انهيار بنسبة 57% في سعر التذكرة خلال أيام قليلة فقط، هذا ما حدث فعلياً في السوق الثانوية لتذاكر ربع نهائي كأس العالم 2026 بمجرد سقوط المنتخب الأمريكي أمام بلجيكا 1-4 في دور الـ16 على ملعب سياتل.
حسب موقع" فوتبول غراوند غايد" المتخصص في إحصائيات الملاعب، شهدت مباريات أمريكا الـ5 في البطولة حضوراً جماهيرياً إجمالياً بلغ 343,561 مشجعاً، موزعاً على مباراتين أمام تركيا وباراغواي بواقع 70,492 مشجعاً لكل منهما في ملعب لوس أنجليس، ومباراة أمام أستراليا ومباراة أمام بلجيكا بواقع 66,925 مشجعاً لكل منهما في سياتل، ومباراة أمام البوسنة والهرسك بحضور 68,827 مشجعاً في منطقة خليج سان فرانسيسكو.
ورغم أن مونديال 2026 ككل حطم الرقم القياسي التاريخي لإجمالي الحضور في نسخة واحدة من البطولة، إذ تخطى الحضور الجماهيري حاجز 8 ملايين مشجع عبر 104 مباراة، إلا أن مباريات أمريكا ذاتها لم تكسر الرقم القياسي الشخصي لأعلى حضور في تاريخ المنتخب.
فالسعة المحددة للملاعب الثلاثة التي احتضنت مبارياته تراوحت بين 66 و70 ألف مقعد فقط، في وقت تحتفظ فيه مباريات تاريخية أخرى بأرقام أعلى بكثير: مواجهة أمريكا والمكسيك في نهائي الكأس الذهبية 1993 باستاد أزتيكا استقطبت 130,800 مشجع، ومباراة تصفيات 2001 في الملعب ذاته شهدت حضور 110,000 مشجع، فيما جذبت مواجهة روز بول عام 2011 نحو 93,420 مشجعاً، ومباراة أمريكا والبرازيل في مونديال 1994 على ملعب ستانفورد حضرها 84,177 متفرجاً.
ماذا يعني" إقصاء سوق التذاكر"؟الأثر الأوضح ظهر فوراً في السوق الثانوية.
فقبل خسارة أمريكا، كان المشجعون الأمريكيون يشترون تذاكر ربع النهائي المتوقع لمنتخبهم في ملعب لوس أنجليس بمتوسط سعر بلغ 3,337 دولاراً، وفقاً لموقع" هيتسي" المتخصص في تتبع أسعار التذاكر الرياضية.
وبعد تأهل بلجيكا لمواجهة إسبانيا بدلاً من أمريكا، هبط متوسط سعر التذكرة إلى نحو 1,435 دولاراً فقط، بانخفاض يصل إلى 57%، ما فتح الباب أمام عشاق كرة القدم المحايدين والمشجعين الأوروبيين للحصول على تذاكر أرخص بكثير.
لكن هذا الانخفاض لن يعني" مقاعد فارغة".
فوفقاً لتقرير نشرته إذاعة" كي سي يو آر"، سيبقى الطلب العالمي والمحلي على تذاكر المونديال هائلاً، والفرق الوحيد هو أن الملاعب الأمريكية في الأدوار المقبلة ستكتسي بألوان المنتخبات المتأهلة، بدلاً من قمصان المنتخب المضيف.
وتفسّر هذا الأمر طبيعة التركيبة السكانية الأمريكية، إذ تضم البلاد ملايين المقيمين والمهاجرين من جنسيات مختلفة عاشقة لكرة القدم، سينتقلون الآن لمؤازرة منتخبات بلدانهم أو لغتهم الأصلية بكثافة، بحسب ما أشارت إليه تقارير" بي بي سي".
في المقابل، أكد موقع" إي إس بي إن" أن فعاليات مناطق المشجعين وتجمعات المشاهدة الجماعية في الشوارع والحانات الأمريكية، والتي سجلت أرقاماً قياسية غير مسبوقة خلال دور المجموعات، من المتوقع أن تشهد انخفاضاً في الكثافة مع تراجع اهتمام المواطن الأمريكي العادي بمتابعة بقية المباريات.
بطولة بحجم المونديال تُقارن بـ" حفلة"!هذا التفاعل الغريب بين الحماس المحلي والامتلاء الجماهيري يقود بشكل طبيعي إلى مقارنة أكثر إثارة: كيف تبدو أرقام حضور المونديال داخل أمريكا أمام أضخم جولة حفلات موسيقية شهدها العالم مؤخراً، جولة" ذا إيراس تور" للمغنية الأمريكية تيلور سويفت؟على مستوى مباراة مقابل حفلة واحدة، تتفوق سويفت رقمياً.
فسعة أكبر الملاعب الأمريكية في المونديال تراوحت بين 65 و72 ألف مقعد فقط لأسباب تنظيمية وإعلامية تفرضها" فيفا"، تحصر الجمهور في المدرجات.
أما في حفلات سويفت، فتتحول أرضية العشب بالكامل إلى مساحة وقوف وجلوس إضافية، ما سمح لمغنية" البوب" بتسجيل حضور فاق 73,000 مشجع في ملعب" أكريسور ستاديوم"، وتخطى 85,000 مشجع في" هارد روك ستاديوم" بميامي، وهي أرقام تعجز أي مباراة في مونديال الوصول إليها.
لكن الصورة تنقلب كلياً على مستوى الحدث بأكمله.
فإجمالي حضور مونديال 2026 عبر 104 مباراة تخطى 8 ملايين مشجع، ليصبح الحدث الرياضي الأكبر حضوراً في التاريخ، فيما استقطبت جولة" ذا إيراس تور" بأكملها، والممتدة على قرابة عامين عبر 149 حفلة في خمس قارات، نحو 10 ملايين شخص إجمالاً.
أي أن بطولة تُقام في شهر وثمانية أيام فقط تجذب من الجماهير داخل الملاعب ما يقارب ما جمعته جولة موسيقية عالمية استمرت لعامين كاملين.
المفارقة تتكرر في أسعار التذاكر وقيمتها الاقتصادية.
فتذاكر نهائي مونديال 2026 المقرر في ملعب" ميتلايف" بنيوجيرسي تبدأ رسمياً من 300 دولار للمقاعد العلوية وتصل إلى 2,750 دولاراً للمقاعد الممتازة، فيما تبدأ السوق الثانوية حالياً من 1,800 دولار لأرخص تذكرة، وتصعد إلى ما بين 6,000 و15,000 دولار للمقاعد القريبة من أرضية الملعب وكبائن الضيافة.
في المقابل، كانت التذكرة الرسمية لحفلات سويفت تبدأ من 49 دولاراً فقط وتصل إلى 449 دولاراً، لكن السوق الثانوية رفعت متوسط سعر التذكرة العادية إلى 2,200 دولار، بينما بيعت المقاعد الأمامية القريبة من المسرح بأسعار تراوحت بين 11,000 و35,000 دولار في مدن مثل لوس أنجليس وميامي.
أما على مستوى الأثر الاقتصادي الشامل، فتقدَّر مساهمة جولة" ذا إيراس تور" في الاقتصاد الأمريكي بنحو 5 مليارات دولار، وفقاً لتقرير نشرته منصة" فاينانس ياهو"، فيما يتوقع محللون أن يصل العائد الاقتصادي الإجمالي لمونديال 2026 في المدن الأمريكية إلى ما يفوق 9 مليارات دولار.
غير أن طبيعة هذا الأثر تختلف جذرياً بين الحدثين: فحين تزور سويفت مدينة لثلاثة أيام فقط، يقفز إشغال الفنادق فوراً بنسبة 95% فيما يسميه الاقتصاديون" اقتصاد سويفت"، وفي عطلة نهاية أسبوع واحدة فقط، يتكبد المعجب القادم من دولة أو ولاية أخرى نحو 1,300 دولار، لتغطية تكاليف الإقامة، والمواصلات، والمظهر.
في المقابل، يمتد الأثر الاقتصادي للمونديال بنسخته الموسعة على مدار أكثر من شهر كامل، وتحقق مدن مضيفة مثل نيويورك ولوس أنجليس وأتلانتا وميامي إشغالاً كاملاً ومستمراً لأسابيع في الفنادق والمطاعم، فضلاً عن إرث بنية تحتية دائم في شبكات النقل والمطارات سيبقى لعقود بعد انتهاء البطولة.
فخروج المنتخب الأمريكي المبكر أفرغ الشوارع الأمريكية من بعض حماسها المحلي، لكنه لن يفرغ المقاعد، ولن يوقف عجلة اقتصاد يتحرك بمليارات الدولارات بغض النظر عن هوية الفريق الذي يرتدي القميص.
وبين رقم مباراة عابرة في المونديال وحفلة واحدة لأشهر مغنية في العالم، تبقى كرة القدم" المغناطيس" الأقوى لجذب قلوب و" جيوب" الملايين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك