تعيش مدينة الجريصة بمحافظة الكاف شمال غربي تونس في صمت مهيب اليوم وسط جبال عارية ومساحات مفتوحة فارغة وشبكات صدئة للسكك الحديدية، في حين كانت تحتضن قبل سنوات أهم مناجم الحديد وأقدمها في البلاد.
تبعد" مدينة المناجم" كما يُلقبها أهلها نحو 200 كيلومتر من العاصمة تونس، وتتميّز بموقعها القريب جداً من الحدود مع الجزائر، وتحديداً معبر ساقية سيدي يوسف المجاور لولاية تبسة الجزائرية الذي يبعد مسافة تراوح بين 40 و50 كيلومتراً.
تأسست شركة مناجم الحديد في الجريصة مطلع القرن العشرين، وتحديداً عام 1907 خلال فترة الاستعمار الفرنسي، وحوّلت المدينة سريعاً إلى قطب صناعي جذب العمال من مختلف مناطق تونس، وحتى من دول مجاورة مثل الجزائر والمغرب وإيطاليا.
واعتُبر منجم جبل الجريصة، أقصى المدينة، الأهم بين خمسة مناجم في تونس، وكان يُنتج بين 500 و600 ألف طن سنوياً من الصخور الرسوبية المتحولة ذات التركيز العالي بالحديد.
ويعود تاريخ منجم الجريصة إلى حقبة الاستعمار الفرنسي، ولا يزال مصدراً لتوفير فرص عمل محلية وتغذية صناعات الحديد والصلب، لكن التحديات التقنية وندرة الاحتياطيات تؤثران في استدامة الإنتاج، ما يتطلّب تحديثاً تكنولوجياً واستكشافات موازية.
وكان حديد الجريصة أحد أجود الأنواع في العالم، وصُدّر بالكامل عبر خطوط السكك الحديدية إلى ميناء حلق الوادي ومنه إلى أوروبا، خصوصاً فرنسا، لتشييد ناطحات السحاب والجسور.
ويُقال إنّ جزءاً كبيراً من برج إيفل العملاق في باريس شُيّد باستخدام حديد منجم هذه المدينة.
وفي أوج عطائه ضمّ المنجم أكثر من 4000 عامل، ما جعل المدينة تنبض بالحياة وتوفرت فيها قاعات سينما ومستشفى متطور ومرافق لم تكن موجودة حينها في أكبر مدن تونس.
وقد شيّد الاستعمار الفرنسي غالبية مساكنها ومبانيها التي لا يزال طابعها المعماري الفريد قائماً حتى الآن، ويشعر من يزور أحياءً عدة فيها أنّه يتجوّل في مدينة فرنسية، خصوصاً أن السكان حافظوا على غالبيتها بعدما واصلوا ترميمها.
في مقهى قديم وسط المدينة، يجلس الصادق بن بريك (78 سنة)، أحد الذين قضوا أكثر من ثلاثة عقود في دهاليز المنجم حتى حفرت السنين والأشغال الشاقة أخاديد عميقة في يديه، ويقول لـ" العربي الجديد": " كنا ندخل إلى المنجم كأننا نخوض حرباً، وننزل تحت الأرض ولا نرى سوى ضوء المصابيح المثبتة على خوذاتنا.
كان الغبار يُعمي الأبصار، وصوت الآلات يثقب الآذان، لكننا كنا فخورين.
بنى عرقنا هذه المدينة، وعلمنا من الحديد أبناءنا الذين أصبحوا أطباءَ ومهندسين.
الجريصة لم تكن مدينة، كانت عائلة واحدة يجمعها الحديد والشقاء".
أيضاً يتذكر بشير بن أحمد (80 سنة)، الذي اشتغل في قسم الصيانة والمقاطع المفتوحة، كيف كانت المدينة لا تنام حين كانت صفارة المنجم تضبط توقيتها، " فإذا صفرت أدركنا أن فوجاً خرج وفوجاً دخل.
كنا نعيش في رخاء مقارنة بجهات أخرى، لكن الثمن كان غالياً، إذ ضاعت صحتنا في عمق الجبال، وأغلق المنجم اليوم، والمدينة تموت ببطء، ما يُدمي القلوب".
يضيف في حديثه إلى" العربي الجديد": " كان غالبية سكان المدينة يعملون في المنجم الذي وفر الرزق الأول في المنطقة لعقود، في حين مارس الباقون أعمالاً زراعية، ثم تراجع الإنتاج وهاجر غالبية السكان خصوصاً الشباب".
وحالياً تشغّل شركة جبل الجريصة نحو 100 عامل، وأشار العديد من سكان المدينة إلى أن النسبة التشغيلية للشركة تراجعت مقارنة بالأعوام الماضية بعد إغلاق مناجم عدة على غرار" منجم الأخوات" و" فج الهدوم" عام 2005، ما فاقم معضلة البطالة.
وبدأت قصة التراجع التدريجي لمنجم الجريصة نهاية الثمانينيات والتسعينيات بسبب تراجع المخزون السطحي للحديد وارتفاع تكاليف الاستخراج من الأعماق، إضافة إلى الأزمات الهيكلية التي مرّت بها الشركة التونسية لمناجم الحديد.
واستمر المنجم في العمل بصفة متذبذبة وبعدد عمال رمزي حتى توقف النشاط بالكامل مطلع عام 2000، وتحوّل المنجم من منشأة صناعية حية إلى موقع تراثي وصناعي مهجور.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك