يتوقع الناس عادة الحديث عن" التراجع" مع التقدم في العمر؛ تراجع الطاقة والقدرة على الإنجاز والتعلم، حتى صار عمر الخمسين بالنسبة إلى كثيرين مرادفا لبداية الانحدار المهني.
لكن ما تكشفه أبحاث علم النفس يرسم صورة أكثر تعقيدا وإثارة للاهتمام.
صحيح أن الموظف في الخمسين قد لا ينجز المهام بالسرعة نفسها التي كان عليها في الثلاثين، لكن خبراته المتراكمة وطريقته في تقييم الأولويات والتعامل مع الضغوط والعلاقات المهنية تمنحه ميزة مختلفة، إذ يصبح أقل انشغالا بإثبات ذاته، وأكثر تركيزا على ما يحقق قيمة حقيقية ومعنى أعمق لعمله.
list 1 of 4لماذا يصاب مستخدمو الذكاء الاصطناعي بالاكتئاب خارج أوقات العمل؟list 2 of 4فن اللا شيء.
مهارة بسيطة تنقذك من استنزاف العمل المستمرlist 3 of 4لماذا نفقد قوتنا بعد الأربعين؟ دليل عملي لاستعادة العضلاتlist 4 of 4هل تسرق حرارة الصيف إنتاجيتك في العمل؟لهذا، يشعر كثيرون بأن الرضا المهني لا يبلغ ذروته في بدايات المسيرة، بل بعد سنوات طويلة من التجربة، حين يعيد العقل ترتيب أولوياته ويتعامل مع النجاح بمنظور أكثر اتزانا وهدوءا.
فما الذي يتغير في طريقة التفكير بعد الخمسين؟ ولماذا يبدو العمل -بالنسبة إلى كثيرين- أكثر راحة وإرضاء مما كان عليه في العقود السابقة؟يميل كثيرون إلى تفسير الراحة الأكبر في العمل بعد الخمسين بأنها نتيجة مباشرة لتراكم الخبرة، لكن الأبحاث والنظريات في علم النفس تشير إلى أن ما يتغير ليس المهارات المهنية فقط، بل الدوافع التي تحرك الإنسان أيضا.
وفق نظرية" الانتقائية الاجتماعية العاطفية" في تطور مراحل الحياة، يقوم هذا التغير على قدرة الإنسان الفريدة على إدراك الزمن ومراقبة مروره.
تؤكد النظرية أن اقتراب النهايات -سواء بسبب الشيخوخة أو غيرها من الظروف مثل الانتقال الجغرافي أو المرض الشديد- يحدث تغييرات في الدافعية، إذ تُعطى الأولوية للأهداف ذات المعنى العاطفي على حساب الاستكشاف.
هنا لا يتعامل العقل مع مرور الزمن بوصفه مجرد زيادة في عدد السنوات، بل بوصفه عاملا يعيد ترتيب الأولويات.
وكلما أصبح الإنسان أكثر إدراكا لمحدودية الوقت، اتجه تلقائيا إلى تفضيل الأهداف التي تمنحه قيمة ومعنى، بدلا من الانشغال الدائم بتوسيع الخيارات أو خوض تجارب جديدة لمجرد الاستكشاف.
تشير الدراسات إلى أن الدوافع الإنسانية يمكن تقسيمها بصورة عامة إلى نوعين:دوافع تستهدف اكتساب المعرفة وتوسيع الآفاق.
دوافع تهدف إلى تحقيق الرضا وتعزيز الشعور بالمعنى.
عندما يبدو المستقبل مفتوحا، تميل الكفة إلى البحث عن الخبرات الجديدة، أما عندما يصبح الوقت أكثر حضورا في وعي الإنسان، فإن الأولوية تنتقل تدريجيا إلى ما يشعره بالاستقرار والرضا النفسي.
عند هذه المرحلة لا يعود النجاح مرتبطا بعدد الإنجازات أو الفرص التي يمكن اقتناصها، بقدر ارتباطه بالقيمة التي يحققها العمل في حياة صاحبه.
هذا التحول ينعكس منهجيا على التفضيلات وتكوين الشبكات الاجتماعية وتنظيم المشاعر.
ففي العلاقات المهنية مثلا، يصبح الاهتمام منصبا على الحفاظ على العلاقات الأكثر أهمية وتأثيرا، بدلا من توسيع شبكة المعارف إلى أقصى حد ممكن.
وترى مراجعات علمية أن هذه التغيرات مفيدة للغاية للرفاهية والتكيف الاجتماعي، إذ ترتبط بتحسن القدرة على تنظيم الانفعالات وتجنب الصراعات غير الضرورية وإدارة المشاعر بطريقة تحافظ على جودة الحياة والعلاقات الاجتماعية.
هكذا يتقدم الاهتمام بجودة العلاقات المهنية على هاجس المنافسة، ونتوقف تدريجيا عن استنزاف أنفسنا في أشياء لم تعد مهمة.
إشارات من علم النفس للعمل بهدوء أكبر بعد الـ50لا يعود الشعور براحة أكبر في العمل بعد الخمسين إلى سنوات الخبرة وحدها، بل يرتبط أيضا بتغيرات نفسية في طريقة إدارة الوقت والانفعالات والأهداف.
من خلال ما تقترحه الدراسات والنظريات النفسية يمكن استخلاص عدد من الإشارات العملية لمن يريد أن يعمل بهدوء أكبر بعد الخمسين.
تشير الدراسات حول تنظيم الانفعالات إلى أن الكثير من الأشخاص الأكبر سنا يصبحون أكثر ميلا إلى استخدام إستراتيجيات تساعدهم على الحفاظ على استقرارهم الانفعالي، بدلا من الانجراف وراء ردود الفعل السريعة.
توضح إحدى الدراسات أن هذا التوجه يقدم تفسيرا مهما لكون كبار السن يبلغون عن مستويات عالية من الرفاهية العاطفية على الرغم من التراجعات الأخرى المرتبطة بالتقدم في السن.
لا يعني ذلك غياب المشاعر السلبية، بل الميل إلى التعامل معها بطريقة أكثر تنظيما، وهو ما يخفف من حدة التوتر في بيئة العمل ويجعل التعامل مع المواقف الضاغطة أكثر هدوءا.
2- اختر ما يستحق وقتك وجهدكتوضح نظرية الانتقائية الاجتماعية العاطفية أن إدراك الإنسان لكون الوقت ليس موردا مفتوحا يجعله أكثر حرصا على توجيه جهده نحو الأهداف التي يراها ذات قيمة ومعنى بالنسبة إليه، بدلا من محاولة اغتنام كل فرصة أو خوض كل تجربة.
في بيئة العمل يترجم ذلك إلى تركيز أكبر على المهام ذات الأولوية وتقليل استنزاف الطاقة في أمور لا تضيف قيمة حقيقية، دون أن يعني هذا فقدان الطموح أو الرغبة في الإنجاز، بل إعادة تعريف الطموح بما يتناسب مع ما يراه الإنسان مهما فعلا في هذه المرحلة.
3- ابنِ علاقات مهنية عميقة بدلا من توسيع دائرتك باستمرارتشير الدراسات إلى أن تغير الدوافع مع التقدم في العمر يشمل العلاقات أيضا.
ففي مرحلة الشباب يكون التركيز غالبا على زيادة عدد العلاقات الاجتماعية والمهنية، بينما يتحول الاهتمام بعد الخمسين إلى الحفاظ على العلاقات التي توفر دعما وثقة ومعنى وتعزيزها.
ويمكن لهذا التحول أن ينعكس إيجابيا على أجواء العمل من خلال تقليل الخلافات غير الضرورية وتعزيز التعاون بين الزملاء، وتحويل شبكة العلاقات من قائمة أسماء إلى دائرة ثقة حقيقية.
4- لا تدع المشاعر الإيجابية وحدها تقود قراراتكرغم أن الدراسات تربط التقدم في العمر بزيادة التركيز على الجوانب الإيجابية وتنظيم الانفعالات، فإنها تحذر من أن هذا الميل قد يجعل بعض الأشخاص أقل اهتماما بالمعلومات السلبية أو التحذيرات المهمة عند اتخاذ القرارات.
الحفاظ على الهدوء النفسي لا يعني تجاهل المخاطر، بل يتطلب الحرص على الحصول على صورة مكتملة قبل حسم المواقف المهنية، وموازنة الشعور بالطمأنينة مع قدر كاف من الحذر.
5- لا تتوقف عن التعلم مهما بلغت خبرتكقد تمنحك سنوات العمل الطويلة خبرة واسعة، لكنها لا تغني عن اكتساب مهارات جديدة في سوق عمل يتحرك نحو الجديد باستمرار.
تشيرالدراسات إلى أن الدماغ يحتفظ بقدرة مهمة على التكيف والتعلم حتى في ظل الأزمات والإصابات فيما يعرف بـ" اللدونة العصبية" وهي إحدى أكثر خصائصه إدهاشا، إذ تمنحه القدرة على إعادة تشكيل اتصالاته العصبية استجابة للتعلم والخبرة وتحديث أساليب عمله بما يتلاءم مع المتغيرات.
تعلم أداة جديدة أو تطوير مهارة رقمية أو الالتحاق بدورة تدريبية، لا يضيف إلى سيرتك المهنية فحسب، بل يسهم أيضا في تنشيط العمليات المعرفية والحفاظ على المرونة الذهنية.
بهذه الطريقة يتمكن كثير من العاملين بعد الخمسين من الجمع بين الخبرة الطويلة والمهارات الحديثة، بدلا من الاكتفاء بإحداهما، ليصبح العمل في هذه المرحلة أقل توترا وأكثر عمقا ومعنى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك