إن إدارة الأزمات في عصرنا الحالي تحتاج إلى علم وخبرة وقيادة تستطيع استشراف المستقبل، مع وجود إدارة علمية تحلل جميع البيانات، وتتنبأ بالأحداث قبل وقوعها، وتواجه الأزمات والكوارث في ظل سيناريوهات مُعدّة مسبقاً لمواجهة كافة التحديات والإشكاليات.
وفي ظل تحول العالم إلى قرية إلكترونية صغيرة، مما سهّل انتقال الأزمات من الجغرافيا المكانية إلى الجغرافيا الاقتصادية والأمنية والعلمية.
إلخ.
على غرار تداعيات أزمة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وانتقال الأزمة من الجغرافيا المكانية إلى أزمة عالمية في سلاسل الإمداد.
وتواجه الحكومات والشعوب تحديات وإشكاليات عابرة للقارات في ظل ظهور الذكاء الاصطناعي وفوضى الفضاء الإلكتروني.
وتُعتبر الأزمات العابرة للقارات من عوارض العصر الحديث.
بل يذهب البعض إلى اعتبارها مرض العصر.
فالكل يتعرض للأزمات؛ الشركات، والهيئات، والمؤسسات، بل وحتى الدول صغرى كانت أو كبرى.
ومن أشهر أزمات التاريخ المعاصر، والتي أجبرت مراكز اتخاذ القرار على ضرورة أن تصبح إدارة الأزمات علماً يُدرس في جميع المعاهد الاستراتيجية حول العالم، أزمة الصواريخ الكوبية التي شهدها العالم على مدى ثلاثة عشر يوماً، في الفترة ما بين 16-28 أكتوبر من عام 1962، عندما فوجئت الولايات المتحدة بأن الاتحاد السوفيتي قد نصب صواريخه في كوبا، على بعد 90 ميلاً من سواحل ولاية فلوريدا، وهو ما يُعد تهديداً للأمن القومي الأمريكي.
وبدراسة وتحليل هذه الأزمة، نجد أنها أُديرت من قبل الولايات المتحدة الأمريكية بصورة مثالية، حيث تم إنشاء مركز لإدارة الأزمة في البيت الأبيض، وتم تشكيل فريق لإدارة الأزمة، واقتراح سيناريوهات وبدائل لحلها.
فضلاً عن تكليف الرئيس الأمريكي متحدثاً رسمياً عن طاقم إدارة الأزمة، مهمته التواصل مع الجهات الإعلامية عما يدور في غرفة الإدارة.
كما تم تشكيل مجموعة للتفاوض قامت بالاتصال بالجانب السوفيتي، وهو ما أدى في النهاية إلى الوصول إلى مخرج لهذه الأزمة، بما لا يضع الاتحاد السوفيتي في موقف ضعيف.
فقد اقترح المفاوض الأمريكي على الجانب السوفيتي أن تسحب موسكو صواريخها من كوبا، وفي المقابل تُعلن الإدارة الأمريكية أنها ستقوم بسحب صواريخها من قاعدة" أنجرليك" التركية التي تهدد أمن الاتحاد السوفيتي.
مع العلم بأنه لم يكن هناك أي صواريخ أمريكية في تلك القاعدة التركية، إلا أن ذلك كان مبرراً لحفظ ماء وجه الاتحاد السوفيتي أمام الرأي العام المحلي والعالمي.
عقب هذه الأزمة، انتبهت المعاهد الاستراتيجية وجهات الأمن القومي في جميع بلدان العالم لأهمية الاستفادة منها، وتطوير مفهوم إدارة الأزمات ليصبح علماً أساسياً من علوم الدفاع والأمن القومي، له أسس وقواعد وأصول تُبنى عليها في المعاهد الاستراتيجية والكليات العسكرية حول العالم.
واليوم تُدرس في الأ كاديمية العسكرية للدراسات العليا والأستراتيجية في مصر دورات إدارة الأزمات ودورات التفاوض.
ولقد أصبح الأساس للاستعداد لحدوث أي أزمة مستقبلاً ضرورة توافر عناصر أساسية، أهمها: تشكيل طاقم لإدارة الأزمة، ووجود مقر دائم لإدارة الأزمات مزود بأحدث وسائل تكنولوجيا العصر في الاتصالات، والقدرة على تخزين أكبر حجم من البيانات، مع الأهمية القصوى للإعداد المسبق لسيناريوهات الأزمات المحتملة.
فضلاً عن تشكيل طاقم للتفاوض وفقاً لطبيعة الأزمة، مع تعيين متحدث رسمي للتواصل مع الإعلام.
مع ضرورة الاحتفاظ بالدروس المستفادة من الأزمات السابقة والرجوع إليها دوماً لتفاديها مستقبلاً، والتحديث الدوري للبيانات الموجودة في مركز إدارة الأزمات كل ستة أشهر على الأكثر.
وأخيراً، ضرورة التواصل المستمر بين الإدارة والمواطنين بكل شفافية ومصداقية خلال مراحل تطور الأزمة.
وقد شاهدنا جميعاً افتتاح السيد الرئيس للقيادة الاستراتيجية المسئولة عن أعمال الإدارة والتنسيق لأجهزة الدولة والمحافظات المصرية وقت الأزمات.
ومنذ عدة أيام شاهدنا افتتاح" الأوكتاجون"، وشاهدنا اليوم بياناً عملياً يوضح مدى التطور الرهيب الذي حدث في مراكز إدارة الأزمات على مستوى الدولة والمحافظات والوزارات والهيئات.
وقد كان اليوم من أسعد أيام حياتي كوني كنت أحد المسؤولين عن إدارة الأزمة في مكتب المستشار العسكري بمحافظتي أسوان والفيوم بعد ثورة يناير، في ظل انهيار جميع مؤسسات الدولة وظهور المظاهرات والإضرابات والفوضى الأمنية.
وما شهدته اليوم من تطوير في جميع محافظات مصر يفوق قدرات العقل على التصور.
فقد شَهِدَ السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، القائد الأعلى للقوات المسلحة، اليوم، استعراض إمكانيات أجهزة الدولة في مُجابهة الأزمات والكوارث، وذلك ضمن فعاليات افتتاح القيادة الاستراتيجية للدولة بالعاصمة الجديدة، بحضور المستشار حنفي جبالي رئيس مجلس النواب، والمستشار عبد الوهاب عبد الرازق رئيس مجلس الشيوخ، والدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، والفريق أول عبد المجيد صقر القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع والإنتاج الحربي، والفريق أحمد خليفة رئيس أركان حرب القوات المسلحة، إلى جانب قادة الأفرع الرئيسية بالقوات المسلحة، وعدد من السادة الوزراء وكبار المسؤولين بالدولة.
وقد أدّى حرس الشرف التحية العسكرية، فيما عزفت الموسيقى السلام الوطني لجمهورية مصر العربية لدى وصول السيد الرئيس إلى الأكاديمية العسكرية المصرية بمقر القيادة الاستراتيجية.
واستُهلّت فقرات الاحتفال بتلاوة آيات من الذكر الحكيم، أعقبها كلمة الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، ثم مرور معدات متنوعة مخصصة لمواجهة مختلف أنواع الأزمات، سواء الإرهابية أو الصحية المرتبطة بانتشار الأوبئة، أو الكوارث الطبيعية والصناعية، فضلاً عن معدات البحث والإنقاذ والإخلاء الطبي، وذلك أمام منصة الاحتفال.
وفي نهاية العرض أجرى السيد الرئيس مداخلة وجه فيها التحية والتقدير والاعتزاز لأجهزة الدولة المصرية، منوهاً بافتتاح القيادة الاستراتيجية المسئولة عن أعمال الإدارة والتنسيق لأجهزة الدولة والمحافظات المصرية وقت الأزمات، موضحاً أن هذا الأمر ليس بالجديد وإنما هو مطبق في العديد من الدول التي تنظم حماية مواطنيها في الأزمات المختلفة، حيث يتعين أن تعمل الدولة بشكل مستمر على تطوير قدراتها وإمكانياتها.
وأضاف السيد الرئيس أن عناصر الحماية المدنية موجودة بالفعل في مصر، إلا أنه كان من اللازم العمل على تنظيم تلك القدرات وإنشاء كيان يوفر دعماً قوياً لمواجهة أي أزمة أو كارثة تواجه البلاد.
وأشار السيد الرئيس إلى أن ما تم عرضه اليوم هو مجرد جزء بسيط من القدرات التي تمتلكها الدولة لمواجهة الأزمات، موضحاً أن مفهوم الدولة كبير ويتجاوز مجرد توفير سبل الحياة المعيشية للمواطنين.
وشدد السيد الرئيس على أهمية إجراء محاكاة للأزمات وسبل تعامل أجهزة الدولة معها مرة أو مرتين على الأقل سنوياً حتى لا يكون رد الفعل عشوائياً.
وأكد أن الدولة تقوم بجهد كبير في هذا الصدد من المهم أن يكون الشعب المصري على دراية به، ومن المهم كذلك أن يعمل الشعب بقطاعاته المختلفة على زيادة الوعي العام في هذا الاتجاه من خلال التجمعات المختلفة، بما في ذلك المدارس والجامعات والمساجد والكنائس، للتعامل مع الأزمات بكفاءة بما يضمن الحد من آثارها.
وفي نهاية المداخلة، وجه السيد الرئيس الشكر والتقدير للدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء ومجلس الوزراء والقوات المسلحة على الجهود والترتيبات لتوصيل الرسائل وتقديم الشرح للمواطنين من خلال ما تم إعداده من فعاليات اليوم وكذلك خلال افتتاح القيادة الاستراتيجية.
وأشار المتحدث الرسمي إلى أن برنامج عمل الفعالية تضمن في قسمه الثاني تفقد السيد الرئيس مركز تنسيق الدفاع عن الدولة، ومشاهدة سيادته فيلماً تسجيلياً عن المركز، ثم مشاهدة سيادته محاكاة لأزمة افتراضية، أدارها السيد رئيس مجلس الوزراء بمشاركة عدد من السادة الوزراء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك