ثمن الدكتور نظير محمد عياد مفتي جمهورية مصر العربية ورئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء الجهود التي تبذلها أوزبكستان في إبراز تراثها الإسلامي العريق، وإحياء الإرث العلمي والحضاري لأعلام الأمة، وفي مقدمتهم الإمام البخاري، فضلا عن عنايتها بتنظيم المؤتمرات والملتقيات العلمية التي تسهم في تجلية حقيقة الحضارة الإسلامية، وإبراز رسالتها القائمة على الرحمة، والتسامح، والتعايش، ونشر الأمن والسلام بين الناس.
جاء ذلك في كلمته التي ألقاها صباح اليوم / الثلاثاء / في الجلسة الأولي في المنتدي الإسلامي الدولي الأول المنعقد في مركز الحضارة الإسلامية بطشقندوقال الدكتور نظير عياد" إن هذه الجهود جديرة بكل تقدير وإشادة؛ لما لها من أثر بالغ في ترسيخ الوعي الحضاري، وتعزيز جسور التواصل بين الأمم والشعوب، وإبراز الصورة الحقيقية للإسلام وحضارته في مواجهة الصور المشوهة والمفاهيم المغلوطة.
وأضاف أن حضارتنا الإسلامية ليست مجرد مرحلة زمنية في تاريخ البشرية، ولا تجربة حضاريةً عابرة بين التجارب الإنسانية، وإنما هي مشروع حضاري متكامل، جمع بين بناء الإنسان وعمارة الأكوان، وبين تهذيب الروح وإعمار الحياة، وبين رقي القيم وازدهار العلوم.
وتابع أن رؤية الحضارة الإسلامية أقيمت على أن الجمال قيمة شاملة تشمل ظاهر الإنسان وباطنه، كما تشمل الفرد والمجتمع والعمران؛ فعنيت بجمال النفس والخلق، كما عنيت بجمال الطبيعة، واللباس، والبيت، والمدينة، وجعلت الإحسان مبدأً يحكم علاقة الإنسان بربه، وبنفسه، وبالكون من حوله وفي الوقت نفسه، فتحت أبواب العقل للنظر والتأمل والاكتشاف، وشجعت البحث والعلم، وحاربت الخرافة والوهم، وربطت التقدم المادي بالارتقاء الأخلاقي، حتى غدت حضارة استطاعت أن تحقق التوازن بين متطلبات الروح والجسد، وبين مصالح الدنيا ومقاصد الآخرة، وهو توازن لم تستطع كثير من الحضارات القديمة أو المعاصرة أن تحققه بالصورة التي قدمتها الحضارة الإسلامية.
وقال" هذا ما لم يتوافر، حتى الآن، في أي حضارة عرفتها البشرية، حتى الحضارة الغربية المعاصرة، التي أنهكت البشرية بالحروب الدامية، وأفقدتها إنسانيتها، وأماتت روحها، وعززت فيها جوانب الشهوانية، والحيرة، والاضطراب، والفساد؛ مما حقق لها الشقاء، وأفقدها الأمن، والطمأنينة، والحياة المستقرة.
واوضح أن حضارتنا الإسلامية قد احترمت العقل، ودفعته دفعا حثيثا ليستكشف الكون وما فيه من سنن الله تعالى، وعززت قيم التسامح والسلام والرحمة في ربوع العالم؛ بما يحقق مصلحة الإنسانية كلها، وتعارفها على الخير والبر والإحسان.
ومهما قيل عن حضارتنا من قبل الخصوم، فإنه لا يستطيع أحد، بعدما رأيناه اليوم، أن ينكر أنها كانت أكثر رحمةً، وأشد عدلا بالناس وقد أثبتت الحضارة الغربية اليوم أنها ليست إلى جانب الضعيف، ولا تعطي الحقوق لأصحابها، ولا تسعى إلى مصلحة الإنسانية جمعاء، بل تسعى نحو ما يحقق مصالحها الخاصة، حتى ولو كان ذلك على حساب القيم والمثل الإنسانية العليا.
وأكد أن من أهم ما ينبغي تقريره في هذا المقام أن التسامح والسلام في الحضارة الإسلامية ليسا شعارين يرفعان، ولا موقفين ظرفيين تفرضهما المصالح أو تمليهما التوازنات اليساسية، وإنما هما أصل راسخ من أصول هذه الحضارة، يستمد وجوده من عقيدتها، ويستند إلى تشريعها، وتؤكده أخلاقها، وتترجمه ممارساتها عبر تاريخها الطويل؛ فكلما ازداد المجتمع قربا من هدايات الإسلام الصحيحة، ازداد عدلا ورحمة، واتسعت فيه دوائر التعايش، وصيانة الحقوق، واحترام كرامة الإنسان، بصرف النظر عن دينه أو جنسه أو لونه أو لسانه ومن هنا، فإن الحديث عن التسامح في حضارتنا ليس حديثا عن فضيلة أخلاقية فحسب، بل هو حديث عن منظومة حضارية متكاملة، قامت على بناء الإنسان، وإقامة العمران، وتحقيق العدل، وصيانة الحقوق، وإشاعة الأمن، وإرساء السلام بين الأفراد والشعوب، وهو ما شهد له المنصفون من المؤرخين والباحثين قديما وحديثا.
وأفاد بأن الحضارة الإسلامية حضارة إنسانية في نزعتها وأهدافها، تؤمن بوحدة النوع الإنساني، رغم تنوع أعراقه، ومنابته، ومواطنه ومن ثم، لم تتخل عن قيمها الإنسانية العليا، لا في الحكم، ولا في العلم، ولا في التشريع، ولا في الحرب، ولا في السلم، ولا في الاقتصاد، ولا في الأسرة، حيث التزمت الأخلاق الإنسانية النبيلة تشريعا وتطبيقا.
ولفت إلى أن الحضارة الإسلامية جعلت من الحب، والسلام، والتسامح، ركيزةً أساسية لاستقرار المجتمع، فلم تضق ذرعا بالأديان السابقة، ومن ثم عملت على تعزيز المساواة بين النّاس جميعا، دون تعصب لرأي أو مذهب، وعاملتهم بالقسطاس المستقيم، فلا ظلم ولا جور، ولا يستعلي فيها عرق على عرق، ولا لون على لون، ولا لغة على أخرى؛ ومن ثم كانت محل إعجاب العالم، ومهوى أفئدة الأحرار والأذكياء من كل جنس ودين.
وأضاف أن الواقع التاريخي لهذا التسامح والسلام، يتجلى في هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، وعاش فيها مع اليهود بناء على وثيقة احترمت عقائدهم، والتزمت الدولة بموجبها الدفاع عنهم وقد أحسن النبي صلى الله عليه وسلم استقبال وفد نصارى نجران، وأنزلهم في المسجد، وأشرف بنفسه على خدمتهم وضيافتهم وعلى هذا الهدي النبوي الكريم سار الخلفاء والمسلمون في حضارتهم الإنسانية الفريدة، والشواهد على ذلك أكثر من أن تعد أو تحصى.
وأشار إلى أنه من مظاهر التسامح والسلام في الحضارة الإسلامية أن كثيرا من الكنائس كان يصلي فيها المسلمون والمسيحيون في وقت واحد، وأن الوظائف في الدولة كانت تسند إلى الكفء المستحق، بعيدا عن دينه أو عقيدته، وأن جميع من كان في الدولة كانوا يتشاركون الفرحة بالأعياد والمناسبات الدينية والوطنية، فكانوا يتزاورون فيها، ويحرص كل واحد منهم على أن يشارك الآخر فرحته بعيده الديني أو الوطني.
وشدد علي ضرورة تجلية جوانب التسامح، والسلام، والرحمة في الحضارة الإسلامية بكل الطرق الممكنة، وإبرازها للعالم بوصفها قيما أصيلة قامت عليها هذه الحضارة في عقيدتها وتشريعها وسلوكها، ولم تكن يوما شعارات ترفع أو مبادئ تستدعى عند الحاجة، بل كانت واقعا عاشه الإنسان في ظلها قرونا طويلة.
وأكد الحاجة إلى بيان هذه الحقيقة في وقت يشهد فيه العالم صورا صارخة من العدوان وانتهاك الكرامة الإنسانية؛ إذ تكشف الممارسات الإسرائيلية في فلسطين المحتلة عن نقيض هذه القيم كلها، فلم تعرف معنى الرحمة، ولا احترمت حق الإنسان في الحياة، وإنما مارست شتى أنواع القتل، والإبادة، والتجويع، والتهجير، والتدمير، بحق الشعب الفلسطيني صاحب الحق والأرض، في انتهاك صارخ لكل المبادئ الدينيّة، والقيم الإنسانيّة، والمواثيق الدولية.
وأشار إلى أن الواجب الأخلاقي والإنساني يحتم على أصحاب الضمائر الحية أن يقفوا إلى جانب الحق، وأن يعملوا على وقف هذا العدوان، وإنصاف أصحاب الحقوق، وإعلاء قيم العدل والسلام التي لا يستقيم عمران الأرض إلا بها.
وشدد على أن الدولة المصرية تؤمن بأهمية التسامح والسلام، وضرورة العمل على نشر تلك القيم النبيلة؛ حيث تعمل على نشرها الأمانة العامة لدور وهيئات الافتاء في العالم، والتي تضم عددا من المراكز والوحدات، من بينها مركز السلام، ومركز الامام الليث بن سعد، والمؤشر العالمي للفتوى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك