اليهودية ديانة ذات أصل سماوي، تتميز بهوية مركبة تتداخل فيها عناصر الذاكرة التاريخية والخصوصية العرقية إلى جانب الدين الخاص غير التبشيري، ليشكّل هذا التداخل الإطار العام الذي يحدد ملامح الشخصية اليهودية عبر العصور.
تُعدّ التوراة جزءًا أساسيًا من الكتاب اليهودي المقدس، فيما يحتل النبي موسى عليه السلام مكانة محورية بوصفه متلقي الوحي الإلهي، وصاحب الشريعة، ومؤسس الديانة.
تؤرّخ اليهودية لنشأتها منذ القرن الثامن عشر قبل الميلاد، منذ ما يُعرف بعصر الآباء الذي يضم الأنبياء إبراهيم وإسحاق ويعقوب ويوسف وصولاً إلى موسى وهارون عليهم السلام، بينما ترى أن عصر النبوة انتهى في القرن الرابع قبل الميلاد، أي أنها لا تؤمن بنبوة عيسى أو محمد عليهما السلام.
عُرف اليهود عبر تاريخهم بثلاثة أسماء رئيسية هي: العِبرانيون، والإسرائيليون، واليهود.
وقد ارتبطت كل تسمية بمرحلة تاريخية ودلالة مختلفة.
وتُعد تسمية" العِبرانيين" الأقدم تاريخيا، وترتبط في التراث الديني بإبراهيم عليه السلام.
ويرجع أصل الكلمة إلى جذر يفيد العبور أو الارتحال والاغتراب، وهو ما دفع بعض الباحثين إلى ربطها بطابع التنقل الذي اتسمت به الجماعات البدوية القديمة، ومنها القبائل التي يقال إن إبراهيم عليه السلام ينتمي إليها.
أما تسمية" الإسرائيليين" فترجع إلى يعقوب عليه السلام الذي يُعرف في التراث اليهودي باسم إسرائيل.
وقد أصبحت هذه التسمية عنوانًا لأبناء يعقوب ونسله، ثم اكتسبت بُعداً سياسياً وجغرافياً مع قيام مملكة إسرائيل الشمالية التي اتخذت السامرة في نهاية المطاف عاصمة لها، بعد انقسام المملكة الموحدة التي ارتبطت بداود وسليمان عليهما السلام سنة 932 قبل الميلاد.
أما تسمية" اليهود" فترتبط في أصلها باسم يهوذا، وهو أحد الأسباط من أبناء يعقوب.
ويعد يهوذا أهم شخصية في قصة يوسف عليه السلام مع إخوته، بل إن المصدر اليهودي يعدّه أهم من يوسف نفسه.
ومع ظهور مملكة يهوذا الجنوبية التي استمرت بعد سقوط مملكة إسرائيل الشمالية لأكثر من 135 عاما، أخذ الاسم بعدا سياسيا، حيث أصبح المتبقون في فلسطين بعد السبي الآشوري (721 ق.
م) من سبط يهوذا فقط.
لاحقاً ومع الجهود الرامية إلى توحيد التراث الديني للجماعات اليهودية، مالت الكفة لمركزية أورشليم التي كانت عاصمة للجنوب، وقبل ذلك المركز الديني في عصر داود وسليمان، على حساب السامرة التي كانت عاصمة للشمال، فتوسع نطاق استخدام التسمية حتى أصبحت تشمل الجماعة اليهودية بأكملها، بغض النظر عن الانتماءات القبلية أو الجغرافية القديمة.
في العصر الحديث، استمرت التسميات الثلاث في التداول بدلالات محددة: إذ ارتبطت" العبرية" باللغة والتراث الثقافي والأدبي، بينما اكتسبت كلمة" إسرائيلي" معنى سياسياً مرتبطاً بالكيان الحديث الذي حمل هذا الاسم، في حين استقرت كلمة" يهودي" بوصفها التعبير الأكثر شيوعاً للدلالة على الانتماء الديني إلى اليهودية.
الخصوصية القومية والدينيةتُعدّ الخصوصية القومية والدينية إحدى السمات المركزية التي طبعت اليهودية عبر تاريخها الطويل، إذ تشكلت عقائدها وتشريعاتها في إطار رؤية تركز على العلاقة الخاصة بين الإله (يهوه) وبني إسرائيل.
وقد انعكس هذا التصور على مختلف جوانب الفكر الديني اليهودي، وأسهم في تشكيل فهم اليهودية لهويتها الدينية والقومية ولعلاقتها بالعالم الخارجي.
وتقوم هذه الرؤية على تصور خاص لطبيعة العلاقة بين يهوه وبني إسرائيل، إذ يُقدَّم الإله في التراث اليهودي التقليدي بوصفه إلهاً ارتبط بهذه الجماعة دون سائر الشعوب، في إطار علاقة دينية وقومية متميزة.
ومن هذا المنطلق حُظر على بني إسرائيل عبادة غيره، بينما ظلت العلاقة الدينية الكاملة بهذا الإله محصورة في إطار الجماعة اليهودية والعهد المرتبط بها.
وتجسّدت هذه الخصوصية في فكرة" الشعب المختار" التي احتلت موقعاً محورياً في الفكر اليهودي، وشكّلت الأساس الذي قامت عليه عقيدة العهد، حيث نُظر إلى بني إسرائيل باعتبارهم الجماعة التي ارتبطت بميثاق إلهي خاص منحها مكانة دينية متميزة بين الأمم.
ومن هنا برز مفهوم العهد بوصفه أحد أهم المرتكزات العقائدية في اليهودية التقليدية، إذ يُنظر إليه على أنه ميثاق خاص ينظم العلاقة بين يهوه وبني إسرائيل ويحدد ما يرتبط بها من التزامات ووعود دينية.
وأصبح الانتماء إلى الجماعة اليهودية جزءاً أساسياً من هذا التصور، بما يحمله من حقوق وواجبات وامتيازات مرتبطة بالعهد الإلهي.
كما انعكست هذه الخصوصية على مفهوم الوحي والنبوة، إذ ارتبطت الرسالة الدينية في المقام الأول بتاريخ بني إسرائيل وتجربتهم الدينية، ونُظر إلى الأنبياء باعتبارهم جزءاً من مسيرة هذه الجماعة وحمَلةً للعهد الإلهي المرتبط بها.
ووفق التصور اليهودي التقليدي تنتمي النبوة إلى الحقبة الممتدة من عصر الآباء إلى ما يُعرف بفترة الأنبياء المتأخرين، والتي تنتهي قبل الميلاد بعدة قرون، ولذلك لا تعترف اليهودية بنبوة المسيح أو محمد عليهما السلام.
وبذلك تشكلت الهوية الدينية اليهودية داخل إطار يتداخل فيه البعدان الديني والقومي، بحيث أصبحت الجماعة محوراً أساسياً للفهم الديني والتاريخي.
وامتد هذا التصور إلى فكرة الخلاص التي ارتبطت في التراث اليهودي التقليدي بمصير بني إسرائيل ومستقبلهم التاريخي، أكثر من ارتباطها بمشروع ديني عالمي موجه إلى البشرية جمعاء.
ولذلك ظل الخلاص يُقدَّم في كثير من النصوص والتقاليد الدينية بوصفه تحقيقاً للوعود الإلهية الخاصة بالجماعة اليهودية، واستعادةً لمكانتها التاريخية والدينية.
وارتبطت هذه الخصوصية كذلك بالطابع غير التبشيري لليهودية، إذ لم تسعَ تاريخياً إلى نشر عقيدتها بين مختلف الشعوب على النحو الذي عرفته بعض الديانات العالمية الأخرى.
فقد انصب الاهتمام على الحفاظ على الجماعة اليهودية بوصفها جماعة دينية وقومية يتوارث معظم أفرادها الانتماء إليها بالولادة، ولا تقوم على النشاط التبشيري الهادف إلى استقطاب أتباع جدد من خارجها.
وانعكست هذه الأسس العقائدية على المنظومة التشريعية اليهودية، التي استندت إلى مفهومي العهد والاختيار الإلهي، وأسهمت في تعزيز التمايز الديني والقومي والحفاظ على الهوية الجماعية واستمرارية الجماعة عبر العصور.
حيث تضمنت هذه التشريعات أحكاماً مختلفة في التعامل مع اليهود وغير اليهود، وهو ما ولّد -بحسب بعض الباحثين- مظهراً من مظاهر الازدواجية الأخلاقية في التراث التشريعي اليهودي التقليدي.
تختلف الرؤية اليهودية للنبوة عن الرؤية الإسلامية في أسسها وحدودها وطبيعة امتدادها التاريخي.
فبينما ينظر الإسلام إلى الأنبياء والرسل باعتبارهم سلسلة واحدة متصلة عبر التاريخ الإنساني تحمل رسالة واحدة إلى مختلف الشعوب والأمم، يقتصر مفهوم النبوة في التراث اليهودي التقليدي على بني إسرائيل، ويرتبط بتاريخهم الديني والقومي ارتباطاً وثيقاً.
ووفق هذا التصور؛ لا تُعد النبوة ظاهرة إنسانية عامة، بل مؤسسة دينية خاصة بالشعب الإسرائيلي، وهو ما انعكس على فهم الرسالات والأنبياء ومجال تأثيرهم.
ويترتب على هذا الاختلاف تباين في قراءة تاريخ النبوة نفسها.
فالتصور الإسلامي يجعل النبوة ممتدة منذ بداية الخليقة، إذ يبدأ تاريخها بآدم عليه السلام وينتهي بمحمد ﷺ بوصفه خاتم الأنبياء والمرسلين، مع التأكيد على وحدة الدعوة الإلهية رغم اختلاف الأزمنة والأمكنة واللغات.
أما في التراث اليهودي، فتظهر النبوة بصورتها المؤسسية في مرحلة تاريخية متأخرة نسبياً، حيث يُنظر إلى شخصيات -مثل إبراهيم وإسحاق ويعقوب ويوسف- بوصفهم" الآباء" أو" البطاركة" الذين أسسوا الجماعة الإسرائيلية وتلقوا صوراً من الوحي الإلهي، دون أن يُعاملوا دائماً بوصفهم أنبياء بالمعنى الذي يقرره الفهم الإسلامي.
وتحتل شخصية إبراهيم مكانة محورية في مرحلة" ديانة الآباء"، إذ يُنسب إليه تأسيس العهد الديني الأول مع الرب وبداية التاريخ الديني الإسرائيلي القديم.
كما ارتبطت هذه المرحلة بعبادة إله واحد في صورة توحيدية بسيطة، قبل أن تتبلور ملامح الديانة الإسرائيلية اللاحقة بصورة أوضح في عصر موسى عليه السلام، الذي يُعد الشخصية المركزية في التاريخ الديني اليهودي.
فموسى ليس مجرد نبي بين الأنبياء، بل واضع الشريعة ومتلقّي التوراة ومؤسس النظام الديني الذي استندت إليه النبوات اللاحقة، ولذلك جرى التعامل مع عصره بوصفه الأصل الذي تقاس عليه بقية المراحل الدينية.
وبعد موسى، شهدت النبوة الإسرائيلية تطوراً تدريجياً حتى تحوّلت إلى مؤسسة دينية مستقلة عن المؤسسات الأخرى، ولا سيما المؤسسة الكهنوتية.
وخلال هذه المرحلة تبلورت وظيفة النبي وتميزت عن أدوار الكهنة والعرّافين والرائين والحالمين، وأصبحت مرتبطة بالدعوة إلى عبادة الإله الواحد، ومقاومة الوثنية، والدعوة إلى الإصلاح الديني والاجتماعي والسياسي، فضلاً عن إحياء البعد الأخلاقي في الحياة الدينية وربط السلوك الإنساني بالقيم الإيمانية.
ويقسم التراث اليهودي أنبياء هذه المرحلة إلى" أنبياء أوائل" و" أنبياء أواخر".
ويضم القسم الأول شخصيات مثل صموئيل وإيليا واليشع، في حين يضمّ القسم الثاني الأنبياء الذين ازدهرت الحركة النبوية في عصورهم بين القرنين الثامن والرابع قبل الميلاد.
وينقسم هؤلاء بدورهم إلى" أنبياء كبار" مثل أشعيا وإرميا وحزقيال، و" أنبياء صغار" مثل عاموس وهوشع وميخا وصفنيا وناحوم وحبقوق وحجي وزكريا وملاخي وغيرهم.
وتمثل هذه المرحلة ذروة النشاط النبوي في التاريخ الإسرائيلي القديم.
وفي المقابل، لا ينظر التراث اليهودي إلى بعض الشخصيات البارزة في التاريخ الإسرائيلي -مثل داود وسليمان- على أنهم أنبياء، بل ملوك وقادة سياسيون كانت لهم علاقة بالأنبياء واستعانوا بهم في الشؤون الدينية.
يتألف الكتاب المقدس لدى اليهود من ثلاثة أقسام رئيسية هي: التوراة والأنبياء والمكتوبات.
ويُعرف في التقليد اليهودي باسم" الكتاب العبري" أو" التناخ"، وهي كلمة مشتقة من الأحرف الأولى لأسماء أقسامه الثلاثة باللغة العبرية:التوراة (Torah): أي الشريعة أو التعليم، وتضم أسفار موسى الخمسة.
النفيئيم (Nevi’im): أي الأنبياء، ويشمل الأسفار التاريخية وكتب الأنبياء.
الكتوبيم (Ketuvim): أي الكتابات، ويضم كتب الحكمة والشعر الديني والقصص، مثل المزامير والأمثال وأيوب ودانيال.
أما تسميته بـ" العهد القديم"، فهي تسمية مسيحية نشأت في إطار المقابلة مع" العهد الجديد" الذي هو الأناجيل ورسائل أخرى، ولذلك لا تحظى بقبول يهودي لأنها توحي بأن العهد الذي أُعطي لبني إسرائيل قد انتهى وحلّ محله عهد جديد مرتبط بالمسيحية.
ويتميز التناخ بتنوع مادته ومضامينه؛ فهو يجمع بين النصوص الدينية والتشريعية والتاريخية والأدبية.
ويرى الباحثون أن نصوصه تشكّلت عبر مراحل زمنية طويلة، مما أتاح دخول مواد تفسيرية وشروح متعددة إلى جانب المادة الأصلية.
وقد أدى ذلك إلى اهتمام واسع من قبل الدارسين والنقاد الذين سعوا إلى تتبع مصادر النصوص وتحليل طبقاتها المختلفة باستخدام مناهج النقد التاريخي والأدبي.
وتحتل التوراة مكانة مركزية داخل التناخ (العهد القديم)، إذ تتكون من خمسة أسفار هي: التكوين والخروج واللاويون والعدد والتثنية.
وتُعد هذه الأسفار المرجع الأساسي للتشريع اليهودي، كما تمثل المصدر الرئيس الذي تستند إليه العقيدة والحياة الدينية اليهودية.
وقد حظيت التوراة بإجماع مختلف الطوائف اليهودية على قدسيتها، حتى إن طائفة السامريين لا تعترف بشيء من أسفار العهد القديم إلا بها.
وتتناول أسفار التوراة موضوعات متعددة تبدأ بقصة الخلق ونشأة العالم والإنسان، ثم تنتقل إلى تاريخ الآباء الأوائل لبني إسرائيل، وفي مقدمتهم إبراهيم عليه السلام وإسحاق ويعقوب ويوسف عليهم السلام.
كما تروي قصة وجود بني إسرائيل في مصر وخروجهم منها بقيادة النبي موسى عليه السلام، وما رافق ذلك من أحداث كتلقي الوصايا العشر وإبرام العهد الإلهي وعبادة العجل الذهبي أثناء فترة التيه في الصحراء.
وإلى جانب السرد التاريخي، تضمّ التوراة مجموعة واسعة من التشريعات الدينية والاجتماعية والأخلاقية، تشمل أحكام العبادة والقرابين والأعياد والسبت والطهارة والنجاسة والعلاقات الأسرية والزواج، إضافة إلى القوانين المنظمة للحياة الاجتماعية.
كما تتناول تفاصيل الشعائر الكهنوتية وبناء خيمة الاجتماع وتابوت العهد، وهي موضوعات تشغل حيزاً مهماً من النصوص التوراتية.
ولا يقتصر العهد القديم على التوراة وحدها، بل يضم أيضاً أسفار الأنبياء التي تتناول دعوات أنبياء بني إسرائيل ورسائلهم الدينية، فضلاً عن عرض تاريخ الجماعة الإسرائيلية وتطورها السياسي والديني.
ويقدم العهد القديم رواية متكاملة لتاريخ بني إسرائيل منذ البدايات الأولى وحتى العصور الفارسية واليونانية، مروراً بفترة القضاة وقيام مملكتي إسرائيل ويهوذا وازدهارهما ثم سقوطهما على يد الآشوريين والبابليين.
غير أن هذا التاريخ لا يُعرض بوصفه سرداً للأحداث فحسب، بل يأتي مصحوباً بتفسير ديني يربط الوقائع التاريخية بالإرادة الإلهية وبمفهوم الثواب والعقاب.
أما القسم الثالث، وهو" المكتوبات"، فيضمّ ما يُعرف بكتب الحكمة والأدب، ويضيف إلى العهد القديم بعداً ثقافياً وأدبياً بارزاً.
وتتنوع نصوص هذا القسم بين الشعر والقصص والأمثال والأغاني والحكم، وتتناول موضوعات أخلاقية وإنسانية وفكرية تتجاوز في كثير من الأحيان الإطار التشريعي والتاريخي الذي يميز التوراة وأسفار الأنبياء.
ظهرت هذه الجماعة خلال القرن الثاني قبل الميلاد، في زمن الاضطهاد الذي تعرّض له اليهود على يد أنطيوخوس الرابع.
عُرف أفرادها بالتشدد في تطبيق الشريعة والالتزام الصارم بحرمة السبت، حتى إن بعضهم فضّل الموت على مخالفة أحكام الدين.
وقد شاركوا في دعم ثورة المكابيين ضد النفوذ اليوناني، لكنهم انسحبوا عندما تحولت الثورة من مشروع ديني إلى مشروع سياسي علماني.
لم تدم هذه الجماعة طويلاً، لكنها تركت أثراً فكرياً كبيراً، إذ يعتبرها عدد من الباحثين النواة التي خرجت منها لاحقاً جماعات أكثر تنظيماً مثل الفريسيين والإسينيين.
شكّل الفريسيون أهم تيار ديني شعبي في أواخر عصر الهيكل الثاني.
وقد اشتق اسمهم من معنى" المنفصلين" أو" المعتزلين"، في إشارة إلى حرصهم على الطهارة الدينية.
تميز الفريسيون بقبولهم ما سُمي" الشريعة الشفوية" إلى جانب النصوص المكتوبة، واعتبروا أن تفسير الشريعة لا يتوقف عند ظاهر النص، بل يجب أن يواكب تغيرات الحياة والظروف الاجتماعية.
وبخلاف خصومهم الصدوقيين، آمن الفريسيون بالبعث وخلود الروح والملائكة والحساب والمسيح المنتظر.
كما لعبوا دوراً محورياً في تحويل المجامع اليهودية (الكنس) إلى مراكز للعبادة والتعليم، مما سمح لليهودية بالاستمرار بعد تدمير الهيكل.
ولهذا السبب يرى كثير من الباحثين أن اليهودية الحاخامية المعاصرة هي الامتداد المباشر للفكر الفريسي.
ارتبط الصدوقيون بالطبقة الكهنوتية العليا والأسر الأرستقراطية في أورشليم، واستمدوا نفوذهم من سيطرتهم على الهيكل ومؤسساته.
رفض الصدوقيون الشريعة الشفوية وتمسّكوا بالنصوص المكتوبة فقط، كما رفضوا الاعتقاد بالملائكة والأرواح والبعث والحياة بعد الموت.
وكانوا أكثر محافظة من الفريسيين في تفسير النصوص، وأقل اهتماماً بإعادة تأويلها لمواكبة الواقع.
كما ارتبطوا بالسلطة السياسية وبالطبقات الغنية، مما جعلهم في صدام مستمر مع الفريسيين الذين كانوا أقرب إلى عامة الناس.
وانتهت هذه الفرقة عملياً بعد تدمير الهيكل على يد الرومان سنة 70 للميلاد، إذ فقدت المؤسسة التي كانت تستند إليها.
يُعدّ السامريون من أقدم الجماعات اليهودية المعروفة، ويرجع أصلهم إلى الانقسام الذي أعقب عهد سليمان عليه السلام عندما انقسمت المملكة إلى شمالية عاصمتها السامرة وجنوبية عاصمتها أورشليم.
يرى السامريون أنفسهم" بني إسرائيل الحقيقيين" وحرّاس الشريعة الأصلية، وهم من نسل سبطي إفرايم ومنسى، ولذلك يسمون" بنو يوسف".
في المقابل، نظرت إليهم المصادر اليهودية التقليدية باعتبارهم جماعة مختلطة الأعراق، فقدت نقاءها بعد السبي الآشوري.
وكان الخلاف الأكبر بينهم وبين يهود أورشليم حول مركز العبادة.
فبينما اعتبر اليهود هيكل أورشليم المركز الديني الوحيد، اعتبر السامريون أن جبل جرزيم قرب نابلس هو الجبل المقدس الذي اختاره الله لبني إسرائيل.
يتميز السامريون بتمسكهم بالتوراة وحدها ورفضهم بقية أسفار العهد القديم والتلمود باستثناء سفر يوشع، كما يؤمنون بأن موسى عليه السلام خاتم الأنبياء ولا يعترفون بأي نبي جاء بعده.
وما يزالون حتى اليوم (عددهم صغير جدا) يحافظون على شعائر قديمة أبرزها عدّ جبل جرزيم قبلة إسرائيل، ويؤمنون بالبعث ويوم القيامة وقدوم المسيح المخلص.
يُعد الإسينيون من أكثر الفرق اليهودية غموضاً.
وقد عاشوا في جماعات شبه رهبانية انعزلت عن المجتمع، وكرّست حياتها للعبادة والدراسة والتقشف.
كان أفراد الجماعة يشتركون في الممتلكات ويعيشون حياة جماعية صارمة، ويولون أهمية كبيرة للطهارة والاغتسال والشعائر اليومية.
كما رفض بعضهم الزواج وفضّل العزوبة.
آمن الإسينيون بخلود الروح والثواب والعقاب، لكنهم لم يؤمنوا بالبعث الجسدي.
كما عارضوا سيطرة كهنة أورشليم على الهيكل، واعتبروا أنفسهم الممثلين الحقيقيين لإسرائيل.
وقد ازدادت أهمية هذه الجماعة بعد اكتشاف لفائف البحر الميت في قمران، حيث يرى معظم الباحثين أن تلك المخطوطات تعود إليهم أو إلى جماعة قريبة منهم.
ظهرت الحركة القرائية في القرن الثامن الميلادي بوصفها حركة معارضة لليهودية الحاخامية السائدة.
رفع القراؤون شعار العودة المباشرة إلى النصوص المقدسة، ورفضوا الاعتراف بالتلمود باعتباره مصدراً ملزماً للتشريع.
واعتبروا أن التوراة والعهد القديم يكفيان وحدهما لفهم الدين.
وقد سمحوا لكل فرد بدراسة النصوص واستخراج الأحكام منها اعتماداً على العقل واللغة والسياق، وهو ما جعلهم في مواجهة دائمة مع الحاخامات.
تأثرت بعض الاتجاهات القرائية بالبيئة الإسلامية في عدد من القضايا، مثل الاعتماد على العقل، والقياس، ورفض التشبيه في صفات الله، كما أن بعض الجماعات المرتبطة بها اعترفت بنبوة محمد ﷺ للعرب دون بني إسرائيل.
وقد استمرت الخصومة بين القرائين والحاخاميين قروناً طويلة، ووصلت أحياناً إلى حد اعتبار كل طرف الآخر خارجاً عن الدين الصحيح.
رغم تشابه الاسم مع الحسيديين القدماء، فإن الحسيديم حركة مختلفة تماماً ظهرت في أوروبا الشرقية خلال القرن الثامن عشر على يد إسرائيل بعل شيم طوف.
نشأت الحركة في ظروف من الفقر والاضطهاد والإحباط الديني، ودعت إلى التركيز على صفاء القلب والمحبة والفرح في العبادة بدلاً من الاقتصار على الدراسة الفقهية الجافة.
اعتمدت الحركة على التراث القبالي الصوفي، وأعطت دوراً محورياً للزعيم الروحي المعروف بـ" الصدّيق" أو" صاديك"، الذي يُنظر إليه باعتباره قدوة ومرشداً روحياً لأتباعه.
واشتهر الحسيديم بالموسيقى والإنشاد والرقص الديني والاحتفالات الجماعية، وتحولوا مع الزمن إلى إحدى أبرز الحركات الدينية داخل اليهودية الأرثوذكسية.
الحركات الدينية اليهودية الحديثة والمعاصرةشهدت اليهودية منذ أواخر القرن الثامن عشر سلسلة من التحولات الفكرية والدينية التي أدت إلى ظهور حركات جديدة حاولت التوفيق بين التراث اليهودي ومتطلبات العصر الحديث.
وقد جاءت هذه الحركات استجابة للتغيرات السياسية والاجتماعية التي رافقت عصر التنوير الأوروبي، والثورة الفرنسية، واندماج اليهود في المجتمعات الغربية، مما أدى إلى تباين المواقف بين من تمسكوا بالتقاليد القديمة ومن سعوا إلى إصلاحها أو إعادة تفسيرها.
تمثل اليهودية الأرثوذكسية الاتجاه المحافظ داخل الفكر اليهودي المعاصر.
وقد برز مصطلح" الأرثوذكسية" خلال القرن التاسع عشر للدلالة على اليهود الذين رفضوا الإصلاحات الدينية التي بدأت تنتشر في أوروبا الغربية، وتمسكوا بالتراث اليهودي كما وصل من التوراة والتلمود والتقاليد الحاخامية.
يرى الأرثوذكس أن الشريعة اليهودية وحي إلهي ملزم، وأن أحكامها لا تخضع للتعديل أو المراجعة استجابة للمتغيرات الاجتماعية.
ولهذا حافظوا على الطقوس التقليدية واللغة العبرية ومكانة التلمود باعتباره المرجع الأساسي للحياة الدينية.
ومع اتساع التحديات التي فرضها العصر الحديث ظهر اتجاه أكثر مرونة عُرف باسم" الأرثوذكسية الجديدة".
فقد قبل هذا الاتجاه بعض مظاهر الحداثة مثل التعليم الحديث والاندماج في الحياة العامة واستخدام اللغات المحلية، مع المحافظة على جوهر العقيدة والشريعة اليهودية.
وقد اعتبر أن التكيّف مع العصر لا يعني التخلي عن الأصول الدينية.
نشأت الحركة الإصلاحية في أوروبا الغربية خلال القرن التاسع عشر، ثم ازدهرت بصورة خاصة في الولايات المتحدة.
وجاء ظهورها في سياق التحولات السياسية التي منحت اليهود حقوق المواطنة الكاملة، مما دفع عدداً من المفكرين والحاخامات إلى المطالبة بإعادة صياغة اليهودية بما ينسجم مع المجتمع الحديث.
سعت الحركة إلى تبسيط الطقوس الدينية وتقليص مدة الصلوات والسماح باستخدام اللغات المحلية في المعابد بدلاً من الاقتصار على العبرية، كما أعادت النظر في كثير من القوانين التقليدية المتعلقة بالأطعمة والزواج والطلاق والأحوال الشخصية.
وتبنت الحركة رؤية أكثر عالمية للدين، معتبرة أن رسالة اليهودية تتمثل في نشر قيم التوحيد والأخلاق بين البشر كافة.
ولهذا رأت أن اليهود جماعة دينية وليست أمة سياسية، ورفضت في بداياتها فكرة العودة القومية إلى فلسطين أو إعادة بناء الدولة اليهودية.
كما أكدت الحركة الإصلاحية أهمية العقل والعلم الحديث، واعتبرت أن النصوص الدينية يجب أن تُفهم في سياقها التاريخي، وأن كثيراً من الأحكام القديمة لم تعد مناسبة لظروف الحياة المعاصرة.
ومن أبرز مواقفها العقائدية الإيمان بخلود الروح بدلاً من البعث الجسدي، والتأكيد على الأخوّة الإنسانية العالمية والتعاون بين الأديان المختلفة.
ظهرت الحركة المحافظة في الولايات المتحدة بوصفها محاولة للتوفيق بين تشدد الأرثوذكسيين وجرأة الإصلاحيين.
وقد سعت إلى الحفاظ على التراث اليهودي مع السماح بإدخال تعديلات محدودة تستجيب للمتغيرات الحديثة.
وترى الحركة المحافظة أن الشريعة اليهودية ما زالت ملزمة، لكنها قابلة للتطوير والاجتهاد بما يتناسب مع الظروف الجديدة، لذلك احتفظت بمعظم الطقوس التقليدية واللغة العبرية ومكانة التوراة والتلمود، مع قبول بعض الإصلاحات التي رفضها الأرثوذكس.
وأكدت الحركة أهمية الأسرة اليهودية والتعليم الديني والحفاظ على الهوية الثقافية، كما دعمت إنشاء المدارس والمؤسسات التي تعزز الارتباط بالتراث اليهودي.
وفي المجال السياسي أبدى المحافظون تعاطفاً مع المشروع الصهيوني، لكنهم نظروا إلى فلسطين باعتبارها مركزاً روحياً وثقافياً للشعب اليهودي أكثر من كونها مجرد مشروع سياسي.
ولذلك ارتبط كثير من رموز الحركة بما عرف لاحقاً بالصهيونية الروحية.
وتُعد اليهودية المحافظة اليوم من أكبر التيارات الدينية اليهودية في الولايات المتحدة، وتمثل بالنسبة لكثير من اليهود حلاً وسطاً بين المحافظة على التقاليد والانفتاح على العصر.
ظهرت في الولايات المتحدة خلال ثلاثينيات القرن العشرين على يد الحاخام موردخاي كابلان، الذي رأى أن تعريف اليهودية بوصفها ديناً فقط لم يعد كافياً لفهم طبيعتها التاريخية.
وانطلقت الحركة من فكرة أن اليهودية تمثل" حضارة دينية" متكاملة تشمل الدين والتاريخ واللغة والأدب والثقافة والفنون والعادات الاجتماعية.
ومن ثم فإن الانتماء اليهودي لا يقتصر على العقيدة وحدها، بل يشمل منظومة حضارية كاملة تشكلت عبر القرون.
ودعت الحركة اليهود إلى الجمع بين الولاء للمجتمعات التي يعيشون فيها والمحافظة في الوقت نفسه على هويتهم الثقافية والدينية، كما أكدت أهمية الوحدة بين يهود العالم رغم اختلاف بيئاتهم وثقافاتهم.
ودعت إلى تجديد الفكر الديني، وعد التوراة والحضارة اليهودية شيئا واحدا، وللحركة ميول صهيونية.
العلاقة بين اليهودية والمسيحيةعند الحديث عن المسيحية، بيّنا أن رسالة عيسى عليه السلام كانت موجهة أساساً إلى بني إسرائيل، وأن تحوّلها إلى دين عالمي جاء عبر مسار تاريخي تدريجي تزامن مع بروز اتجاهات مسيحية فتحت باب التبشير بين غير اليهود من دون إلزامهم بأحكام الشريعة اليهودية.
ومع مرور الزمن تراجع نفوذ الجماعات المسيحية ذات الخلفية اليهودية، لتتبلور المسيحية بوصفها ديانة مستقلة ذات هوية عقدية وتشريعية خاصة.
وعلى الرغم من الجذور المشتركة، تعد العلاقة بين اليهودية والمسيحية علاقة معقدة، فبينما ترى اليهودية أن عصر النبوة قد انتهى قبل ظهور المسيح بنحو أربعة قرون، وتحديدا مع الأنبياء المتأخرين، تنظر المسيحية إلى عيسى عليه السلام بوصفه الشخصية المحورية التي تحقق من خلالها الوعد الإلهي بالخلاص وفق العقيدة المسيحية.
كما يؤمن المسيحيون بأسفار العهد القديم باعتبارها جزءاً من الكتاب المقدس، لكنهم لا يلتزمون بأغلب الأحكام التشريعية الواردة فيها.
وفي المقابل؛ لا يعترف اليهود بنبوة المسيح ولا بالعهد الجديد بوصفه وحياً إلهياً، ويرفضون استخدام مصطلح" العهد القديم" للدالة على" التناخ"، لما يحمله من دلالة على النسخ أو التجاوز وانتهاء الصلاحية.
وقد أسهم هذا التداخل الديني والتاريخي في جعل التراث اليهودي أحد المكونات المؤثرة في تشكيل الحضارة الغربية، وجعل من فهم اليهودية وتاريخ بني إسرائيل عنصراً أساسياً لفهم المسيحية أيضا، وفي هذا السياق يشير المؤرخ وعالم الأديان هوستن سميث إلى أن قسماً كبيراً من الحضارة الغربية يحمل بصمة يهودية عميقة، أثرت في تصورات الغرب عن قضايا الوجود والمعنى والحياة.
وفي العصر الحديث، تجدد الاهتمام بهذا التراث لدى بعض التيارات المسيحية، ولا سيما الحركات الإنجيلية والأصولية البروتستانتية التي تولي أهمية خاصة لنصوص العهد القديم ونبوءاته، وتبني جانباً من رؤيتها الدينية والتاريخية على قراءات خاصة لهذه النصوص.
كما انعكس هذا الاهتمام في بعض المواقف السياسية المعاصرة، وأبرزها ما يُعرف بالصهيونية المسيحية.
العلاقة بين اليهودية والإسلامتنتمي اليهودية والإسلام إلى الديانات السماوية، وتشتركان في عدد من الروايات الدينية الكبرى، مثل قصص الخلق والأنبياء، إلى جانب حضور مشترك لعدد من الشخصيات والأحداث، غير أن هذا الاشتراك الشكلي لا يعني تطابقاً في الدلالات أو الرؤى، إذ غالباً ما يقود اختلاف التأويل إلى تباينات عميقة في فهم النصوص وبناء التصورات العقدية.
ومن منظور إسلامي، لا يُقبل حصر النبوة في إطار قومي مرتبط ببني إسرائيل أو تحديدها زمنياً ضمن حدود تاريخهم الديني، كما في التصور اليهودي التقليدي الذي يضع نهاية لعصر النبوة في قرون سابقة للميلاد.
ويترتب على هذا التصور، استبعاد بعض الأنبياء الذين يقرّ الإسلام بنبوتهم، وعلى رأسهم عيسى عليه السلام، ثم محمد صلى الله عليه وسلم بوصفه خاتمة سلسلة النبوة.
ومن هنا يتجلى أحد أبرز وجوه الاختلاف بين الديانتين، والمتمثل في عالمية الرسالة الإسلامية وامتدادها للبشرية جمعاء، في مقابل الطابع التاريخي والقومي المرتبط ببني إسرائيل في التصور اليهودي التقليدي.
ويبرز الاختلاف أيضاً في قراءة شخصية إبراهيم عليه السلام وسياق دعوته.
فبينما تقدم الرواية اليهودية إبراهيم بوصفه أحد آباء بني إسرائيل الأوائل، وتربط وعد الله له بامتداد نسله عبر إسحاق ويعقوب، ينظر الإسلام إلى إبراهيم باعتباره نموذجاً للتوحيد الخالص الذي يسبق تشكل الهوية اليهودية والمسيحية.
فهو في التصور الإسلامي ليس تابعاً لأي من الديانتين اللاحقتين، بل صاحب رسالة توحيدية مستقلة ارتبطت بالبحث عن الحقيقة وترسيخ الإيمان بالله الواحد.
كما تذهب بعض الدراسات إلى أن بيئته اللغوية والثقافية قد تكون أقرب إلى العربية القديمة، وأن هجرته إلى فلسطين جاءت في سياق هجرات وتنقلات تاريخية سابقة على تشكل بني إسرائيل بوصفهم كياناً تاريخياً نسب نفسه إلى يعقوب عليه السلام، فإسرائيل بحسب الرواية اليهودية هو يعقوب، وبالتالي فبنو إسرائيل هم أبناء يعقوب.
وتُظهر بعض المقاطع التوراتية تفضيلاً واضحاً لإسحاق على إسماعيل، من خلال ربط العهد الإلهي والبركة بالنسل الذي يمر عبر إسحاق ويعقوب، في حين يحتل إسماعيل موقعاً ثانوياً في هذا السياق رغم صلته النسبية بإبراهيم عليه السلام.
ويُفهم من هذا التصور أن الامتداد الديني للعهد يُراد له أن ينحصر في خط نسلي محدد، بما ينسجم مع الرؤية اليهودية التي تربط الاختيار الإلهي ببني يعقوب (إسرائيل) على وجه الخصوص.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك