من استخرجوا من الرمال عنصراً يسمى سيليكون، وحوّلوه بعد أن ينقّى ويصهر إلى شرائح رقيقة… رقائق إلكترونية تتفوق على العقل البشري في التفكير وجمع المعلومات وحل المشاكل وخلق عوالم افتراضية… من صنعوا هذه الرقائق الإلكترونية التي غيرت واقع ومستقبل العالم، بينما كنا نحن نفكر برقائق البطاطس! العلماء والمهندسون الذين ربطوا الحواسيب لتصبح أساساً للإنترنت… ومن صنعوا أحدث الطائرات والسيارات…القائمة طويلة… هؤلاء انشغلوا بالعمل والمعرفة، لا بالاحتفال اليومي برؤسائهم وأنظمتهم، وأعيادهم ومناسباتهم التي لا تنتهي… وفي الحقيقة نحن أمام ما يحدث في العالم، أُمّيّون علميا.
أمّةٌ أُصيبت بعقمٍ فكريٍّ لا تعترف به، نعم تاريخنا عظيم بما فيه من علوم وأدب وحضارة، لكننا اليوم نعيش في عالم لا بقاء فيه إلا للأقوىعلمياً واقتصادياً.
في الوقت الذي كانت فيه دولٌ تبني مراكز الأبحاث، وتستثمر في العلم والتكنولوجيا، وتخطط لعقود مقبلة، كانت السياسة عندنا تستهلك الناس في الخلافات والشعارات والصراعات، وكان جزء كبير من الأدب غارقاً في اجترار الهزائم والحنين والسخرية والبكاء على الخراب.
لذلك بقينا غالباً مستهلكين لما ينتجه الآخر، لا شركاء في صناعته.
في مجتمعاتنا العربية يكمل الفرد تعليمه، ثم يصبح دكتوراً أو مهندسا، أو طيّارا أو رجلَ أعمال.
أو موظفا محترماً، يتزوّج، وتبتلعه تفاصيل الحياة، وعاداتٌ لا تنتهي، وتقاليدُ لا تُناقَش.
يمضي الوقت.
ويكبر اللقب ويصغر الأثر.
قد يصل إلى موقع مسؤولية، لكنّه لا يغيّر شيئا يُذكر.
وكأنّنا لا نُنتج علماً، بل نُعيد تدوير الألقاب.
في النهاية نحن اليوم بلا علماء كبار ولا إنجازات حقيقية، لدينا عشرات الأغاني الوطنية والاحتفالات، ومئات العادات والتقاليد، نتحايل على العقيدة ونحلل ونحرم حسب مصالحنا، وبارعون جداً كما هي وسائل إعلامنا في تقديس الأشخاص وصناعة الأصنام، نستطيع أن ننهض، لكن ذلك يحتاج لنخب تقود الناس، لا كما يحدث اليوم، حيث النخب تعزل نفسها، أو هي تنهج نهجا شعبوياً.
الحروب المقبلة لن تكون عسكرية كما كانت في الماضي، بل تكنولوجية واقتصادية بامتياز.
كلُّ دولةٍ لا تسعى لبناء بنيةٍ تحتيةٍ حقيقية للذكاء الاصطناعي ستتراجع، وربما تندثر.
من لا يملك شركاتٍ، واستثمارات، وتعاوناً علمياً مع الشركات التكنولوجية العالمية الأمريكية، أو الصينية سيستيقظ ذات يومٍ على واقعٍ مؤلمٍ.
حتى الأدب العربي عليه أن يتنفس التكنولوجيا، وأن يصبح أدباً يواكب العصر، أدبا يشعل شموعاً تنير الدرب الشاق نحو المستقبل.
رقم (5) وعن يمينه اثنا عشر صفرا.
خمس تريليونات دولار، هذه هي القيمة السوقية لشركة التكنولوجيا الأمريكية إنفيديا! أي ما يعادل اقتصادات معظم الدول العربية مجتمعة.
وليس حالها استثناءً، فمعظم الشركات الأمريكية والصينية تسير في السباق ذاته، بعد أعوامٍ من البحث والعمل العلمي الجاد.
بينما كنا للأسف مشغولين بـ»الدبكة» والأغاني الوطنية والاحتفالات والواسطات والعادات والتقاليد والتصفيق والنفاق.
إن أردنا أن نبقى على قيد الحياة، علينا أن نتغيّر.
لا بالثورات ولا بالمظاهرات التي قد تجلب الفتن والخراب، بل بثورةٍ علميةٍ وتكنولوجيةٍ تعيد للأمة مكانتها، وتحمي أوطانها من الانقراض الحضاري.
حتى الفقير والجاهل عليهما أن يطالبا الدولة وأصحاب القرار بالتغيير الجاد، وأن يُسهم كل فردٍ في نشر الوعي بأهمية العلم والتطور.
وكذلك مواقع التواصل الاجتماعي يجب أن تتغير، فتغدو منصاتٍ للحوار الجاد حول التكنولوجيا والاقتصاد والمستقبل، لا ساحاتٍ للتفاهة والاستعراض والأنانية والسطحية والغرق في الماضي المجيد.
تربيتنا، ومناهجنا المدرسية، إعلامنا وجلساتنا وندواتنا وأحاديثنا، وكتاباتنا، وانشغالنا بالقضايا الهامشية، وتداولنا لمقاطع الفيديوات المثيرة… هذا الاستسهال الذي يُرضي الهوى، ونفاقنا وخوفنا ويأسنا ونرجسيتنا.
كل ذلك يجب أن يتغيّر ليتبع نهجاً علمياً طموحاً إن أردنا أن نبقى أحياءً بكرامة.
نعم، الأمر صعب.
لكنه ليس مستحيلاً.
ولا تقل: الغرب لن يسمح! ولا تبرر بالعجز السياسي أو غياب القرار.
فكم من دولٍ صغيرة نهضت من تحت الركام، وصنعت لنفسها قيمةً ووزنا عالميا بالعلم والعمل والإرادة.
الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا هما مفتاح البقاء والمستقبل.
علينا أن نتغيّر ونشارك، أو على الأقل نواكب التقدم العلمي المتسارع وإلا سنُمحى من خريطة المستقبل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك