إن ما يحدث في تركيا، قبل كل شيء، مسرحية نفاق.
فتركيا يقودها زعيم استبدادي ذو توجه إسلامي واضح.
قبل الحرب العالمية الأولى، كانت الإمبراطورية العثمانية تُلقب بـ”الرجل المريض”.
أما الآن، فيمكن وصفها باللاعب المتطرف الجامح على الخريطة الإقليمية.
من جهة أخرى، هذا منظور إسرائيلي.
ففي نهاية المطاف، الأتراك هم من ساهموا في إنهاء الحرب في غزة، وهم من ضغطوا لإنهاء الحرب في إيران.
صحيح أن لديهم مصالح إمبريالية في سوريا، وربما في لبنان، لكنهم أليسوا أفضل من إيران؟ ويضيف كثيرون في أوروبا: أفضل من الحكومة الإسرائيلية الحالية أيضاً.
القصة الرئيسية ليست مجرد طائرة إف-35.
ففيها يحصل الأتراك على عفو لا يستحقونه.
كانوا جزءًا من هذا المشروع، إلى أن قرر أردوغان في إحدى نوباته المعهودة أن الغرب يشارك في انقلاب ضده؛ فانتهك اتفاقية الطائرات المقاتلة، وأمر بشراء أنظمة دفاع روسية.
وهكذا، وجدت تركيا نفسها في موقف بالغ التعقيد، فخٌّ ناتج عن الحماقة: قوة جوية منسقة مع حلف الناتو ومع طائرات غربية، لكن دون إمكانية الوصول الكامل إلى قطع الغيار ومستقبل الطائرات المقاتلة الأمريكية.
كان من الممكن استغلال هذا الفخ لإجبار أردوغان على التصرف بعقلانية أكبر، لا سيما فيما يتعلق بإسرائيل.
لكن هنا يبرز النفوذ التركي في العواصم الغربية، بما فيها واشنطن، وهو نفوذ بالغ الأهمية.
فاليوم، تتمتع أنقرة بنفوذ قوي لدى بعض المسؤولين الحكوميين، يضاهي نفوذ إسرائيل، بل ربما يفوقه.
تعاونت إسرائيل ومؤسستها الأمنية بشكل وثيق مع المؤسسة الأمنية التركية.
عالم من النفاق والخداع.
ظاهريًا: خطابات متطرفة من أردوغان ومساعديه، كان آخرها وزير الخارجية النافذ – وربما خليفته – الذي تحدث بعبارات معادية للسامية بشكل صريح، لكن تحت السطح، على الأقل حتى قبل عام ونصف، كان هناك تعاون وثيق وسري بين المسؤولين الأمنيين في أنقرة و”القدس” [تل أبيب]، وكل ذلك بموافقة أردوغان.
لكن هذا السد، بقدر ما صمد، فقد انهار تمامًا.
العلاقات بين البلدين تتدهور.
ما كان قائمًا – تعاون سري مقابل تصريحات تركية عدائية – قد انتهى.
اعتراف إسرائيل بإبادة الأرمن كان ضربة قاضية.
وفي الحقيقة، هذه ليست قصة ضد تركيا، بل ضد الولايات المتحدة.
لقد استنفدت إسرائيل كل ما تبقى لديها من رصيد في الحرب على إيران.
إن قدرتها على إقناع الولايات المتحدة بضرورة الحفاظ على تفوقها النوعي – وخاصة ضد حليف رئيسي في الناتو – كادت تتلاشى تمامًا.
كل من ظن أن الحرب على إيران ستغير الشرق الأوسط كان مخطئًا.
لكنها فعلت شيئًا آخر: لقد أنهت مكونات التحمل وقدرة المناورة الإسرائيلية في واشنطن.
ظاهريًا.
رئيس الوزراء نتنياهو يخوض الآن حملة انتخابية علنية.
كتبتُ “ظاهرياً” لأن نتنياهو لا يريد الخسارة.
ربما يشعر أنه سيتمكن من حشد معارضة كافية في العاصمة الأمريكية.
على الأقل يمكنه القول إنه حاول.
وهذا أيضاً يُعدّ إنجازاً، خاصةً خلال الانتخابات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك