عاشت الجزائر واحدًا من أغرب الأيّام.
من جهة هزيمة منتخب الكرة، في أسوأ مباراة يؤديها في المونديال، ثم خروجه المرّ أمام سويسرا، في مباراة لم نشاهد فيها روحًا ولا مقاومة، بما يثير الحيرة والغضب، ومن جهة أخرى أناس في الشوارع يحتفلون!لم يأت احتفالهم بسبب المباراة، لكنه تزامن معها في مشهد لم يخل من مفارقات.
فقد احتشدت مواقع التواصل الاجتماعي بصور وفيديوهات عن مواطنين في فرح، بين رقص وأهازيج، في المقابل زملاء لهم على الضفة الأخرى في حزن جرّاء هزيمة المنتخب.
لقد كان يومًا للتناقضات بامتياز.
بعدما كانت الآمال معلقة على أقدام رياض محرز ورفاقه، من أجل تأدية مباراة مقبولة ضدّ سويسرا، مع إمكانية تجاوزها بما يخفّف من حرّ الطقس هذه الأيّام ويبعث شعورًا بالانتعاش في القلوب، جاءت النتيجة مخيّبة، والمشكلة لا تتعلّق بخسران مباراة كرة، بل في الطريقة التي ظهر بها اللاعبون في استسلام وانهزامية إزاء المنافس.
رأيناهم يجرون في الملعب من غير لعب، من غير خطّة ومن غير روح قتالية.
كأنهم راضون بالهزيمة أمام أنظار الجماهير.
لقد جرت المباراة في الساعة الرّابعة صباحًا، وعقب صافرة النهاية تهاطلت الفيديوهات الغاضبة، بين من يحمّل المسؤولية للمدرب ومن يحمّل لاعبًا وزر ما حصل.
فالكلّ يبحث عن كبش فداء حيال الإقصاء.
كان الجميع يعلم أن المهمة ليست يسيرة، لا سيما أن الأمر يتعلّق بكأس عالم، لكن أكثر المتشائمين لم يتوقّع أن يرى منتخبًا شبه غائب.
منتخب يلعب من دون هوية.
وقبل المونديال ساد كلام في مديح هذا المنتخب ومدربه، في الفضائيات والجرائد، بل من المحللين من أوحى للمشاهدين أن المنتخب بوسعه الوصول إلى المربع النّهائي من الدّورة، ثم وقعت الصدمة عقب مباراة سويسر، وانقلبت الفضائيات إلى النقيض، ومن صحافييها من قال إنه تنبأ بما حصل.
نعم، تنبأ بما حصل، لكنه لم يقل شيئًا قبل الخسارة.
هكذا هو الإعلام الرياضي في البلاد، يمتلك قدرة لا يحسد عليها في الكلام وفي مناقضة نفسه.
وعلى مواقع التواصل الاجتماعي دخلت الجماهير في حالة من الغليان والتذمر، وتقاطعت الفيديوهات في جلها في الدعوة إلى إقالة المدرب، مع العلم أن المدرب المقصود جدّد عقده الشهر الفائت.
بعدما كان يقال عنه مدرب عبقري، صارت رأسه مطلوبة وغير مرغوب فيه على رأس التشكيلة الوطنية.
وهذه رّدود الفعل متوقعة من أنصار الكرة، لأن هذه الرّياضة تحتل مرتبة عليا في اهتمامات النّاس، لكن الغريب أن ساعات قليلة عقب الخسارة، خرجت في بعض الشوارع مواكب احتفال، علت الزغاريد، بل رأينا من يطلق البارود في الهواء في فرح وابتهاج، ثم أقيمت حفلات وزعت فيها الحلوى والمأكولات، كما انطلقت مكبرات صوت في الغناء والإنشاد، صارت فيديوهات الفرح على الـ»سوشيال ميديا» في كلّ مكان، وتغير مشهد الحزن الذي خيّم في الصباح إلى مشهد فرح بعد الظهر، وكأن البلد يعيش بين النقيضين في اليوم الواحد.
وحجّة هذه الأفراح أن الإعلان عن نتائج انتخابات البرلمان تزامن مع هزيمة المنتخب.
يا لها من صدفة، أن يتصادف فرح البعض مع شعور بالخيبة عند البعض الآخر.
وانقسمت مواقع التواصل بين الحدّين، من جهة مع غضب جراء الخسارة ومن جهة أخرى مع من يفرح عقب الوصول إلى البرلمان.
في يوم حار وجد البلد نفسه بين شعورين، والظاهر أنّ كل واحدة من الفئتين في واد يهيم.
لأن الجماهير الكرة بدا عليها عدم اهتمام بما أفرزته صناديق الانتخابات، ومن جهة أخرى فإن جمهور السياسة بدا غير مبالٍ من خسارة في مباراة كرة.
من المنطقي أن يعبّر جزائريون عن غضبهم إزاء منتخب الكرة، بحكم أن الكرة هي التسلية الوحيدة المتاحة وتلهيهم عن التفكير في حالهم أو التفكير في ركوب قوارب غير شرعية، لذلك طغى السخط في تعليقاتهم على الـ»سوشيال ميديا»، لم يتجرعوا الهزيمة وراحوا يبحثون عن تفسير لما جرى، يلصقون الحجّة بضعف لاعب أو مدرب، ومن المنطقي أن تسايرهم الفضائيات في كلامهم، لأن الإعلام الرياضي يسير على نهج الشارع، كما إن صورة واحدة أثارت الاستغراب، فبدل أن يواسي مدرب الجزائر لاعبيه عقب المباراة، فضّل أن يعانق لاعبي سويسرا وتقاسم معهم الفرحة، مع العلم أن المدرب نفسه من سويسرا.
لكن من غير المنطقي أن تتحوّل ساحة التواصل الاجتماعي إلى أفراح بمناسبة فوز فلان بمقعد في البرلمان.
بماذا يحتفل على وجه التحديد؟ هل صادق على قانون يخدم المواطنين؟ أم عارض قانونا يضرّ المواطنين؟ هل رافع من أجل المدينة التي ترشحت فيها وفاز فيها بمقعد؟ هذا النائب المستقبلي لم يطأ البرلمان، وكان من الأرجح أن يحزن، بحكم أن هذه الانتخابات شهدت نسبة مشاركة منخفضة للغاية، في حدود 20 في المئة، بما يعني أن ما يقرب من 80 في المئة من المصوتين لم يشاركوا في العملية.
كان من الأهم على النواب المستقبليين أن يشعروا بالحرج أنهم لم يحظوا بالغالبية، مع ذلك فضلوا الاحتفال بدل التساؤل عن هشاشة الحال، اختاروا أن يطوفوا في الشوارع في مواكب سيارات، كمن كسب مباراة مهمّة في كأس العالم.
يبدو أن النّواب المستقبليين يهمهم نجاحهم الفردي، بغض النّظر عن نجاح العملية الانتخابية في حدّ ذاتها.
إنهم مقبلون على دخول برلمان لا أحد يعلم أين سيؤول في مستقبل الأيام.
لقد خسرت الجزائر في الكرة، مثلما خسرت رهانها على الثقافة.
ماذا بقي للبرلمان المقبل أن يراهن عليه، عدا الاحتفالات العشوائية لبعض النّواب؟ !

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك