تناجي امرأة نازحة في مخيم قرب الحسكة أحد المسؤولين للتدخل، من أجل إعادتهم لمنازلهم التي نزحوا عنها منذ قرابة سبعة أعوام في مدينة سري كانيه (رأس العين).
تقول السيدة الخمسينية إن الحياة لم تعد تطاق تحت خيم من القماش المهترئ، وقيظ الصيف يلسع وجوههم مع نقص المياه والخدمات في مكان يعج بالغبار والعقارب، وإنها تريد العودة لمنزلها في المدينة التي لا يزال أهلها غير قادرين على العودة لها منذ العملية العسكرية التركية في أكتوبر (تشرين الأول) 2019.
هذه ليس النازحة الوحيدة التي تشكو شظف العيش وقلة الحيلة في هذه المكان، وإنما واحدة من عشرات الآلاف الذين ينتظرون الخروج من الخيام ومراكز الإيواء وأماكن النزوح إلى منازلهم وقراهم، لا سيما مع انتعاش آمالهم بتطبيق اتفاق الـ29 من ديسمبر (كانون الثاني) الماضي بين الحكومة السورية الانتقالية وقوات سوريا الديمقراطية، الذي ينص في أحد بنوده على عودة آمنة لجميع النازحين في مختلف المناطق من دون أي موانع أو إعاقة.
على إثر هذا التأخر في العودة يزداد الاستياء الشعبي بين هؤلاء النازحين، بخاصة وأن عدداً كبيراً من أقرانهم النازحين من عفرين انتهوا من العودة تقريباً وطبق الاتفاق بخصوصهم، إذ وصل ما يقارب 120 ألف نازح إلى عفرين وقراها من خلال ثماني دفاعات نظمها طرفا الاتفاق (الحكومة وقوات سوريا الديمقراطية)، في حين تحضر دفاعات متبقية لإنهاء هذا الملف.
وتعبيراً عن هذا الاستياء خرج عشرات من نازحي رأس العين في وقفة احتجاجية أمام مبنى المحافظة في الحسكة، وطالبوا بالإسراع من تأمين عودتهم لديارهم وإنهاء معاناة النازحين، لا سيما أولئك الذين يقبعون في الخيام، إذ تراجعت فيها الخدمات العامة إلى مستويات متدنية من حيث تقديم الكهرباء والمواد الغذائية ومياه الشرب، وغير ذلك مما كان يؤمن لها مسبقاً من سلطات الإدارة الذاتية والمنظمات غير الحكومية، التي تأثر عملها خلال الأشهر الأخيرة جراء تراجع الدعم الإنساني للمنطقة.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)ورفع المعتصمون شعارات تدعو الحكومة والجهات المعنية إلى ترتيب عودتهم والقيام بمسؤوليتها سريعاً لإنهاء معاناتهم مع التهجير الذي يعيشونه منذ سنوات، وقال متظاهر في الساحة التي تجمعوا فيها إن جميع السوريين تمكنوا من العودة لديارهم في مختلف المناطق" إلا نحن أبناء سري كانيه، لا يفسحون لنا الطريق للعودة"، مضيفاً أنهم يئسوا من الانتظار والوعود التي يتلقونها من مسؤولي الطرفين، وفق تعبيره.
ورفع أطفال لافتات تدعو إلى إخراجهم من المخيمات، منها" من حق كل طفل أن يعيش في منزله وليس في المخيم"، وآخرون تمسكوا بحقهم في العودة لبيوتهم وديارهم، مؤكدين أن مطالبهم حق إنساني بعيد من السياسة، فيما شدد آخرون على الاستمرار في الاحتجاجات حتى تحقيق عودة آمنة وفورية.
وتواجه المناطق التي يريد هؤلاء النازحون العودة لها تعقيدات عسكرية وأمنية وسكانية جراء سنوات الحرب في سوريا، فقد كانت منطقة سري كانيه أولى المناطق المتداخلة قومياً، وهاجمتها المعارضة السورية إبان تشكلها من فصائل" الجيش الحر" و" جبهة النصرة" (التي تحولت إلى" هيئة تحرير الشام" لاحقاً) في أواخر عام 2012، وأصبحت لاحقاً تحت سيطرة وحدات" حماية الشعب" الكردية، ثم عادت فصائل الجيش السوري الوطني لتسيطر عليها مع الجيش التركي في عملية" نبع السلام" في 2019 وحتى سقوط النظام السابق، ثم تبدلت الأحول فيها وأصبحت مؤسساتها تابعة للحكومة السورية الانتقالية.
لكن مصادر مطلعة على أجواء اجتماعات الفريق الرئاسي الخاص بتنفيذ الاتفاق مع قوات سوريا الديمقراطية كشف غير مرة عن أن السيطرة الفعلية لم تنتقل بصورة حقيقية للجانب الحكومي، وأن هذه الخطوات تسير بصورة بطيئة جداً، بما فيها تشكل قوى أمنية تابعة للحكومة وخاضعة لاتفاق الـ29 من ديسمبر، لا سيما وأن الفصائل العسكرية التي لم تكن جزءاً من التحالف مع" هيئة تحرير الشام"، وكانت تابعة لتركيا هي المسيطر الفعلي على هذه المناطق، وقادة الفصائل هم المتحكمون بالمنطقة ويستولون على مساحة تقدر بنحو 20 ألف هكتار من الأراضي الخصبة، وفق مسؤولين في المنطقة، وأصبحت لهم مصالح اقتصادية فيها، إضافة إلى عائلات مسلحين وآخرين معارضين لقوات سوريا الديمقراطية تنتظر هي الأخرى العودة لمناطقها، فيما تبقى القوات التركية في معظم نقاطها وقواعدها المنتشرة في المدينة وريفها، ولا تسمح بالاقتراب منها طالما أنها لم تنسحب منها بعد.
خلال الفترة الماضية فتحت الطرقات إلى المدينة ولكن الرئيسة منها كطريق الدرباسية وتل تمر لا تزال غير سالكة لاعتبارات أمنية، وتهمل فرق كشف الألغام على إزالتها من الطرقات والحقول المجاورة، وفق بيانات رسمية، كما أن للمدينة وريفها تأثيراً وأهمية لعموم المنطقة، لا سيما وأنها تحتضن محطة" علوك" التي تضخ منها المياه الجوفية لمدينة الحسكة وريفها، إذ تؤمن المياه لنحو مليون شخص، وبحسب المسؤولين فإن المحطة كان من المفترض أن تبداً الضخ خلال هذه الأيام، عقب تأمين خطوط الكهرباء الواصلة إليها، وكذلك الأعمال الفنية داخلها من صيانة للمضخات والآبار المرتبطة بها والمنتشرة قرب القرية الواقعة شرق مدينة سري كانيه.
وبغية تهيئة الأجواء ودعم مسار عودة الأهالي وتسوية الأوضاع في هذه المنطقة، زار وفد من المفوضية العليا للاجئين ومنظمات إنسانية دولية وازنة المدينة، وتابع قسم الحماية فيها مع المسؤولين والمعنيين والقطاع المدني في رأس العين دراسة ظروف وإمكان عودة النازحين وتأمين خطط لتوفير الدعم المدني للجمعيات والمنظمات العاملة في المنطقة لتسهيل عملية الانتقال، سواء للعائدين للمدينة أم الخارجين منها إلى مناطقهم الأصلية، لا سيما في ريف الحسكة الجنوبي وغيرها من المناطق.
أثناء احتجاجات أهالي سري كانيه أمام مبنى محافظة الحسكة أمس الأحد تحدث إليهم المحافظ نور الدين أحمد، الذي جرى اختياره تطبيقاً لاتفاق الدمج بين الحكومة وقوات سوريا الديمقراطية، محاولاً شرح ظروف عرقلة العودة، ومشدداً على بذلهم الجهود لحل هذا الملف.
وجاءت هذه الاحتجاجات عقب انتشار فيديوهات لعائلات المسلحين المقيمين في المدينة مدججين بالسلاح، وإعلانهم رفض السماح بعودة أي نازح من السكان الأصليين للمدينة أو تسليم منازل إلا بعد تأمين عودتهم لمناطقهم، خصوصاً أولئك الذين نزحوا من مدينة الحسكة وريفها الجنوبي.
وقال المتحدث باسم" لجنة مهجري سري كانيه" محمود جميل، في تصريحات صحافية عقب انتشار الفيديو، إن هؤلاء يطلبون من الحكومة مبالغ مالية تصل إلى 5 آلاف دولار كتعويض وإعانة على العودة لمناطقهم، كما أنهم يتواصلون مع السكان الأصليين ويطلبون فدى مالية في مقابل عدم تخريب المنازل والبيوت التي يقيمون فيها أو انتزاع الأبواب والنوافذ منها.
وقال محافظ الحسكة لـ" اندبندنت عربية" إن ملف عودة الناحين من سري كانيه أولوية قصوى لهم، لكنهم يعملون على أن تكون هذه العودة" كريمة وآمنة"، مؤكداً أنهم يتابعون الأمر لحظة بلحظة، وينتظرون أن تتهيأ الظروف المناسبة للعودة، وفي مقدمها الجانب الأمني، إضافة إلى إزالة وتنظيف المناطق والطرق من مخلفات الحروب والألغام المزروعة، وموضحاً أن صعوبات عدة تواجه عملية الإزالة، منها عدم وجود مخططات لأماكن وجود وزراعة الألغام، " باعتبار أن غالبها زرع من النظام البائد عقب انتشار قواته في مناطق التماس عام 2019".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك