أسهم عدد كبير من الروائيين والشعراء والكتّاب الاميركيين في بلورة هوية أدبية، انتقلت تدريجاً من التأثر بالنماذج الأوروبية إلى التعبير عن فرادة التجربة الأميركية وخصوصيتها.
ومن ثمّ، ارتبط هذا الأدب، منذ نشأته، بمسار تشكّل الأمة الأميركية وبمحاولات المجتمع الجديد بناء هوية مستقلة وصياغة رؤية متميزة للإنسان والعالم.
لكن هذا الأدب لم يكن انعكاساً للحياة الأميركية فحسب، وإنما كان أيضاً فضاءً للتفكير في معنى الحرية والنجاح والسعادة والهوية، ومجالاً لمساءلة ما عرف لاحقاً بـ" الحلم الأميركي".
فعلى امتداد تاريخه، ظلّ الأدب الأميركي يعيش توتراً مستمراً بين قيمتين متعارضتين: من جهة، الإيمان بإمكانية بناء عالم جديد يقوم على الحرية والنجاح الفردي.
ومن جهة أخرى، الشعور المتزايد بأن هذا الحلم نفسه قد يتحول إلى مصدر للاغتراب وخيبة الأمل.
بدأت ملامح الأدب الأميركي بالتشكّل مع وصول المستوطنين الإنجليز إلى القارة الجديدة، في ظل هيمنة للفكر البيوريتاني.
فقد غلب على الكتابات في تلك المرحلة الطابع الديني والتربوي، لأن الأدب اتُّخذ وسيلةً لترسيخ العقيدة ونشر الفضائل الأخلاقية، فضلاً عن التركيز على أفكار الخطيئة الأصلية، والاختيار الإلهي، والقضاء والقدر.
ومن رحم هذه البيئة ظهرت أنماط أدبية متعددة، أبرزها الروايات التاريخية، واليوميات، والسير الذاتية، والمواعظ الدينية.
من أعلام هذه المرحلة جون سميث، وويليام برادفورد، وجون وينثروب، فضلاً عن آن برادستريت، أول شاعرة أميركية، والشاعرة السوداء فيليس ويتلي، التي شكّل ظهورها علامة فارقة في تاريخ الشعر في القارة الجديدة.
هذا يعني أن الأدب الأميركي لم يولد دفعة واحدة، بل تشكّل تدريجاً مع تشكّل الولايات المتحدة نفسها.
ففي أميركا الشمالية، شكّلت المستعمرات الإنجليزية امتداداً للثقافة الأوروبية، وظلت الحياة الفكرية فيها خاضعة لفترة طويلة لتأثير الأدب الإنجليزي والتراث الديني البروتستانتي.
لذا انشغل المثقفون، منذ أواخر القرن 18، بسؤال محوري: هل يمكن للولايات المتحدة أن تمتلك أدباً خاصاً بها؟ وهل يكفي الاستقلال السياسي لكي تنشأ ثقافة مستقلة؟كان بعض المفكرين يرون أن المجتمع الأميركي، بطبيعته البراغماتية والنفعية، لا يحتاج إلى أدب بالمعنى التقليدي للكلمة، بل إلى مؤلفات تخدم التقدم الاقتصادي والعلمي.
بينما رأى آخرون أن هذا الأدب لا يمكن أن يقوم على القطيعة مع التراث الأوروبي، وإنما على الاستفادة منه وإعادة صياغته وفق خصوصية التجربة الأميركية.
وقد أثبت التاريخ صحة الرأي الأخير.
ذلك أن الأدب الأميركي، شعراً ورواية، تشكّل من خلال الحوار مع أوروبا، إذ تأثر كبار كتّابه وشعرائه بالتراث الإنجليزي والفرنسي والألماني، لكنهم استطاعوا أن يمنحوا هذا التراث روحاً عكست خصوصية العالم الجديد.
ويُرجع مؤرخو الأدب الأميركي جزءاً كبيراً من خصوصيته إلى الإرث الطهورانيّ الذي حمله المهاجرون الأوروبيون الأوائل.
فقد كان الوعّاظ البيوريتانيون أصحاب تأثير بالغ في تشكيل المجتمع الناشئ؛ ولعلهم غرسوا فيه قيم العمل والانضباط والصبر والإيمان بأهمية النجاح الفردي.
لكن هذا الإرث حمل تناقضاً داخلياً صريحاً، إذ دان الملذات والفنون والنزعة الفردية، ودافع عن السعي وراء المال والثروة، مؤسساً لمجتمع يربط بين النجاح الاقتصادي والقيمة الأخلاقية، مانحاً الثروة مكانةً تكاد تكون مقدسة.
كان لهذا الإرث أثرٌ في العديد من الروايات الأميركية، كتلك التي خطّها ناثنيال هوثورن وإديث وارتون ووليم فوكنر، والتي عكست الصراع بين السلطة الأخلاقية والرغبة في التحرّر.
لكن في النصف الثاني من القرن 18، تأثر المجتمع الأميركي بأفكار عصر الأنوار، فبدأت العقائد الدينية تفقد هيمنتها لمصلحة الإيمان بالعقل والحرية والتقدم.
وكان روجر وليامز من أوائل المفكرين الذين دعوا إلى حرية الضمير والتعددية الدينية، مشكّلاً بداية تقليد قام على رفض الاستبداد والتمرد على السلطة.
وقد انعكست أفكار التنوير في كتابات توماس باين الذي دافع عن استقلال المستعمرات، بينما صاغ توماس جيفرسون إعلان الاستقلال عام 1776، مؤكداً مبادئ الحرية والمساواة وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
كذلك برز بنيامين فرانكلين الذي جسدت سيرته الذاتية صورة الإنسان الأميركي العصامي القادر على تحقيق النجاح بفضل العمل والاجتهاد.
الرومانسية والحرب الاهليةومع بداية القرن 19 دخل الأدب الأميركي مرحلة الرومانسية التي استمرت حتى الحرب الأهلية.
وقد تزامنت هذه المرحلة مع توّسع الولايات المتحدة نحو الغرب، ما جعل طبيعة البلاد الشاسعة مصدراً للإلهام.
فأصبحت العاطفة والخيال والفردية من السمات الأساسية للأدب.
ويعد واشنطن إيرفينغ، وجيمس فينيمور كوبر، وإيميلي ديكنسون من أوائل الكتّاب الذين سعوا إلى منح الأدب الأميركي طابعاً مميزاً.
وفي الوقت عينه ظهرت مجموعة من المبدعين الذين شكلوا" النهضة الأميركية"، كـ إدغار آلان بو، الذي أسهم في تطوير القصة القصيرة وأدب الرعب والرمزية، وناثنايل هوثورن صاحب رواية" الحرف القرمزي"، وهرمان ملفيل ورواية" موبي ديك"، التي مزجت المغامرة بالتأملات الفلسفية والميتافيزيقية.
شهدت هذه الفترة أيضاً ظهور حركة فلسفية وأدبية عرفت بـ" التعاليّة" دعت إلى تجاوز حدود المعرفة الحسية والعقلية المباشرة، والإصغاء إلى الحدس والروح والانسجام مع الطبيعة ورفض النزعة المادية.
وكان رالف والدو إمرسون من أبرز منظّريها، بينما جسّد هنري ديفيد ثورو مبادئها في كتابه الشهير" والدن"، وأصبحت أفكاره حول العصيان المدني مصدر إلهام لحركات المقاومة السلمية في العالم.
أما ديوان والت ويتمان" أوراق العشب"، فقد أحدث ثورة حقيقية في الشعر الأميركي، إذ حرّر القصيدة من القيود التقليدية، واحتفى بالفرد والديمقراطية والطبيعة، واضعاً أسس شعر مستقل عن التأثيرات الأوروبية.
بعد الحرب الأهلية الأميركية دخل الأدب مرحلة الواقعية والطبيعية التي سعت إلى تصوير المجتمع كما هو، بعيداً من المثالية الرومانسية.
وقد اهتم الأدباء بالمشكلات الاجتماعية والاقتصادية الناتجة من التصنيع والرأسمالية مع مارك توين الذي قدم في رواياته نقداً للمجتمع الأميركي ولمفهوم التقدم.
كذلك برز ستيفن كرين، وثيودور دريزر، وجاك لندن الذي كتب عن الصراع الطبقي وروجّ للأفكار الاشتراكية، منتقداً النظام الرأسمالي وفاضحاً القوانين الجائرة.
في هذا السياق نشأت حركة" جيل البيت" أي" الجيل المهزوم" أو" جيل الإيقاع" التي تميّزت بروح التمرّد، والتي عبّر عنها في خمسينيات وستينيات القرن 20 مجموعة من الكتّاب الشباب كـ آلن غينسبرغ وجاك كيرواك ووليم بوروز وغريغوري كورسو، فضلاً عن فنانين تشكيليين، كالشاعر والناشر والرسّام لورنس فيرلينغيتيّ الذين تجمعوا في سان فرانسيسكو عام 1950 مطلقين حركة أدبية طليعية ارتبطت بالتقليد التحرّري الذي أطلقه هنري ديفيد ثورو.
فاعتبره كتّاب" البيت" أحد أسلافهم الفكريين.
ولئن لم تكن حركة" جيل البيت" ظاهرة غريبة عن الثقافة الأميركية، وإنما كانت استمراراً لتيار قديم جعل الحرية الفردية جوهر الهوية الأميركية، فإنها كانت أيضاً وليدة أوروبا التي لعبت دوراً مهماً في نشأتها.
إذ قرأ كتّابها ويليام بليك، وأنطونان أرتو، وهنري ميشو، في حين ساعدهم ألدوس هكسلي على اكتشاف البوذية والفكر الشرقي والاستخدام المنهجي و" الميتافيزيقي" للمخدرات المهلوسة.
فكانوا إلى جانب ويليام بوروز وهنري ميلر مصدر إلهام في التعبير عن إرادة كسر القيود والتحرّر.
ولعل هذا التأثير المزدوج، الأوروبي والأميركي، يفسّر الطابع الملتبس لعلاقة" جيل البيت" بوطنه.
فمن جهة، سعى هذا الجيل إلى البحث عن نمط آخر للحياة، يقوم على الحرية والتجربة والخيال والسفر والانفتاح على الثقافات المختلفة.
ومن جهة أخرى، دعا إلى إعادة اكتشاف الأرض الأميركية الواسعة والعودة إلى ينابيع الحرية كما في قصائد فيرلينغيتيّ وغيره من الشعراء الشباب الذين كانوا يجوبون الولايات المتحدة على متن سيارات قديمة، أو عبر السير على الطرق والنوم في العراء بعيداً من المدن.
وقد جعل جاك كيرواك من هذا الترحال موضوع روايته الشهيرة" على الطريق" التي صدرت عام 1957، وأصبحت بياناً غير رسمي لهذه الحركة.
ففيها تحوّل السفر إلى وسيلة لاكتشاف الذات، وغدت الطريق رمزاً للبحث الوجودي.
أما ديوان" عواء" لـ ألن غينسبرغ، فشكل صدمة ثقافية بسبب لغته الجريئة ورفضه للمجتمع الصناعي، علماً أن حبّ الأرض الأميركية ترافق مع احتقار للشعب الذي نسي حريته، بعدما ضحّى بها لمصلحة المال والراحة المادية.
وبما أن أدباء" جيل البيت" لم ينخرطوا في العمل الثوريّ والسياسي المباشر، فأنهم اكتفوا بالتعبير عن رفضهم للنموذج الاجتماعي، داعين إلى تحرير الإنسان من الاغتراب الذي خلّفته الحضارة الاستهلاكية، منتقدين النظام السياسي ونمط الحياة الأميركية عبر تبنّي نزعة روحانية مستوحاة من البوذية، ولو كان فهمهم للبوذية انتقائياً وغير دقيق في كثير من الأحيان.
فعلى سبيل المثال، بحث جاك كيرواك عن الروحانية، فانفتح على البوذية، لكنه ظل متأثراً بالتراث الكاثوليكي.
ففي كتابه" رؤى جيرار" تحدث عن الطفولة والبراءة وعن السيدة العذراء بلغة يغلب عليها التأمل الروحي، وتقمّص دور" بوذا" في عمله السيري القصير" ساتوري في باريس" (1966) محيلاً إلى الاستنارة أو اليقظة الروحية إلى جانب حنينه إلى جذوره" الكلتية".
وتبدّى هذا التوتر الروحي-الوجودي أيضاً في كتابات آلن غينسبرغ، لا سيّما في مرثيته لوالدته اليهودية" قاديش" (1961)، بحيث تقاطعت التجربة الشخصية مع البحث عن معنى خلاص روحي يتجاوز الأطر الدينية والثقافية التقليدية.
تجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن أشعار ونصوص" جيل البيت" كانت موجّهة للقراءة العلنية.
فقد صُمِّمت" الرسائل الشفوية" لفيرلينغيتيّ لترافق موسيقى الجاز، فيما سعت معظم الروايات والقصائد إلى احتواء تدفّق المشاعر والأحاسيس بكل كثافتها وتعدّدها.
أمّا نثر كيرواك، فقد تشكّل على نحو ارتجالي، متأثراً بإيقاع الترحال والسكينة، وبنَفَس موسيقى الجاز ونبرة التراتيل الدينية أو أسلوب المحادثة الحرّة.
وقد ظلّ تأثير شعراء وروائيّي" جيل البيت" واسعاً في الولايات المتحدة، لا سيّما مع ظهور" حركة الهيبيز" وتطوّرها لاحقاً.
كذلك أحالت أغاني بوب ديلان، وفيلم دنيس هوبر" إيزي رايدر" (1969)، إلى هذه الأسطورة الثقافية التي امتدّ أثرها إلى الشباب الأوروبي.
الحلم الأميركي والوعد بالخلاصإذاً منذ القرن 18، تشكلت صورة أميركا في الأدب كأرض الفرص التي تسمح للإنسان بإعادة بناء حياته من جديد.
ومن هذه الزاوية نفهم قول الكاتب الأميركي من أصول فرنسية هيكتور سان جان دو كريفكور حين وصف الأميركي في أوائل القرن 18 قائلاً إنه" إنسان جديد"، ولد في" عالم جديد" وتبنى" مبادئ جديدة".
هكذا أصبح الحلم الأميركي أحد الأساطير المؤسسة للولايات المتحدة.
لكن هذه الأسطورة لم تخل من التناقضات، لأن النجاح لم يكن متاحاً للجميع، كذلك السعي المحموم وراء الثروة أدى أحياناً إلى فقدان المعنى الإنساني للحياة.
وإذا كان الخطاب السياسي قد احتفى بالحلم الأميركي، فإن الأدب قدم لهذا الحلم نقداً لاذعاً.
ففي رواية" غاتسبي العظيم"، صوّر فرنسيس سكوت فيتزجيرالد انهيار الوهم الذي يربط بين الثروة والسعادة، مؤكداً أن غاتسبي حقق النجاح الذي يحلم به الجميع، لكنه اكتشف في النهاية أن المال لا يستطيع أن يعيد الزمن إلى الوراء أو أن يمنح الحب الحقيقي.
أما جون شتاينبك، فقد كشف في" عناقيد الغضب" الوجه القاسي للرأسمالية الأميركية، في حين تناول وليم فوكنر آثار التاريخ والعنف والعنصرية في الجنوب الأميركي.
وتحول الأدب في روايات إرنست همنغواي وفرانسيس سكوت فيتزجيرالد وغيرهما من الذين كتبوا الإحساس بالفراغ والضياع الذي خلفته الحروب وتصدّع الحلم الأميركي إلى ضمير نقديّ للمجتمع، وإلى وسيلة للكشف عن الهوة القائمة بين المثال والواقع.
ففي منتصف القرن الـ 20 شهدت الولايات المتحدة ازدهاراً اقتصادياً هائلاً.
وأصبحت الطبقة الوسطى أكثر ثراءً.
فانتشرت ثقافة الاستهلاك، وتحول النجاح المادي إلى القيمة العليا للمجتمع.
لكن هذا الازدهار أخفى شعوراً متزايداً بالاختناق والاغتراب.
فقد بدا للكثير من الشبان أن المجتمع الأميركي يفرض نموذجاً للحياة يقوم على العمل والمال والاستهلاك والامتثال للقيم السائدة.
لذا ظهرت حركة" جيل البيت" وثورتها على المجتمع الاستهلاكي، وبرز كتّاب كـ جاك كيرواك وآلن غينسبرغ وويليام بوروز بوصفهم رموزاً لجيل اهتم بطرح الأسئلة الوجودية والميتافيزيقية، رافضاً اختزال الإنسان في بعده الاقتصادي.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)ولئن كانت كلمة" بيت" قد أشارت بدايةً إلى التعب والإرهاق والهامشية، فإنها مع جاك كيرواك اتخذت بعداً روحياً.
فغدت كل الروايات الأميركية تبحث عن معنى الخير والشر، وعن الهوية والمسؤولية والحب والوحدة، كما في كتابات جون شتاينبك، وروايات سول بيلو، وجيروم ديفيد سالينجر، التي اتجهت نحو التأمل في المصير الإنساني ومقاومة عالم المال والبيروقراطية؛ أو روايات بول أوستر التي خلطت بين العبثية والوجودية وأدب الجريمة والبحث عن الهوية والحرية والمعاني الإنسانية في محاولة لاستعادة تعريف الحلم الأميركي الذي لا ينحصر بالثراء المادي بقدر ما يعني الحق في الاختلاف والبحث عن الذات.
أما أدب القرن 21، فلا يمكن فصله عن الانقسامات السياسية والتحولات الاجتماعية التي عرفتها البلاد منذ 11 سبتمبر 2001 وانتخاب دونالد ترمب، والحركات الاجتماعية كحركة" حياة السود مهمة" والاهتمام باستكشاف موضوعات الهوية، وعدم المساواة العرقية، وتراجع الحلم الأميركي، وذلك من خلال منظورات متعددة ومناهِضة للخطاب السائد.
أظهرت هذه الأدبيات المعاصرة انشغالاً بالانقسامات السياسية والاجتماعية، وبقضايا العِرق والعنف المؤسسي.
ويُعدّ كولسون وايتهيد، وجوناثان فرانزن من أبرز الأدباء الذين أعادوا قراءة تاريخ العبودية والاضطهاد.
أما فيليب روث، فقد قدم نقداً حاداً للسياسة الأميركية والذاكرة التاريخية، راسماً في رواياته تحولات الطبقة الوسطى، رابطاً الأدب بالنقاشات الدائرة حول الديمقراطية والأزمات الانتخابية المختلفة.
ختاماً، يكشف تاريخ الأدب الأميركي عن مفارقة عميقة قوامها أن الأمة التي تأسست على وعد الحرية وتكافؤ الفرص انزلقت نحو تمجيد النجاح المادي بوصفه القيمة العليا.
لكن الأدباء الأميركيين ظلّوا يقاومون هذا الاختزال، مؤكدين في كتاباتهم أن الإنسان لا يمكن اختزاله في الثروة أو المكانة الاجتماعية.
ومن خلال هذا التوتر، عبّر الأدب الأميركي في مجمله عن أزمة حضارية، بيّنت أن الإنسان مهما بلغ من الرفاهية والتقدم المادي، يظلّ مثقلاً بسؤال المعنى، والبحث عن الحب، واستعادة الحرية الداخلية.
ومن هذه الزاوية، يبدو الأدب الأميركي بمثابة سجلٍ طويل لصراع متعدد الأبعاد يتقاطع فيه النجاح كقيمة اجتماعية مع المعنى كحاجة وجودية، وتتجاذب فيه النزعة الفردية وتطلعات الحرية، كذلك يتواجه فيه الحلم الأميركي بوصفه وعداً بالثراء والنجاح، مع الحلم باعتباره أفقاً مفتوحاً نحو إنسان أكثر استقلالاً ووعياً وإنسانية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك