نشرت وزارة الاوقاف نص الخطبة الاسترشادية للجمعة القادمة بعنوان" الرفق.
بناء للإنسان وعمران للأوطان"، مشيرة إلى أن الهدف المراد توصيله إلى جمهور المسجد: التوعية بقيمة الرفق واللين وأنهما طريق لكسب القلوب، وبناء إنسان سوي ووطن قوي، علما بأن الخطبة الثانية تهدف إلى أن القسوة ليست وسيلة للتربية.
الرفق.
بناء للإنسان وعمران للأوطانالحمد لله الذي جعل الرفق بين عباده صلة وأمانا، وبعث نبيه بالرحمة للعالمين إماما، وشيد به للألفة صرحا ومقاما، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، وأشهد أن سيدنا محمدا عبد الله ورسوله، كان بالمؤمنين رؤوفا رحيما، وعن الجاهلين عفوا كريما، صلى الله وسلم وبارك عليه، أما بعد، فيا عبد الله:١-اجعل الرفق شعار تعاملك الراقي: وانشر بذور اللين في قلبك وفيمن حولك، فالرفق هو الركيزة الأولى في بناء الشخصية السوية المتزنة، وبه تزكو النفوس من عوارض الحقد والضغائن المدمرة، فالمؤمن الحق من يلزم اللين في أحواله وأوقاته، ليكون عاقلا في سكناته وحركاته، وليتحول إلى صاحب حكمة بالغة في كلماته وعلاقاته، إذ ما كان الرفق في طبع إنسان إلا زانه وقومه، ولا نزع منه إلا شانه وحطمه، فصن بالرفق نفسك، وحصن باللين حياتك، تبن جيلا قويا في مبادئه، رحيما في تعاملاته، مستقيما في أحواله، وقد أكد المصطفى ﷺ أثر هذا الخلق في نماء الإنسانية وفلاحها، وبناء النفس وصلاحها، فقال ﷺ: «من أعطي حظه من الرفق، فقد أعطي حظه من خير الدنيا والآخرة».
٢- كن هينا لينا رفيقا بشوشا: فبالرفق واللين تشيد أركان البلدان، وتتلاحم سواعد الإنسان لبناء وطن راسخ البنيان، واحذر من الغلظة فإنها مفسدة للصلات، ومفرقة للجماعات، وتأمل كيف جعل الله الرفق سببا لائتلاف القلوب، فهو الأساس لكل وطن متماسك، وبنيانه متشابك، فالوطن لا يشتد بنيانه ولا تقوى أركانه، إلا بمجتمع يرحم قويه ضعيفه، ويحنو كبيره على صغيره، ويسود الرفق في شوارعه وأسواقه، وتتجلى الرحمة في تعاملاته وأخلاقه، فلينوا في تعاملكم مع القريب، وتلطفوا في معاشرتكم مع الغريب، وأصلحوا بالرفق ذات البين، واقضوا به حوائج الدنيا والدين؛ فالمؤمن الواثق يعلم أن حسن الخلق وحسن الجوار يعمران الديار، ويزيدان في الأعمار، فباللين تدوم الألفة، وتزول الشحناء، وتتحول العداوة إلى مودة وعطاء، مصداقا لقول النبي ﷺ: «إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه».
٣- تنسم عبير اللين من السيرة النبوية: واقتبس من رفق النبي ﷺ حسن الصفات، فقد كان ﷺ مظهر هذا الجمال، فلم يكن لينه عجزا، ولا حلمه ضعفا، بل كان رحمة تسع الصغير والكبير، وانظر إلى رفقه بالأعرابي الذي بال في مسجده، فكف الناس عن زجره تيسيرا وتعليما، وجاءه الشاب يطلب الإذن بالزنا، فقربه وحاوره رفيقا رحيما، يعفو ويصفح، ولا يجزي السيئة بمثلها، بل يصلح ولا يجرح، لطيف الطبع، لين الجانب، بسام المحيا، أرفق الخلق بالخلق، فكان للناس غياثا من المحن، ومأمنا تلتجئ إليه النفوس من الفتن، فاحتشدت القلوب حول جنابه الشريف، وانقادت النفوس للطفه المنيف، فكن رحيم التوجيه في إرشاد الخلق، حليم النهج في التخلق بالرفق، وفي ذلك يصفه ربه سبحانه بقوله: ﴿لقدۡ جاۤءكمۡ رسولࣱ منۡ أنفسكمۡ عزیز علیۡه ما عنتمۡ حریص علیۡكم بٱلۡمؤۡمنین رءوفࣱ رحیمࣱ﴾.
٤- أفض برفقك على سائر الأكوان من حولك: واعلم أن هذا الخلق يحول الإنسان إلى أفضل حال، وتأمل في حال ثمامة بن أثال إذ غدا النبي ﷺ أحب إليه من الآفاق، لما رأى في حضرته من كريم الأخلاق، فالرفق ثمرة نفس مطمئنة، وعقل راجح، يذيب من النفوس قسوتها، ويؤلف القلوب بعد نفرتها، فامسح بيمين الرفق على كل كائن حي، وترفق مع الأكوان من حولك دون أذية، فالقلب المستنير يرى الوجود بعين الرحمة والإحسان، ويعمر الديار بحسن الخلق وحسن الجوار في كل مكان، ومن حرم هذا الحظ فقد حرم خير الدارين، فاستمسك بهذا الخلق الشريف الجميل، لتسلك في الورى أوضح سبيل؛ فما كان الرفق في أمر إلا زانه، وما فارق طبعا إلا شانه، وفي ذلك يقول البشير النذير ﷺ: «من يحرم الرفق يحرم الخير».
الحمد لله وكفى، وصلاة وسلاما على عباده الذين اصطفى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، أما بعد:أيها المربي الماجد: إن التربية تقويم وإعمار، وغرس للفضائل في قلوب الصغار، وقد بنى الإسلام منهجه على المحبة والرحمة، وجعل الرفق بالناشئة بابا للخير والنعمة، فالغلظة في التعامل تورث الجفاء، وتصيب نفوس الأبناء بالانكسار والعناء، فالشدة المفرطة تزرع الخوف في الوجدان، وتخرج شخصيات مهزوزة فاقدة للأمان، وقد تجلى الرفق في نصح لقمان الحكيم لفلذة كبده وثمرة فؤاده، حيث خاطبه بلطف النداء، وعميق المودة والرجاء، حين قال: ﴿یٰبنی﴾ بلسان يملؤه الحنان، لتنساب الموعظة إلى قلبه بأمان، امتثالا لهدي نبينا الأكرم ﷺ حيث كان يربي بالرفق واللين، ويتجلى ذلك في محبته للحسن والحسين رضي الله عنهما، إذ كان يلاعبهما ويقبلهما ويظهر لهما عظيم العطف والرحمة، فكانا مثالا حيا لتربية قائمة على الحب واللين لا القسوة والجفاء، فسمت بذلك النفوس واطمأنت القلوب.
أيها الأب الفاضل: اجعل دارك موئلا للوداد، ومحضنا يحمي الأبناء، فاستماعك للصغير يبني الثقة واليقين، ويحميه من الضياع، فالطفل يرجو منك يدا حانية تمسح العبرة، وصدرا حنونا يستوعب العثرة، فتأمل هدي النبي الكريم ﷺ مع الأطفال والشباب، وكيف غمرهم باللطف والرحمة والترحاب، فقد أطال سجوده شفقة بالصبي الصغير، وواسى الغلام في فقد طائره النغير، فكن لأولادك حصنا منيعا وملاذا أمينا، ولن معهم لتجعل عيشهم رغدا ومستقبلهم مكينا، وسر على خطى الجناب المعظم الذي قال ﷺ: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك