حددت وزارة الاوقاف موضوع خطبة الجمعة القادمة بعنوان" الرفق.
بناءٌ للإنسان وعمرانٌ للأوطان"، وأوضحت الوزارة أن الهدف: التوعية بقيمة الرفق واللين وأنهما طريق لكسب القلوب، وبناء إنسان سوي ووطن قوي، كما حددت موضوع الخطبة الثانية بعنوان: القسوة ليست وسيلة للتربية.
وأشارت الوزارة إنَّ الرفق خُلُقٌ عظيمٌ قامت عليه رسالة الإسلام، وبه اكتملت محاسن الأخلاق، واستقامت أحوال الأفراد والمجتمعات، وهو مَسْلكٌ نبوي كريم، يجمع بين الحكمة والرحمة، وبين الحزم والإحسان، ويضع لكل مقام ما يناسبه بالأسلوب الذي يحقق المقصود بأحسن سبيل، ولذلك قرن الله تعالى الرفق برحمته، وجعله سمةً لأنبيائه ورسله، وأثنى على أهله، وجعل نقيضه سببًا للنفرة والتفرق وإفساد العلاقات.
وقد جسَّد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -هذا الخلق في أسمى صوره، فكان رفيقًا في دعوته، وتعليمه، وتربيته، ومعاشرته، وقضائه، وسياسته، بل شمل رِفقُه - صلى الله عليه وسلم -الإنسانَ والحيوانَ وسائرَ المخلوقات، حتى غدا الرفق من أبرز معالم شخصيته الشريفة، وأعظم أسباب نجاح دعوته واجتماع القلوب حوله، ومن هنا جاءت النصوص القرآنية والنبوية، وأقوال العلماء والحكماء، تؤصل لهذا الخلق الكريم، وتبين منزلته، وصوره، وآثاره، وتدعو إلى التحلي به في مختلف شؤون الحياة، وإليك بيان ذلك:الرفق منهجٌ رباني ونهجٌ نبويإن الرفق خُلُقٌ يحبه الله تعالى؛ فعَن عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ» [رواه أحمد] وسمةٌ من سمات أنبياء الله ورسله الكرام، وسبيل من سبل نجاح الدعوة، واجتماع القلوب، وانتشار الخير بين الناس، ولذلك امتنَّ الله تعالى على نبيه - صلى الله عليه وسلم -بما أودعه في قلبه من الرحمة واللين، وجعل هذا الخلق من أعظم أسباب التفاف الناس حوله، قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحۡمَةࣲ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِیظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّوا۟ مِنۡ حَوۡلِكَۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ وَشَاوِرۡهُمۡ فِی ٱلۡأَمۡرِۖ فَإِذَا عَزَمۡتَ فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ یُحِبُّ ٱلۡمُتَوَكِّلِینَ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
قال الإمام الطبري: " فبرحمةِ اللهِ يا محمدُ، وبرأْفَتِه بك، وبمَن آمَن بك مِن أصحابِك، لِنتَ لتُبَّاعِك وأصْحابِك، فسهُلَت لهم خَلائِقُك، وحسُنَت لهم أخْلاقُك، حتى احْتَمَلْتَ أذَى مَن نالك منهم أذاه، وعفَوْتَ عن ذى الجُرْمِ منهم جُرْمَه، وأَغْضَيْتَ عن كثيرٍ ممَّن لو جفَوْتَ به، وأَغْلَظْتَ عليه، لترَكَك ففارَقَك ولم يَتَّبِعْك، ولا ما بُعِثْتَ به مِن الرحمةِ، ولكنَّ الله جَلَّ وعزَّ رحِمَهم ورحِمَك معهم، فبرحمةٍ مِن اللهِ لِنْتَ لهم" [جامع البيان].
ويذكر الإمام ابن عَجيبة أن هذا الخلق النبوي الكريم جعله الله من أوصاف ورثته من العلماء العارفين للتمكن من أداء دعوة الله إلى عباده، فيقول: " ما اتصف به نبينا عليه الصلاة والسلام من السهولة والليونة والرفق بالأمة، اتصفت به ورثته من الأولياء العارفين، والعلماء الراسخين، ليتهيأ لهم الدعوة إلى الله، أو إلى أحكام الله، ولو كانوا فظاظًا غلاظًا لانفضَّ الناس من حولهم، ولم يتهيأ لهم تعريف ولا تعليم، فينبغي لهم أن يعفوا ويصفحوا ويغفروا ويصبروا على جفوة الناس، ويستغفروا لهم، ويشاوروهم في أمورهم، اقتداءً برسولهم، فإذا عزموا على إمضاء شيء فليتوكلوا على الله إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ" [البحر المديد لابن عجيبة].
وأكدت السنة النبوية أن من حرم الرفق فقد حرم الخير، فعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ يُحْرَمِ الْخَيْرَ» [رواه مسلم].
وروت أم المؤمنين عَائِشَة رضي الله عنها عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -قوله: «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ» [رواه مسلم].
وعَنْها أيضا أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -قَالَ لَهَا: «إِنَّهُ مَنْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ، فَقَدْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ وَحُسْنُ الْجِوَارِ يَعْمُرَانِ الدِّيَارَ، وَيَزِيدَانِ فِي الْأَعْمَارِ» [رواه أحمد].
قال الإمام النووي: " وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ فَضْلُ الرِّفْقِ وَالْحَثُّ عَلَى التَّخَلُّقِ بِهِ وَذَمُّ الْعُنْفِ، وَالرِّفْقُ سَبَبُ كُلِّ خَيْرٍ، وَمَعْنَى يُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ أَيْ يُثِيبُ عَلَيْهِ مالا يُثِيبُ عَلَى غَيْرِهِ، وَقَالَ الْقَاضِي: مَعْنَاهُ: يَتَأَتَّى به من الأغراض ويسهُل من المطالب مالا يَتَأَتَّى بِغَيْرِهِ" [شرح النووي على صحيح مسلم].

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك