يصادف اليوم السابع من يوليو 2026 الذكرى 62 على إنشاء ديوان المحاسبة، حيث نصت المادة رقم «151» من دستور دولة الكويت على أن «ينشأ بقانون ديوان للمراقبة المالية يكفل القانون استقلاله ويكون ملحقاً بمجلس الأمة، ويعاون الحكومة في رقابة تحصيل إيرادات الدولة وإنفاق مصروفاتها في حدود الميزانية، ويقدم الديوان للحكومة تقريراً سنوياً عن أعماله وملاحظاته» وتنفيذاً لذلك صدر القانون رقم 30 لسنة 1964 بتاريخ 7 يوليو بإنشاء ديوان المحاسبة.
ولم يكن إنشاء الديوان وليد الصدفة أو استجابة لاحتياجات إدارية موقتة بل جاء تأسيسه متزامنا مع مرحلة بناء الدولة الحديثة بعد الاستقلال، إيمانا بأن التنمية الحقيقية لا تتحقق إلا بوجود جهاز رقابي مستقل يضمن سلامة الإنفاق العام ويحافظ على حقوق الأجيال المتعاقبة، في ظل توجه وطني يهدف إلى إرساء دعائم المؤسسات الدستورية وترسيخ مبادئ العدالة والمساءلة والفصل بين السلطات.
لقد ارتبطت نشأة ديوان المحاسبة بتعاظم دور الدولة واتساع مسؤولياتها، الأمر الذي استدعى إلى إيجاد مؤسسة رقابية عليا تتمتع بالاستقلالية والحياد والكفاءة المهنية وتتولى متابعة الميزانيات والمصروفات، وتضمن التزام الجهات الحكومية بالقوانين واللوائح المالية المعمول بها.
ومنذ تأسيسه لم يقتصر دور ديوان المحاسبة على الرقابة التقليدية فحسب، بل شهد تطورا مستمرا في أدواته وأساليبه الرقابية لمواكبة المتغيرات الاقتصادية والإدارية والتكنولوجية المتسارعة، فأصبح يعتمد على مفاهيم الرقابة الحديثة، إلى جانب الرقابة المالية والقانونية، مما جعله شريكا أساسيا في دعم خطط التنمية والإصلاح الإداري.
وقد حرص الديوان من خلال ممارسته لعمله الرقابي على تكوين علاقات قوية وبناءة مع الجهات المشمولة برقابته، وأسهم في معاونة الجهات على انتظام الأعمال المالية والمحاسبية بها، والعمل على إيجاد الحلول لما يواجهها من صعوبات خلال أدائها لمهامها على كافة المستويات، حيث يمارس الديوان دورا محوريا في تحسين الأداء المالي، والكشف عن أوجه القصور والمخالفات وتقديم التوصيات اللازمة لمعالجتها، بما يحقق الاستخدام الأمثل للموارد ويعزز مبادئ الحوكمة الرشيدة.
إن استحضار نشأة ديوان المحاسبة لا يعني الوقوف عند حدث تاريخي فحسب، بل يمثل قراءة لمسيرة وطنية جسدت الإيمان العميق بأهمية حماية المال العام وترسيخ مبادئ النزاهة وثقافة المساءلة المؤسسية، فالديوان منذ انطلاقته وحتى يومنا هذا ظل رمزا للاستقلالية والموضوعية والالتزام بالمصلحة العامة، وأحد أهم الأدوات التي تعتمد عليها الدولة لضمان سلامة الإدارة المالية.
وشملت أبرز أعمال الديوان خلال الفترة من 7 يوليو 2025 حتى 7 يوليو 2026، إنجاز التقرير السنوي عن نتائج الفحص والمراجعة على تنفيذ ميزانيات الجهات المشمولة برقابته وحساباتها الختامية للسنة المالية 2025/2024، وتوقيع اتفاقية تفاهم بين ديوان المحاسبة بدولة الكويت وجهاز الإمارات للمحاسبة بدولة الإمارات العربية المتحدة، بالإضافة إلى مشاركته بما يفوق الـ 60 اجتماعاً ونشاطاً إقليمياً مع عدد من المنظمات الإقليمية والعالمية، وهي المنظمة الدولية لهيئات الرقابة العليا (الإنتوساي)، والمنظمة الآسيوية لهيئات الرقابة العليا (الأسوساي)، والمنظمة العربية للأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة الأرابوساي)، والمنظمة الأوروبية لهيئات الرقابة المالية العليا (اليوروساي)، بالإضافة إلى دواوين الرقابة المالية والمحاسبة بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، إلى جانب المساهمة في مجموعة من الأنشطة التدريبية للأجهزة الرقابية والمنظمات الدولية والإقليمية من خلال الاستعانة بمدربين من ديوان المحاسبة.
ومن هذا المنطلق، يُعدّ ديوان المحاسبة أحد الركائز الأساسية التي تقوم عليها منظومة الدولة، فهو الحارس الأمين على المال العام، والجهة الرقابية العليا التي تضطلع بمسؤولية التأكد من حسن إدارة الموارد المالية وصونها من الهدر أو سوء الاستخدام، وضمان استخدامها الاستخدام الأمثل والتأكد من تحقيق الخطط والبرامج لأهدافها وبلوغ غاياتها.
وبهذا، جاء تأسيس ديوان المحاسبة ليجسد رؤية وطنية متقدمة تؤمن بأن الرقابة المالية ليست مجرد عملية تدقيق حسابي أو إجراء إداري دوري، وإنما هي منظومة متكاملة تسهم في رفع كفاءة الأداء الحكومي، وتعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، ودعم مسيرة التنمية المستدامة في إطار من الشفافية وسيادة القانون.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك