين الكفر والإيمان، بينما الفقر والبطالة والعجز يطحن حياة الناس.
وخدمة معاش الناس شأن قابل، بطبيعته، للنقاش والتصويب والنقض، وهو غالبا ما يتعلق بطريقة أو أخرى في إجراء حسابات الدخل القومي وأولويات الإنفاق، ولا توجد في هذا الأمر مقدسات.
أما أن يأتي أحد ليفرض عليك حساباته، بوصفها مما ينزل من السماء، فذلك مما لا يليق بعاقل.
بمعنى من المعاني الإدارة والتدبير، فإن السياسة حسابات معاش وعمران تقبل الخطأ والصواب، بينما الدين قيم عليا ليس فيها خطأ وكلها صواب.
هل يمكن الجمع بين السياسة والدين؟نعم، يمكن.
عندما تكون إدارة المجتمع شأنا عاما قابلا للنقاش، بأخلاقيات دينية فردية تروم الصواب التام، انطلاقا من قوله تعالى: «وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا» (مريم 95).
ولكن هات «أخونجي» يقبل، فلا يبيع عليك هذا بسعر ذاك، أي لا يبيع عليك حساباته الخطأ، لأنه يصلي خمس مرات، ولأن جوابك الطبيعي حياله: «طيب يا أخي، لي حسابات أخرى، وأنا أصلي مثلك خمس مرات».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك