وهكذا نجد أنفسنا اليوم خارج الاتحاد الأوروبي، في واقع لم يصوت له أحد.
لقد حان وقت مواجهة الحقيقة.
قبل 10 أعوام، صوتت المملكة المتحدة لمصلحة مغادرة الاتحاد الأوروبي بأغلبية ضئيلة.
غير أن ذلك التصويت كان، في جوهره، بلا معنى.
فلم يكن أحد يعلم ما الذي ستعنيه الحياة خارج الاتحاد الأوروبي، ومن دون هذه المعرفة، لم يكن هناك خيار مشروع أصلاً.
واستنتج البعض أن نتيجة الاستفتاء تعني التصويت لمصلحة أي وضع يكون خارج الاتحاد الأوروبي، لكن هذا الاستنتاج تجاهل احتمالاً واضحاً مفاده أن البلاد، ما إن ترى شكل" بريكست" على أرض الواقع، قد تفضل البقاء داخل الاتحاد.
لقد أدرك كير ستارمر هذه النقطة.
فحين كان وزير" بريكست" في حكومة الظل، رأى أن من حق الجمهور أن تكون له" الكلمة الفصل" في شأن شروط الاتفاق بعد التفاوض عليه.
لكن الحقيقة أننا لم نُمنح حتى الكلمة الأولى.
تحدث قادتنا نيابة عنا.
ومن خلال افتراضهم وجود إجماع وطني على أن وجهتنا ليست ذات أهمية، وزعمهم بأنهم يعرفون أن" إرادة الشعب" كانت تتمثل في منح البرلمان تفويضاً مفتوحاً لكي يفعل به ما يشاء، فقد اختاروا أن يضعونا على مسار لا عودة منه إلى واقع لم نكن نحن من اختاره.
سيختلف بعض مؤيدي الخروج مع هذا الرأي، بينما سيتفق معه آخرون، وهذا هو بيت القصيد.
لم يكن هناك" مسار واضح" حتى أصبحت الوجهة معروفة، وبحلول ذلك الوقت كان الخيار قد خرج من أيدينا.
ومهما بدا الأمر عبثياً، فقد أمضينا العقد الماضي في سجال مرير حول ثنائية زائفة.
ومع ذلك، قد لا نضطر إلى مواصلة هذا الجدل طويلاً.
فالفجوة الواضحة بين" بريكست" الموعود و" بريكست" الواقع دفعت كثيرين منا إلى مزيد من الحرص على فهم ما حدث فعلاً.
كان الافتراض السائد بعد الاستفتاء أن الشعب صوت لمصلحة" بريكست مهما كان الثمن"، وأن أي محاولة لعرقلة ذلك تُعد خيانة.
لكن أحداً لم يكن قادراً على الجزم بما يريده البريطانيون حقاً؛ وكل ما أمكن التأكد منه هو أننا لم نكن نرغب، تحت أي ظرف، في إخضاع أنفسنا لإرادة الآخرين.
ومن المفارقات المؤسفة، بل والمحزنة بالنسبة إلى بلدنا، أن ترك قادة" بريكست" يأخذوننا إلى حيث يشاؤون كان يعني عملياً فعل ذلك بالضبط.
وخلافاً لما أوحت به المظاهر، كان مهندسو" بريكست" ومن جاؤوا بعدهم ممسكين بزمام الأمور منذ البداية.
لكنهم، بدلاً من تصحيح المفاهيم الخاطئة لدى الجمهور، فقد تمادوا في ترويج تلك الكذبة ورسخوا موقعهم في مقعد القيادة.
لقد أغرقونا بعبارات جوفاء مكرورة وشعارات من قبيل" الخروج يعني الخروج"، و" بريكست يعني بريكست يعني"، و" أنجزوا بريكست"، وقد أدى ذلك إلى تضييق نطاق النقاش حول ما قد يعنيه الخروج من الاتحاد الأوروبي حقاً وحول احتمال أن يفضل البريطانيون التراجع عندما يرون الوجهة التي يُقادون إليها.
لقد كان ذلك، بأي معيار تحليلي، ممارسة تتسم بقدر عميق من عدم الأمانة.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)لكن تلك هي قصة" بريكست" منذ البداية.
فحتى لو كان سؤال الاستفتاء قد منح الناخبين خياراً حقيقياً، فإن ذلك الخيار أُفرغ من مضمونه بسبب المستوى غير المسبوق من التضليل الذي ساد الحملة بأكملها.
وبعد 11 يوماً فقط من التصويت، كتب ستيفان ليفاندوفسكي، الباحث في شؤون المعلومات المضللة بجامعة بريستول، في مجلة" نيو ستيتسمان": " لم يسبق في التاريخ أن انكشف هذا القدر من التضليل بهذه السرعة وبهذا القدر الضئيل من الخجل".
ومن أكثر ما يجعل أشكال التضليل الماكرة، مثل" بريكست"، خطورة وقسوة أنك إن لم تكشف مضلليها وتحاسبهم، فإنك تنزلق تدريجاً إلى واقع مشوه يصبح الخروج منه شديد الصعوبة.
وغالباً ما يكون للمسألة بُعد نفسي، فالناس لا يحبون الاعتراف بأنهم أسهموا، من حيث لا يشعرون، في استغلال أنفسهم.
لكن كثيرين ممن صوتوا لمصلحة الخروج فعلوا ذلك بناءً على الوعود المضللة التي سوقها مهندسو" بريكست".
ولا أحد يختار أن يكون ضحية للاحتيال.
فإذا اشتريت ساعة" رولكس" ثم تبين لك أنها مزيفة، فهل يمكن القول إنك اخترت ذلك عن علم؟قلة قليلة ترغب في نبش الماضي.
لكن المضي قدماً كأمة واحدة يقتضي مواجهة بعض الحقائق المزعجة عن الماضي.
وعلى رأس تلك الحقائق أن التضليل يبطل حرية الاختيار.
وافتراض وجود اختيار حقيقي في ظل أدلة دامغة على الخداع ينطوي على خطر إبقاء المخدوعين أسرى لإرادة من خدعوهم، وترسيخ اعتقاد لديهم بأنهم اختاروا مصيرهم بأنفسهم.
وسيبدو هذا الوصف، في نظر كثيرين، قريباً إلى حد مقلق مما حدث في بريطانيا ما بعد" بريكست"، بل وعلى الجانب الآخر من الأطلسي أيضاً.
إن الإرث الذي خلفته الأعوام الـ10 الماضية هو عالم يغص بالمعلومات المضللة، تبقى فيه الأكاذيب بلا محاسبة ويتصدر الدجالون المشهد.
وفي زمن أصبحت فيه الحاجة إلى التعاون الدولي أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، لمواجهة الفقر والصراعات وتغير المناخ، فإننا ببساطة لا نستطيع أن نتهاون في شأن الحقيقة أو نتلاعب بها.
ومع ذلك فما زال هناك سبيل للخروج من هذا المأزق.
ويبدأ ذلك بالاعتراف بالأكاذيب التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه.
فلنأمل أن يوافقنا رئيس الوزراء المقبل الرأي.
توم غايسفورد كاتب ومحام سابق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك