طرابلس – «القدس العربي»: مع استمرار الحراك الأميركي الرامي إلى كسر الجمود السياسي في ليبيا، حملت لقاءات مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، مع قيادات المجلس الرئاسي في طرابلس، رسائل متقاربة شددت على أن أي تسوية للأزمة الليبية لا يمكن أن تنجح ما لم تستند إلى توافق وطني واسع يشارك فيه جميع الأطراف، مع رفض واضح لأي ترتيبات سياسية مؤقتة أو تفاهمات محدودة قد تعيد إنتاج الانقسام.
وجاءت لقاءات بولس، الأربعاء، مع رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي ونائبه عبد الله اللافي، بعد يوم واحد من اجتماعات مكثفة أجراها مع رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، والمكلف بوزارة الداخلية عماد الطرابلسي، وعدد من المسؤولين السياسيين والأمنيين، في إطار جولة تهدف إلى استطلاع مواقف مختلف القوى الليبية بشأن المقاربة الأميركية الجديدة للتسوية.
وأكد عضو المجلس الرئاسي عبد الله اللافي، خلال لقائه بولس، أن تجاوز المرحلة الراهنة يتطلب الارتكاز على توافق وطني شامل يضمن ملكية الليبيين لمسارهم السياسي، ويهيئ البيئة المناسبة لإنجاز الاستحقاق الانتخابي على أسس دستورية وقانونية متوافق عليها.
وأوضح اللافي أن حالة الانسداد السياسي التي تعيشها البلاد تستوجب مقاربات وطنية مسؤولة، مشددا على أهمية الدفع نحو توحيد المؤسستين العسكرية والأمنية باعتبارهما ركيزة أساسية لحماية سيادة الدولة وصون وحدتها، كما شدد الجانبان على ضرورة استمرار التنسيق ودعم الجهود الرامية إلى تثبيت الاستقرار والدفع بالعملية السياسية نحو حلول واقعية ومستدامة تستجيب لتطلعات الليبيين.
وفي لقاء آخر، نقل المجلس الرئاسي عن رئيسه محمد المنفي، تأكيده أن نجاح أي تسوية سياسية يتطلب أن تكون شاملة، وأن تنفذ عبر حوار مباشر بين المؤسسات الرسمية الوطنية ذات الصلة، بما يضمن إنتاج توافق مستدام، وليس مجرد ترتيبات وقتية أو تفاهمات محدودة قد تعيد إنتاج الانقسام.
وشدد المنفي على أهمية توسيع دائرة النقاش بما يحافظ على وحدة الدولة ومؤسساتها ويمهد لمسار انتخابي يشارك فيه جميع الليبيين، مؤكدا أن المجلس الرئاسي منفتح على كل الجهود الدولية الداعمة للاستقرار، شريطة أن تستند إلى توافق وطني واسع، وأن تراعي التوازن بين المؤسسات والمكونات الليبية، بما يعزز فرص نجاح أي مبادرة سياسية ويحول دون فرض حلول جزئية أو مؤقتة.
وأكد بولس دعم الولايات المتحدة لمسار سياسي شامل يشارك فيه الجميع ويقود إلى تهيئة الظروف المناسبة لإجراء انتخابات وطنية، معربا عن حرص بلاده على مواصلة العمل مع مختلف الأطراف الليبية للاستفادة من الزخم السياسي الحالي، ودعم جهود توحيد المؤسسات وتحقيق الاستقرار.
وتعكس التصريحات الصادرة عن لقاءات الأربعاء تقاطعا لافتا بين الرؤية التي يطرحها المجلس الرئاسي والمواقف التي أعلنتها قبل يوم واحد مكونات مدينة مصراتة، والتي أكدت خلال اجتماعها مع بولس رفض أي تسوية ضيقة أو أي توجه يقود إلى عسكرة الدولة، مطالبة بأن تستند أي عملية سياسية إلى إطار دستوري واضح، وأن تكون نابعة من إرادة الليبيين أنفسهم.
وكان أعيان وحكماء ومؤسسات مجتمع مدني وقيادات عسكرية من مصراتة قد أعلنوا، عقب لقائهم المسؤول الأميركي، أن بولس لم يقدم مبادرة مكتوبة أو مشروع اتفاق رسمي، وإنما أوضح أن المرحلة الحالية تقتصر على الاستماع إلى مختلف الأطراف الليبية وجمع ملاحظاتها ومقترحاتها، على أن تشكل هذه الآراء أساسا لصياغة المبادرة في مراحل لاحقة.
وتأتي هذه التصريحات في وقت لا تزال فيه تفاصيل المبادرة الأميركية محل جدل واسع داخل الأوساط السياسية الليبية، خاصة بعد تقارير إعلامية تحدثت عن مقترحات لإعادة ترتيب السلطة التنفيذية، وهو ما أثار ردود فعل متباينة بين مؤيدين يرون فيها فرصة لكسر حالة الجمود، ومعارضين يعتبرون أن أي تسوية يجب ألا تقوم على تقاسم السلطة بين القوى النافذة.
وفي السياق ذاته، واصل بولس سلسلة لقاءاته في طرابلس، حيث اجتمع الثلاثاء بالمكلف بوزارة الداخلية عماد الطرابلسي، وبحث معه سبل تعزيز التعاون الأمني بين ليبيا والولايات المتحدة، إلى جانب مناقشة عدد من القضايا ذات الاهتمام المشترك بما يسهم في دعم الأمن والاستقرار وتعزيز التنسيق بين الجانبين.
كما شملت جولة المسؤول الأميركي لقاء رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، وعضو المجلس الرئاسي موسى الكوني، ومحافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى، ورئيس المؤسسة الوطنية للنفط، ورئيس ديوان المحاسبة، في إطار مشاورات تهدف إلى استطلاع مواقف مختلف المؤسسات الليبية من التصور الأميركي لتوحيد المؤسسات وإطلاق مسار سياسي جديد.
وتأتي هذه التحركات بعد تقارير إعلامية غربية تحدثت عن لقاءات رعاها بولس في العاصمة المالطية فاليتا بين مسؤولين من شرق وغرب ليبيا، ضمن جهود أميركية لتقريب وجهات النظر بين الأطراف المتنافسة، بالتوازي مع اتصالات أجراها خلال الأشهر الماضية مع شخصيات سياسية وعسكرية بارزة في بنغازي وطرابلس.
ويرى مراقبون أن واشنطن تحاول استثمار حالة الانسداد السياسي الحالية لإطلاق مسار جديد يركز على توحيد المؤسسات التنفيذية والعسكرية والأمنية، باعتبارها خطوة تسبق إجراء الانتخابات، إلا أن نجاح هذا المسار يبقى مرهونا بمدى قبول مختلف الأطراف الليبية بأي صيغة توافقية، وبقدرة المبادرة الأميركية على طمأنة القوى السياسية التي تخشى أن تتحول أي ترتيبات انتقالية جديدة إلى إعادة إنتاج للأزمة بدلا من إنهائها.
وتشير مواقف المجلس الرئاسي، إلى جانب الرسائل الصادرة عن لقاءات بولس في مصراتة وطرابلس، إلى وجود إجماع متزايد بين عدد من القوى الليبية على رفض الحلول الجزئية والتمسك بعملية سياسية شاملة تقوم على توافق وطني واسع، بما يضمن الحفاظ على وحدة البلاد ومؤسساتها، ويقود في نهاية المطاف إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية تنهي المراحل الانتقالية الممتدة منذ سنوات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك