وراء كل شهادة.
حكاية كفاحهناك أفراح تمر في حياتنا كأي مناسبة، وهناك أفراح تترك في القلب أثرًا لا يمحوه الزمن.
ومن أجمل هذه الأفراح فرحة التخرج من الثانوية العامة؛ تلك اللحظة التي لا تُقاس بورقة تحمل درجات، بل تُقاس بسنوات طويلة من التعب، والسهر، والقلق، والدعوات التي ارتفعت في جوف الليل، والأحلام التي نمت عامًا بعد عام حتى آن لها أن تُزهر.
في كل موسم تخرج، لا أرى شهادات تُوزَّع، بل أرى حكايات تُروى.
أرى طفلًا دخل المدرسة وهو يحمل حقيبة أكبر من قامته، ثم أقف أمام شاب أو شابة يحملان شهادة تفتح لهما أبواب المستقبل.
وبين البدايات والنهايات رحلة طويلة، امتلأت بالاجتهاد، والتحديات، والنجاحات الصغيرة، والإخفاقات التي صنعت القوة، والدموع التي تحولت إلى ابتسامات، والخوف الذي أصبح ثقة بالنفس.
ولعل أجمل ما في هذه الفرحة أنها لا تخص الخريج وحده، بل يعيشها كل من أحبه.
فالأم التي سهرت تتابع، وتوقظ، وتدعو، تشعر وكأنها هي التي تخرجت.
والأب الذي حمل هم المستقبل، وبذل كل ما يستطيع ليهيئ لأبنائه أسباب النجاح، يقف في ذلك اليوم مرفوع الرأس، يرى في أعينهم ثمرة سنوات من الكفاح.
وحتى الإخوة والأصدقاء والمعلمون، لكل منهم نصيب من هذه الفرحة، لأن النجاح لا يولد من فراغ، بل تصنعه أيادٍ احتضنت، وقلوب آمنت، وأشخاص وقفوا إلى جانبنا حتى في اللحظات التي شككنا فيها بقدراتنا.
وفي هذا العام، اكتسبت فرحة التخرج بُعدًا إنسانيًا مميزًا، حين بادرت سعادة وزيرة التربية والتعليم والتعليم العالي، لولوة بنت راشد الخاطر، بالاتصال بعدد من الطالبات المتفوقات لتزف إليهن بنفسها خبر حصولهن على المنح الدراسية.
لم يكن ذلك مجرد اتصال هاتفي، بل كان رسالة صادقة من وطن يعرف قيمة الاجتهاد، ويؤمن بأن أبناءه وبناته هم ثروته الحقيقية.
وربما كانت تلك المكالمة بالنسبة لبعض الخريجات لحظة لا تقل فرحًا عن لحظة التخرج نفسها، لأنها حملت اعترافًا بالتميز، وفتحت أمامهن أبوابًا جديدة لتحقيق طموحاتهن.
إنها لفتة راقية تؤكد أن الأوطان العظيمة لا تحتفي بالنجاح فحسب، بل تحتفي بأصحابه أيضًا.
مثل هذه المبادرات ليست أخبارًا عابرة، وإنما رسائل ملهمة لكل طالب وطالبة، تؤكد أن الاجتهاد لا يضيع، وأن التميز يجد دائمًا من يقدّره ويحتفي به.
وهي أيضًا رسالة وفاء لكل أسرة سهرت وتعبت وضحت، بأن ثمرة الصبر قد تأتي في لحظة واحدة، لكنها تساوي سنوات طويلة من الانتظار.
لكن ما أتمناه من كل خريج وخريجة ألا يجعلوا التخرج محطة الوصول، بل نقطة الانطلاق.
فالحياة لا تتوقف عند شهادة مهما بلغت قيمتها، وإنما تبدأ بعدها رحلة جديدة، أكثر اتساعًا وأكثر مسؤولية.
رحلة لاكتشاف الذات، واختيار الطريق، وصناعة المستقبل، وتحويل الأحلام إلى إنجازات تخدم الفرد ووطنه.
كم هو جميل أن نفرح بالنجاح، لكن الأجمل أن نحافظ عليه، وأن نجعل من العلم رسالة، ومن الأخلاق منهجًا، ومن الاجتهاد أسلوب حياة.
فالعالم لا يحتاج إلى أصحاب الشهادات فقط، بل يحتاج إلى أصحاب المبادئ، وإلى شباب يؤمنون بأن النجاح الحقيقي هو أن يكون الإنسان نافعًا لوطنه، ومجتمعه، ولكل من حوله.
وفي خضم هذه الاحتفالات، لا ينبغي أن ننسى أولئك الذين لم يحالفهم الحظ هذا العام.
فالنتائج ليست نهاية الأحلام، والتعثر ليس فشلًا، بل قد يكون بداية طريق مختلف يقود إلى نجاح أكبر.
كم من شخص لم يحقق ما أراده في أول محاولة، ثم أصبح فيما بعد نموذجًا يُحتذى به في النجاح والتميز.
فلا تجعلوا رقمًا في كشف الدرجات يحدد قيمتكم أو يرسم مستقبلكم، فالقيمة الحقيقية للإنسان تكمن في إرادته، وعزيمته، وقدرته على النهوض بعد كل تعثر.
وإلى أولياء الأمور، أقول: لا تجعلوا أبناءكم يقيسون أنفسهم بدرجة أو نسبة مئوية فقط.
احتضنوهم في يوم النجاح، وساندوهم في يوم التعثر، فالحب غير المشروط هو أعظم هدية يمكن أن تقدم للأبناء.
فكم من كلمة تشجيع صنعت طبيبًا، أو مهندسًا، أو معلمًا، أو قائدًا، وكم من كلمة إحباط أطفأت حلمًا كان يمكن أن يغيّر حياة صاحبه.
إلى كل خريج وخريجة… مبارك لكم هذا الإنجاز.
احتفلوا، وافرحوا، وامنحوا أنفسكم حق الفخر بما بذلتموه من جهد.
ثم افتحوا صفحة جديدة بعزيمة أكبر، فالمستقبل لا يُبنى بالأمنيات، بل بالعمل، والإصرار، والإيمان بأن القادم يحمل فرصًا أجمل.
ويبقى التخرج رسالة تقول لنا إن لكل تعب نهاية، ولكل صبر ثمرة، ولكل حلم يؤمن به صاحبه موعدًا مع الحقيقة.
وما أجمل أن يتحول هذا اليوم إلى بداية جديدة، لا تحمل الأحلام الشخصية فقط، بل تحمل أيضًا مسؤولية رد الجميل لهذا الوطن الذي آمن بشبابه، واحتفى بتميزهم، وفتح أمامهم أبواب المستقبل.
فهنيئًا لكل من حصد اليوم ما زرعه بالأمس، وهنيئًا لكل قلب عرف أن الطريق إلى القمة يبدأ بخطوة، ويستمر بالإرادة، ولا ينتهي إلا بتحقيق الحلم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك