لم تكن خسارة مصر أمام الأرجنتين بعد تقدمه بهدفين، سوى حلقة من سلسلة انهيارات الفرق الأفريقية في الأمتار الأخيرة من المباريات.
وقبل مصر سقطت السنغال أمام بلجيكا بعد أن كانت على بعد دقائق من التأهل، وتراجعت الكونغو الديمقراطية أمام إنجلترا رغم تفوقها لفترات طويلة.
ويرى العلماء أن الدقائق الأخيرة من المباريات تمثل مرحلة مختلفة تماما عن بقية زمن اللقاء، تتغير فيها استجابة اللاعبين جسديا ونفسيا، وتصبح القرارات الصغيرة أكثر قدرة على تغيير النتيجة.
الدقائق الأخيرة ليست مجرد امتداد للمباراةوتوصلت دراسة أمريكية نشرت عام 2025، بعد تحليل أكثر من 3400 مباراة في 21 بطولة ودوريًا مختلفًا، إلى أن الأهداف لا تتوزع بالتساوي على مدار المباراة.
فكلما اقتربت المواجهة من نهايتها ارتفع معدل تسجيل الأهداف، بينما تنخفض الأهداف في بدايات الأشواط.
اضافة اعلانويعني ذلك أن الربع ساعة الأخيرة لا تمثل مجرد استمرار لما سبقها، بل تدخل المباراة خلالها في مرحلة جديدة تتداخل فيها عوامل الإرهاق البدني، والمخاطرة التكتيكية، والتوتر النفسي، وتغير أسلوب اللعب.
كما أظهرت الدراسة أن الأهداف المتأخرة غالبًا ما تأتي في صورة" موجات"، إذ يزداد احتمال تسجيل هدف جديد بعد فترة قصيرة من تسجيل هدف سابق، فيما وصفه الباحثون بـ" الديناميكيات الاندفاعية".
فعندما يسجل فريق هدفًا متأخرًا، تتغير طبيعة المباراة بالكامل، ويكتسب الفريق العائد زخما إضافيا، بينما يبدأ الفريق المتقدم في التفكير بطريقة مختلفة.
كيف يغير هدف واحد مسار المباراة؟ومن أكثر المفاهيم التي حظيت باهتمام علماء النفس الرياضي ما يعرف بـ" الزخم النفسي".
وتشير الدراسات إلى أن الحدث الحاسم داخل المباراة قد يغير إدراك اللاعبين لفرصهم في الفوز، حتى لو ظلت النتيجة متقاربة.
وفي تجربة نشرت بدورية" ساينس أند ميديسن إن فوتبول"، طُلب من 86 لاعب كرة قدم تخيل سيناريوهات مختلفة لمباريات نهائية، بعضها يتضمن تسجيل فريقهم هدف التعادل، وبعضها يتضمن استقبال هذا الهدف.
وأظهرت النتائج أن اللاعبين الذين تخيلوا فريقهم يسجل هدف التعادل في الدقيقة 92 شعروا بثقة وحماس وسيطرة أكبر بكثير مقارنة بمن تخيلوا الهدف نفسه في الدقيقة 61.
وعلى العكس، كان استقبال هدف التعادل في اللحظات الأخيرة أكثر تدميرًا للثقة من استقبال الهدف نفسه في وقت مبكر.
وتساعد هذه النتائج في تفسير ما يحدث عندما يسجل فريق كبير هدفا متأخرا، إذ لا يضيف الهدف نقطة على لوحة النتائج فقط، بل يغير الحالة النفسية للفريقين معا، فيصبح أحدهما أكثر جرأة، بينما يتحول الآخر إلى حالة من القلق والدفاع المفرط.
ويشير محمد إسلام، الباحث المتخصص في علم النفس الرياضي بجامعة بنها، إلى بعد آخر، وهو أن علماء النفس الرياضي يفرقون بين نمطين من التفكير أثناء المنافسة: " عقلية الاقتراب" و" عقلية التجنب".
ويقول لـ" العين الإخبارية": " في الحالة الأولى يركز اللاعب على كيفية صناعة فرصة جديدة أو تسجيل هدف آخر.
أما في الحالة الثانية فيصبح التركيز منصبا على تجنب الخطأ ومنع الكارثة".
ويضيف أنه" عندما يتقدم فريق ما بهدف أو هدفين قرب النهاية، قد يتحول تفكير لاعبيه تدريجيًا من البحث عن الفوز إلى الخوف من فقدانه.
وهنا يبدأ اللاعب في طرح أسئلة مختلفة على نفسه: ماذا لو أخطأت؟ ماذا لو كنت سبب الإقصاء؟ ماذا لو ضاع كل شيء الآن؟ ".
ويشير د.
إسلام إلى أن" هذا التحول الذهني قد يدفع اللاعبين إلى اتخاذ قرارات أكثر تحفظًا، والتراجع للخلف، والتخلي عن المبادرة الهجومية، وهو ما يمنح المنافس فرصة أكبر للعودة".
ويلمح د.
إسلام إلى بعد آخر في تفسير الهزيمة يعرف باسم" الاختناق تحت الضغط"، فاللاعب المحترف يؤدي معظم مهاراته بشكل تلقائي نتيجة سنوات طويلة من التدريب.
لكنه تحت الضغط الشديد قد يبدأ في التفكير الواعي في حركاته وقراراته، وهو ما يعطل الأداء التلقائي المعتاد".
وتشير الأبحاث إلى وجود آليتين رئيسيتين لهذا الاختناق: الأولى هي" التشتت"، حيث يستهلك القلق جزءًا من الانتباه والذاكرة العاملة، فتتراجع جودة اتخاذ القرار.
أما الثانية فهي" التركيز الذاتي المفرط"، حيث يراقب اللاعب أداءه بصورة مبالغ فيها، فيفقد السلاسة التي تميز الأداء الرياضي الاحترافي، وفي هذه الحالة قد تتحول تمريرة سهلة إلى خطأ، أو يتأخر المدافع جزءًا من الثانية في اتخاذ قراره، وهي فروق صغيرة تكفي لتغيير نتيجة مباراة كاملة أمام منافسين من الصف الأول عالميًا.
الاقتراب من الإنجاز كمصدر للضغطوتشير دراسات أخرى إلى أن الاقتراب من تحقيق إنجاز تاريخي قد يكون في حد ذاته مصدرا إضافيا للتوتر.
فكلما شعر اللاعب بأن الحلم أصبح قريبًا للغاية، زادت حساسية عقله تجاه احتمالية فقدانه.
ويعرف هذا في علم النفس الرياضي أحيانًا بتأثير" الخوف من الخسارة"، حيث يصبح التركيز على ما يمكن فقدانه أكبر من التركيز على ما يمكن تحقيقه.
وفي مباريات خروج المغلوب بكأس العالم، تتضاعف هذه الظاهرة بسبب إدراك اللاعبين أن خطأ واحدًا قد يبقى في الذاكرة الجماهيرية لسنوات طويلة.
وكالات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك