توجد علاقة وطيدة بين الحرب والصحافة، أو الإعلام عموما، لأن الأخير يعدّ ليس فقط سلاحا ضمن ترسانة الأسلحة، بل إنه جزء من تطورها، وخاصة في بعض المنعطفات الكبرى، التي ارتبطت بحروب معينة.
وما حملته الحرب الأمريكية – الإسرائيلية ضد إيران بشأن هذه العلاقة، هو تفوق البودكاست على القنوات التلفزيونية، خاصة العابرة للحدود.
تابع الناس أخبار الحروب منذ القدم، حيث كان رواة يقصدون أسواق المدن والقرى لسرد أخبار الحروب، وكأننا أمام بودكاست بدائي، وقد تغير فقط الديكور من السوق إلى استوديو مزود بميكروفون، ولم يعد الناس يتجمهرون أمام الراوي، بل خلف شاشات هواتفهم وحواسيبهم، بفضل الإنترنت، التي تعدّ الحمض النووي للبشرية في الوقت الراهن، وربما مستقبلا أيضاً.
أثبتت تجربتا الحربين العالميتين الأولى والثانية، أن من يسيطر على الأثير لا يؤثر فقط في مجريات المعارك، بل أيضا في الرأي العام ومعنويات الشعوبحدثت ثورة في علاقة الحرب بالإعلام مع ظهور المطبعة، وبالتالي الصحف الأولى.
ومن باب التاريخ، فأول جريدة في التاريخ نقلت أخبار الحرب كانت سنة 1605 في ألمانيا، واسمها «سرد لجميع الأحداث البارزة والقصص التاريخية الجديرة بالذكر».
بينما تبقى الجريدة الأولى التي نقلت أخبار الحرب بانتظام هي «لا غازيت» الفرنسية سنة 1631، وتلتها «لندن غازيت» سنة 1665، وبعدها ظهر تقليد تغطية أخبار الحرب بانتظام في الصحف الغربية.
ويبقى المنعطف الكبير الآخر هو حرب القرم في خمسينيات القرن التاسع عشر، ولاحقا حرب تطوان بين إسبانيا والمغرب سنة 1860، التي شهدت بروز التحليل العسكري المتنوع القائم على مفاهيم جيوسياسية.
والمثير أن أحد أبرز المساهمين في التحليل العسكري وقتها هو فردريك إنجلز صديق كارل ماركس، الذي تناول هذه الحرب من زاوية الموقع الجغرافي للمغرب، وكيف سيتسبب في حروب مستقبلية بسبب رغبة بريطانيا وفرنسا وإسبانيا في احتلاله للتحكم في الملاحة الدولية، وهو ما أدى إلى مؤتمر الجزيرة الخضراء سنة 1906 لاقتسام المغرب، وهو المؤتمر الذي غطاه بريطاني آخر، هو ونستون تشرشل، عندما كان صحافيا قبل انخراطه في السياسة.
ومنذ العشرينيات، إلى جانب الجرائد، أصبح الراديو وسيلة أساسية في الحرب للدعاية والتحليل السياسي، إذ يمكن القول إن الراديو كان أول وسيلة إعلام جماهيرية غيّرت طبيعة الحروب الحديثة، وذلك لأنه جمع بين المميزات التالية وهي: الاتصال العسكري والدعاية السياسية للتأثير في معنويات الشعوب، والحرب النفسية والتعبئة الشعبية لدعم المجهود الحربي.
وقد أثبتت تجربتا الحربين العالميتين الأولى والثانية، أن من يسيطر على الأثير لا يؤثر فقط في مجريات المعارك، بل أيضا في الرأي العام ومعنويات الشعوب.
ومن هنا ظهرت المقولة الشهيرة في دراسات الإعلام العسكري: «المعركة تخاض في ميدان القتال، لكنها تحسم أيضا في الفضاء الإعلامي».
وأنشأت روما ولندن وبرلين في الثلاثينيات إذاعات باللغة العربية للتأثير في الشعوب العربية وكسب تعاطفها.
ولاحقا جاء دور التلفزيون، حيث بدأ الجمهور يتابع ريبورتاجات عن الحرب وتحليلات سياسية منذ نهاية الأربعينيات.
وكان المنعطف الآخر مع ظهور قنوات البث عبر الأقمار الاصطناعية، حيث برزت «سي إن إن» في حرب العراق الأولى، وبرزت قناة «الجزيرة» في حرب أفغانستان.
لقد سيطر الإعلام الكلاسيكي، وخاصة التلفزيون، على التغطية الحربية، سواء في نقل المعلومات أو التحليل السياسي، إلا أنه بدأ يفقد هذه الهيمنة في العقد الحالي مع ظهور البودكاست.
لقد انتعش البودكاست، خاصة في شقه الحربي، مع الحرب الروسية – الأوكرانية، وتمحورت المعركة الإعلامية بين قنوات رسمية وشبه رسمية تقدم الرؤية الرسمية المرتبطة بحلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي وواشنطن، وبين رؤية تعتبر أن الغرب يريد إضعاف روسيا، ويبحث عن الحرب معها في أفق عام 2030.
وشهد البودكاست منعطفا آخر مع حرب الإبادة التي تعرضت لها غزة، ثم منعطفا أكبر مع الحرب الأمريكية – الإسرائيلية ضد إيران، بحكم الطابع العقائدي للصراع، وكذلك المواجهة بين مدرسة حربية تقليدية تمثلها الولايات المتحدة وإسرائيل، ومدرسة حربية إيرانية جديدة تقوم على توظيف الحرب غير المتكافئة بأسلحة وأساليب جديدة تهدف إلى تفادي الهزيمة وتحقيق نصر عسكري نسبي، خاصة على المستوى المعنوي.
وتوجد عوامل كثيرة وراء تفوق البودكاست، ولكن يمكن إجمالها في ثلاثة عوامل رئيسية.
أولها أنه يعتمد حيزا زمنيا أكبر من قنوات التلفزيون في معالجة بعض المواضيع، كما أنه يرتبط أساسا بمنصات التواصل الاجتماعي مثل يوتيوب، وهو ما يسمح بالاعتماد على الوثائق والخرائط والبيانات العسكرية في الشرح والإقناع.
أما الميزة الثانية، فهي استضافة خبراء وأكاديميين، بدل الاكتفاء بالمعلقين الإعلاميين.
ومن أبرز المساهمين في الولايات المتحدة «مجموعة قدماء الاستخبارات من أجل الحكمة»، وهم مسؤولون سابقون في أجهزة استخباراتية، منها مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، ووكالة الاستخبارات المركزية (CIA)، ووكالة استخبارات الدفاع (DIA)، الذين انتقدوا كثيرا من روايات البيت الأبيض المتعلقة بهذه الحرب.
أما العامل الثالث، وهو أساسي ويعد من أسرار نجاح البودكاست مقارنة بالتلفزيون، فيتمثل في مستوى الاستقلالية التي يتمتع به في التعبير السياسي والأيديولوجي، بعيدا عن ضغوط الحكومات وشركات الإعلانات واللوبيات، ومنها اللوبي الصهيوني.
إن كل دراسة لمضمون حلقات البودكاست التي يشرف عليها خبراء تلمس مدى تفوقها في الاستقلالية، ودقة المعطيات الحربية، وشفافية أكبر في التحليل والمعالجة العسكرية والسياسية، بل والجيوسياسية، لقضايا العالم، وكذلك القضايا الوطنية.
واقتصارا على الولايات المتحدة، لم يعد يكفي الاعتماد على صحف مثل «نيويورك تايمز» أو مجلة «ذي أتلانتيك» لفهم تطورات السياسة في هذا البلد، سواء الداخلية أو الخارجية، بل أصبح من الضروري أيضا متابعة صناع المحتوى السياسي مثل جو روغان، وتاكر كارلسون، وليكس فريدمان، وبراين تايلر كوهين، وبن شابيرو، وغلين غرينوالد.
وفي فرنسا، يبرز باسكال بونيفاس، وألان جوبيه (المدير السابق للاستخبارات الخارجية)، وكارولين غالاكتيروس.
وفي الهند، رانفير اللهباديا وموهاك مانغال، ومن روسيا يوري دود.
أما في العالم العربي، فالرجاء إعفائي من ذكر الأسماء تفاديا للحساسيات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك