يعيش العالم اليوم على وقع ثورة تكنولوجية متسارعة تقودها تقنيات الذكاء الاصطناعي، وهي الثورة التي فرضت ظلالاً من القلق والتهديد الوجودي على الكثير من المهن وأبرزها مهنة الإعلام وصناعة الصحافة التقليدية.
وبينما يتخوف الكثيرون من شبح" أتمتة الأخبار" واستبدال العنصر البشري بالآلات، تبنّت المؤسسات الإعلامية الصينية الكبرى استراتيجية مغايرة؛ تقوم على احتضان هذه التقنيات وتطويعها لخدمة المحتوى وصناعته، محولين التهديد إلى فرصة لتعزيز الكفاءة والانتشار الإنساني العابر للحدود.
وفي مقاطعة جويشو التي تعرف بكونها أحد أكبر مراكز الاقتصاد الرقمي والتطور التكنولوجي في الصين والعالم، عقدت ندوة حوارية موسعة جمعت وفوداً إعلامية دولية مع قيادات مؤسسة" جويشو" للإذاعة والتلفزيون وصحيفة" جويشو دايلي" في الصين.
ورصدت" اليوم السابع" رؤية الجانب الصيني حول كيفية دمج الذكاء الاصطناعي في صالات التحرير دون المساس بجوهر العمل الصحفي أو فرص التوظيف.
التكنولوجيا لا تملك" قلباً"في مستهل الحديث، استعرض مثلو قطاع الإعلام في مؤسسة" جويشو" الإعلامية - التي يعمل بها قرابة ال13 ألف موظف- حجم عملياتهم الضخم الذي يشمل 10 قنوات تلفزيونية، و5 محطات إذاعية، وتطبيقات ذكية، فضلاً عن منصات التواصل الاجتماعي الموجهة عالمياً بالتعاون مع كيانات دولية مثل" ديسكفري".
ويشار إلى أنها أكبر مؤسسة إعلامية شاملة على مستوى المقاطعة وتعمل كمنصة اتصال متكاملة تشمل التلفزيون، الراديو، تطبيقات الهواتف، والمواقع الإلكترونية.
وحول التوازن بين الآلة والمشاعر الإنسانية، قال ليو جينج يوان، نائب المدير العام لمحطة الإذاعة والتلفزيون في مقاطعة جويشو، إن الذكاء الاصطناعي يمتلك قدرة فائقة على تقليص وقت الترجمة متعددة اللغات وتوزيع المحتوى من أيام إلى أقل من نصف ساعة، لكنه أشار إلى أن التكنولوجيا تقف عاجزة أمام فهم الجوهر الثقافي.
وأضاف جينج يوان موضحاً بضرب مثال حي: يمكن للذكاء الاصطناعي أن يترجم الكلمات الحرفية لأغنية تقليدية لشعب دونج العرقي عن الطبيعة، لكنه لن يستطيع أبداً محاكاة أو فهم الرابطة الروحية والعاطفية العميقة التي يمتلكها هذا الشعب مع بيئته.
ومن جانبها، قالت تيان مينچيا، نائبة مدير مركز الاتصال الدولي بصحيفة" جويشو دايلي"، أن مؤسستها نجحت في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لإحياء التاريخ، حيث أنتجوا مؤخراً فيلماً وثائقياً قصيراً يعيد سرد قصة منسية عمرها 90 عاماً باستخدام الصوت الأصلي لكاتب مذكرات تاريخية من عام 1936، مستطردة بأن الكفاءة العالية تجلت أيضاً في تغطيتهم لأولمبياد ميلانو الشتوية، حيث تمكن مراسل واحد فقط في الموقع — مدعوماً بأدوات الذكاء الاصطناعي — من تقديم تغطية شاملة ومتعددة الوسائط للصحيفة والمنصات الرقمية بكفاءة توازي قطاعاً كاملاً.
الذكاء الاصطناعي لن يستبدل المبدعينوبسؤال المسئول بالمحطة التلفزيونية الصينية، كيف يمكن أن تبدأ الدول والمؤسسات التي ما زالت في طور" المتبني الأولي" للذكاء الاصطناعي في دمج التقنية دون تسريح العمالة البشرية، رد جينج يوان قائلًا إن الذكاء الاصطناعي يمتلك حدوداً واضحة، فهو ممتاز في جمع البيانات والترجمة والأرشفة، لكنه يفتقر تماماً للمبادرة الإبداعية.
وأضاف قائلًا إن الذكاء الاصطناعي لن يحل محل الصحفيين، بل إن الصحفيين الذين يتقنون استخدام وتوجيه الذكاء الاصطناعي هم من سيحلون محل أولئك الذين يرفضون تعلمه.
الحل يكمن في إعادة تأهيل الكوادرواستطرد مؤكداً أن الحل لا يكمن في استبدال البشر، بل في إعادة تأهيل وتدريب الكوادر التقليدية الحالية داخل المؤسسات الإعلامية ليكونوا هم" المُوجِّهين" للآلة.
وضرب مثالا بالثورة الصناعية وقال إن الجميع توقع أن تحل الآلات محل العمال، وهذا حدث إلى حد ما ولكن العمال الذين تعلموا كيفية إدارة الآلات والتحكم بها، استفادوا من قدراتها الحديثة وعملهم أصبح أسهل.
وشدد قائلا: لا يمكن الاستغناء أبدا عن العنصر البشري.
وفي سياق متصل، وردا على سؤال اليوم السابع حول ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيسحب البساط من تحت أقدام الإعلام التقليدي ويقضي على نسب المشاهدة، قال جينج يوان إن التمييز بين إعلام تقليدي وجديد لم يعد قائماً، بل إن البقاء للمحتوى الذكي المرن؛ حيث تعمد المؤسسة الصينية إلى تفكيك المحتوى وإعادة صياغته في قوالب قصيرة تناسب الأجيال الشابة على منصات التواصل الاجتماعي لضمان استبقاء الجمهور.
وأضاف المسئول أن" الصحافة الميدانية" والنزول إلى الشارع لتصوير أشخاص حقيقيين وسماع قصصهم الإنسانية النابضة بالدفء هو أمر يخرج تماماً عن نطاق قدرة أي خوارزمية في العالم، وسيبقى دائماً حكراً على الإنسان.
وبسؤاله حول كيفية مواجهة الصين لمعضلة الأخلاقيات، وانتشار" التزييف العميق" (Deepfakes)، وغياب الرقابة على خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي العالمية الكبرى، قال جينج يوان المسئول الإعلامي الصيني إن الحكومة الصينية تفرض سياسات صارمة للغاية تجاه المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي؛ حيث يُلزم القانون أي مؤسسة أو فرد بوضع" علامة مائية" (Watermark) واضحة وبارزة على أي فيديو أو صورة تم إنتاجها بالذكاء الاصطناعي ليعرف الجمهور فوراً أنها صناعة غير بشرية.
وأضاف" لدينا خط أحمر لا يمكن تجاوزه بأي حال من الأحوال؛ وهو منع استخدام الذكاء الاصطناعي نهائياً لتوليد أو كتابة الأخبار السياسية أو التغطيات الإخبارية الحية.
الصحافة الإخبارية يجب أن تنقل الواقع الموضوعي الذي تم التحقق منه بالعين البشرية المجردة".
وأكد المسئول الصيني أن منصات كبرى داخل الصين مثل" تيك توك" تفرض قيوداً وتراجع تصنيفات الحسابات التي تعتمد على مقابلات وهمية ومصنوعة بالكامل بالذكاء الاصطناعي، منهياً حديثه بالقول إن حماية الحقيقة ومنع التضليل في عصر الذكاء الاصطناعي هي مسئولية مشتركة وضخمة تتطلب تضافر الحكومات، والمنصات الرقمية، والمؤسسات الإعلامية، والوعي الجماهيري معاً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك