في عمق موروثنا الثقافي والاجتماعي المصري، لطالما احتل الموت مكانة بالغة القدسية، وكانت لمجالس العزاء ولحظات الفقد والوداع حرمة تنعقد لها القلوب صمتاً، وتتراجع أمامها كل تفاصيل الحياة اليومية المعتادة.
كانت سرادق العزاء تمثل مساحات أصيلة للتضامن الإنساني النقي، حيث يتوارى كل شيء خلف جلال الموت، وتتجسد أسمى معاني المواساة والدعم النفسي والمجتمعي.
ولكن، بقراءة سوسيولوجية فاحصة لما تطفح به منصات التواصل الاجتماعي في الآونة الأخيرة، نكتشف أننا نقف أمام تحول هيكلي مفزع يعصف بهذا الموروث من جذوره، وهو ما يمكن أن نطلق عليه سوسيولوجياً ظاهرة" تسليع الحزن".
لقد تحولت الهواتف الذكية وكاميرات البث المباشر إلى ضيف ثقيل ومخيف يقتحم أشد لحظات الإنسان ضعفاً وانكساراً، ليحيل الدموع الصادقة وصرخات الفقد ولحظات الوداع الأخيرة في المقابر إلى مقاطع فيديو مصممة بعناية، لا لشيء إلا للبحث المحموم عن" التريند" وحصد أعلى نسب من المشاهدات في ما يُعرف بـ" اقتصاد الانتباه".
نحن ننتقل قسراً وبسرعة مخيفة نحو تعميق جذور" مجتمع الاستعراض"، حيث أصبح الألم الإنساني والمأساة الشخصية مجرد" محتوى رقمي" قابل للبيع والشراء، وسلعة تُعرض في مزاد الإعجابات والمشاركات، مما يفقد الموت جلاله، ويننزع عن الحزن وقاره وحرمته.
الخطورة العميقة في هذه الظاهرة لا تتوقف فقط عند حدود انتهاك الخصوصية في لحظات الضعف الإنساني، بل تمتد لتضرب في مقتل مفهوم" التعاطف الجمعي" داخل البنية المجتمعية.
فعندما يعتاد المجتمع على رؤية لقطات الانهيار والبكاء مصحوبة بموسيقى تصويرية ومؤثرات بصرية لجذب الانتباه، تصاب المشاعر الإنسانية بمرض" التبلد العاطفي" والاحتراق النفسي.
نحن نستهلك مآسي الآخرين وكأنها مادة ترفيهية يومية عابرة؛ نتعاطف مع الكارثة بضغطة زر، ثم نتجاوزها في الثواني التالية لنشاهد مقطعاً ساخراً أو إعلاناً تجارياً.
هذا التداخل المشوه الذي تفرضه الخوارزميات يفقد المجتمع قدرته على الحزن الحقيقي والتضامن العضوي، ويحول المواساة من واجب أخلاقي عميق إلى مجرد طقس افتراضي زائف ومفرغ من مضمونه.
إن التداعيات النفسية والاجتماعية لاستباحة الموت تمتد لتشوه التنشئة الوجدانية للأجيال الجديدة، التي باتت ترى أن كل شيء في الحياة والممات قابل للتصوير والعرض.
يفقد النشء الفطرة السليمة للحدود الفاصلة بين ما هو" مقدس" يجب احترامه، وما هو" عام" يمكن تداوله.
إن هذا الانحدار القيمي يجعلنا نتساءل بمرارة: ماذا تبقى من إنسانيتنا إذا تحولت أوجاعنا إلى منصة للتربح وتجميع المتابعين؟إن مواجهة هذا الانحدار لا تتطلب فقط رادعاً أخلاقياً لتجريم تصوير الجنازات والمآسي الخاصة، بل تستلزم قبل ذلك يقظة وعي مجتمعية جادة تدرك أن هناك تفاصيل في حياة الإنسان وموته يجب أن تظل في مأمن من عدسات الهواتف وبريق الشاشات.
الحفاظ على وقار الحزن، وحماية لحظات الوداع من الاختراق الرقمي، هو الحصن الأخير للدفاع عن إنسانيتنا من التآكل تحت وطأة اللهاث خلف الشهرة الزائفة.
فلنسترد للموت جلاله، ولنترك للحزن مساحته الإنسانية الصادقة، قبل أن نتحول جميعاً إلى مجرد مشاهد عابرة في سيرك الاستعراض الافتراضي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك