الناتو الخليجي.
ونهاية ربع قرن من «تبرئة الذات»على مدى خمسة وعشرين عامًا، عاش العالم الإسلامي، وتحديدًا الخليج العربي، في ظلّ ما يمكن تسميته بحقبة 11 سبتمبر، حيث ارتبط حضوره في النظام الدولي بسؤال الإرهاب، وبسعيٍ دائم إلى تحسين صورته أمام الغرب، ووجد نفسه مطالبًا، على مدى ربع قرن، بإثبات براءته باستمرار في كثير من مواقفه السياسية والثقافية، وحتى الرياضية.
وإذا كانت تداعيات هجمات الحادي عشر من سبتمبر قد دفعت دول الخليج إلى تبنّي سياسة «تبرئة الذات»، فإن الحرب الإيرانية قد تُشكّل فرصة تاريخية للتخلص من هذه العقدة.
فهي تمثل لحظة دقيقة ومفصلية، تُعيد ترتيب أولويات النظام الدولي، وتدفع بقضايا جديدة إلى الواجهة.
إذ تحوّل مركز الاهتمام في الغرب من السؤال الدائم: هل يدعم الخليج حقًا الإرهاب؟ إلى أسئلة تدور حول أمن الطاقة، وسلامة الممرات البحرية، والردع الصاروخي، وسلاسل الإمداد، والذكاء الاصطناعي، والمرونة الاقتصادية، وإعادة تشكيل التحالفات الدولية.
وبذلك، خرج الخليج، من دون أن يشعر، من الملعب الذي صممه الآخرون له طوال خمسة وعشرين عامًا، وانتقل من إشكالية: كيف نحسّن صورتنا في الغرب؟ إلى سؤال: كيف يمكن للعالم أن يعمل من دوننا؟ صحيح أن دبلوماسية «تبرئة الذات» لم تكن خيارًا نابعًا من قناعة راسخة، بل كانت نتيجة تراكمات تاريخية بدأت في الحقبة الاستعمارية، وتداعيات الثورة الإيرانية، ثم هجمات الحادي عشر من سبتمبر، وصولًا إلى تنظيم داعش، والميليشيات المسلحة، وأزمة اللاجئين، وتصاعد الشعبوية اليمينية في الغرب.
وفي مواجهة هذه السردية، اضطرت الحكومات، والمؤسسات الدينية، ومراكز الحوار، والجامعات، ووسائل الإعلام، آنذاك، إلى استثمار الموارد لتأكيد أن الخليج يرفض الإرهاب، وأن المجتمعات الخليجية تتوافق مع قيم التعايش والانفتاح.
ورغم أهمية هذه الجهود، ودورها في الحد من «الصورة المسيئة» التي سعى الغرب إلى تكريسها عن المنطقة، فإنها أسهمت، من حيث لا تقصد، في إبقاء دول الخليج داخل إطار أيديولوجي ضيق، أبقاها في موقع الدفاع وتبرير الذات على مدى ربع قرن.
ونتيجة لذلك، مالت الدبلوماسية الخليجية، في كثير من المحافل، إلى الانشغال بإدارة الانطباعات أكثر من تركيزها على صياغة المصالح.
لكن المشهد تغيّر اليوم.
فللمرة الأولى منذ سنوات طويلة، برزت دول الخليج في النقاش العالمي بوصفها مركزًا إستراتيجيًا حيويًا يتوقف عليه استقرار الاقتصاد العالمي، وأمن الطاقة، وسلامة الممرات البحرية، واستمرارية سلاسل الإمداد، ومستقبل الردع الإقليمي.
ويزداد هذا التحول وضوحًا مع تصاعد الحديث في الأوساط التحليلية عن «ناتو خليجي»، وعن تطوير شراكات أمنية إقليمية تضم تركيا، ومصر، وباكستان، وربما العراق.
غير أن القيمة الحقيقية لهذه الترتيبات لا تكمن في بعدها العسكري فحسب، بل إنها تُجسد انتقالًا تدريجيًا من سياسة خارجية انشغلت طويلًا بإدارة الصورة، إلى دبلوماسية تسعى فعليًا إلى بناء تكتل إستراتيجي إقليمي يربط بين الأمن، والاقتصاد، والطاقة، والبحث، والإعلام، والأمن السيبراني، والمرونة المجتمعية، والدبلوماسية متعددة الأطراف.
لقد طوت الحرب الإيرانية صفحةً امتدت منذ أحداث 11 سبتمبر، وفتحت الباب أمام مرحلة جديدة يتجاوز فيها الخليج عبء تلك الحقبة.
ولعلها المرة الأولى منذ عقود التي تتاح فيها لدول الخليج فرصة حقيقية للانتقال من موقع الدفاع عن الذات إلى موقع الشريك في صياغة قواعد النظامين الإقليمي والدولي.
لقد انتهى الزمن الذي كان يُقاس فيه حضور الخليج بقدرته على تحسين صورته في أعقاب الحادي عشر من سبتمبر.
فالتحولات التي تشهدها المنطقة اليوم تفتح فرصة تاريخية للانتقال إلى مرحلة جديدة، يكون فيها الخليج شريكًا في صناعة الدفاع عن نفسه، وشريكًا في التوازنات، لا مجرد متأثر بها.
السؤال الذي ينبغي أن يوجّه المرحلة المقبلة هو: كيف نحوّل مكانتنا الجيوسياسية والاقتصادية إلى نفوذٍ إستراتيجي فاعل؟ فقد آن الأوان لتجاوز حقبةٍ ثقيلة قيّدت سياساتنا لعقود، وكان عنوانها الدائم: كيف نُحسّن صورتنا؟ لا كيف نصنع نفوذنا؟ @snasser24.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك