كان ممدّدًا على بطنه شبه عارٍ، لا يرتدى سوى سرواله الداخلى.
عيناه معصوبتان بخرقة، ووجهه مغروس فى النقّالة التى ألقاه عليها خاطفوه.
يداه مقيّدتان خلف ظهره بأصفاد بلاستيكية مُحكمة ومؤلمة، وجسده مربوط بالسرير بأسلاك.
وعلى ساقه اليمنى كدمتان مائلتان إلى الحمرة؛ حتى هذه اللحظة، تبدو الصورة كأنها مشهد اعتيادى لمعتقلٍ فلسطينى، لكن هذه المرة، أضيفَ إلى هذا التعذيب أيضًا ملحق غير مألوف: عصا خشبية، الجزء العلوى منها مكسو بالحديد، ولا يُعرف لماذا، مربوطة بمحاذاة جسده كله، تبدو كأنها رمح إفريقى.
ويجوز التخمين أن وظيفة هذه العصا هى منع الضحية من الانحناء ولو للحظة، فى أى وضعٍ كان.
للحظةٍ، ظننت أنها عمل فنى احتجاجى، أو ربما صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعى ــ ذلك الملاذ اليائس أمام كل صورة مروّعة تخرج من غزة؛ لكن الأمر ليس كذلك، لقد أعلن الجيش الإسرائيلى يوم الخميس الماضى أنه «حدّد موقع الحادثة المذكورة»، وأنها «فى قيد التحقيق على مستوى القيادة»، وأن «التعامل مع المتورطين سيكون وفق النتائج التى سيتوصل إليها التحقيق».
أمّا شكل «المعالجة» المتوقعة، فلا جدوى من الإطالة فى الحديث عنها؛ فى أفضل الأحوال، ربما يتم توقيف الجنود الذين مارسوا التعذيب عن الخدمة ساعتين، ففى النهاية، هذه هى «الخدمة المهمة» فى غزة التى طالما حلموا بها.
نُشرت صورٌ أشدّ فظاعةً من هذه الصورة، لكنها لم تبلغ هذه الدرجة من الرعب؛ فلا توجد فيها دماء، أو أطراف مبتورة، أو عنف ظاهر، أو جثث ممزقة.
مجرد إنسان مربوط بعصا، لا نعرف مَن يكون؛ وسائل الإعلام الإسرائيلية سارعت إلى وصفه بأنه «مخرّب»، مثلما تصف كل فلسطينى فى غزة، من دون أن يكون لديها أدنى فكرة عمّن هو، أو ماذا فعل، لكن هويته وذنوبه، إن كانت له ذنوب أصلًا، ليست ذات صلة على الإطلاق.
لا يوجد إنسان يستحق مثل هذا التعذيب، ولا نعرف أيضًا كم من الوقت تُرك على هذه الحال: ساعة، أو ربما شهرًا؟ المهم هو ما الذى دار فى رءوس الجنود؟ما الذى يدفع شابًا إسرائيليًا، يخدم فى وحدة قتالية، إلى ربط إنسان بعصا تعذيب؟ هل ألحقَ بهم أى أذى؟ فهو فى مثل أعمارهم تقريبًا.
هل فكروا فى حياته؟ فى أحلامه؟ فى ماضيه وحاضره ومستقبله؟ هل يرونه إنسانًا أصلًا، أم مجرد جسم مشبوه؟ ومن الواضح أنهم لا يخجلون من أفعالهم، بل يفاخرون بها إلى درجة أنهم يصورونها وينشرونها فى وسائل التواصل الاجتماعى.
«انظروا إلينا، نحن أبطال الشعب».
إنهم يدركون أنهم -فى نظر كثيرين- أبطال إسرائيل فى هذه الأيام.
ومن أين جاءوا بهذه العصا؟ لعلها العصا نفسها التى استخدمها «مقاتلو» القوة 100 المشهورون [فى معتقل سديه تيمان]، أولئك الذين صوّرهم الصحافى جاى بيليغ على أنهم ضحايا «فرية الدم»؟وكيف جرى الأمر؟ أحدهم أحضر العصا، والآخر حرص على تغطية رأسها بالحديد، والثالث اقترح: «هيا نربطه بالعصا، سيكون رائعًا أن ننشر الصورة على إنستجرام» ثم نفّذ عدد منهم ذلك.
شدّوا وثاق ضحيتهم العاجزة بإحكام شديد، وربطوها مثلما يُربَط طرد من أمازون، ثم أضافوا العصا للزينة.
لا بد من أن ذلك أضحكهم كثيرًا؛ ربما بثّوا المشهد عبر «فايس تايم» لصديقاتهم؛ سيعجبهن ذلك؛ وربما أيضًا لآبائهم وأمهاتهم، ليروا كم أنهم وطنيون وشجعان.
وماذا سيحمل الضحية معه طوال ما تبقى من حياته؟ ماذا سيروى يومًا لأطفاله وأحفاده؟ وهل سينجو من معسكر التعذيب الذى اختُطف إليه مع عشرات الآلاف من البشر الآخرين، الأبرياء، فى معظمهم، وجميعهم من دون محاكمة؟حنين: فى 26 فبراير 1988، وثّق فريق من شبكة CBS، بقيادة المراسل الأسطورى بوب سايمون والمصور الإسرائيلى موشيه ألبرت، أربعة جنود من الجيش الإسرائيلى وهم يضربون شابين فلسطينيين بحجر ويكسرون ذراعيهما على تلّ صخرى بالقرب من نابلس.
صُوِّرت اللقطات من مسافة 300 متر، وأثارت عاصفة من ردات الفعل فى العالم.
بل دعك من العالم ــ لقد اهتزت إسرائيل نفسها، أيمكن تصديق ذلك؟لقد مضى ما يقارب الأربعين عامًا.
ولم يُثِر مقتل ألف رضيع فى غزة العاصفة نفسها التى أثارها كسر عظام شابين على ذلك التل الأجرد بالقرب من نابلس؛ أمّا صورة الإنسان المربوط بالعصا، فلم تُثِر هنا أى شىء تقريبًا.
وهذا هو ملخّص تاريخ اليأس.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك