في أحد الفصول الدراسية بـ«أيزاول» عاصمة ولاية «ميزورام» الجبلية الواقعة شمال شرق الهند، التي اكتسبت لقب «المدينة الصامتة» بسبب ثقافة عدم استخدام أبواق السيارات، يدرس طلاب هنود في العشرينات من أعمارهم، اللغة اليابانية، وهدفهم هو العثور على عمل بأجر أفضل في اليابان، البلد الذي يعتقدون أنه يوفر فرصاً لا يمكنهم العثور عليها في وطنهم.
وتدير هذه الدورة «أكاديمية شباب من أجل اليابان»، ويشرف عليها مركز «جاسيكس»، وهي شركة ناشئة هندية في مجال التعليم وتطوير المهارات، تأسست عام 2019، وتهدف إلى إعداد الشباب، خصوصاً من شمال شرق الهند، للعمل في اليابان.
ويدرس الطلاب اللغة اليابانية في الأكاديمية في «أيزاول»، على أمل بناء حياة جديدة كمقدمي رعاية في اليابان، إلا أن معظم طلاب «جاسيكس» لم يغادروا الهند من قبل، واليابان التي يعرفونها تشكّلت إلى حد كبير من خلال ما يشاهدونه على الشاشات في الأنيمي، و«اليوتيوب»، ووسائل التواصل الاجتماعي.
تقول الشابة الهندية لالاومبوي (20 عاماً): «أعرف من (الأنيمي) أن اليابانيين طيبون ومجتهدون ومهذبون، وأريد العمل في بيئة كهذه».
وتخرجت لالاومبوي في المدرسة الثانوية العام الماضي، وتدرس الآن اللغة اليابانية، على أمل الحصول على وظيفة مقدمة رعاية من خلال «شباب من أجل اليابان».
أما جوناثان لالينكاولا (27 عاماً)، فيركز أكثر على وضعه المالي، فقد ترك دراسته الجامعية، ويعمل حالياً كمنسق بدوام جزئي في أحد البنوك في «أيزاول»، ويقول: «أريد الانتقال إلى اليابان لكسب مبلغ كبير من المال، لا يمكنني كسب هذا المبلغ في الهند».
وقبل 10 سنوات، ربما كان طلاب مثل هؤلاء يتطلعون إلى الدول الغربية، مثل كندا أو الولايات المتحدة أو أستراليا، وهي الوجهات التقليدية للمهاجرين الهنود، لكن تلك البلدان بدأت تفقد جاذبيتها، ويشير أحد الطلاب إلى المناخ السياسي العدائي في الولايات المتحدة، ويذكر آخرون الكلفة.
ويقول أحد الطلاب: «كندا باهظة الكلفة، والطقس قاسٍ للغاية، إنها مناسبة للعاملين في مجال تكنولوجيا المعلومات، لكنها ليست مناسبة لأشخاص مثلنا الذين يرغبون في العمل كمقدمي رعاية».
وقد تفتقر مهنة تقديم الرعاية إلى بريق الوظائف المكتبية، لكنها بالنسبة لهؤلاء الطلاب بوابة إلى حياة جديدة، وبالنسبة للبعض هي الخطوة الأولى نحو الحصول على شهادة عامل رعاية معتمد، وهم يدركون أن الصورة التي لديهم عن اليابان قد لا تكون دقيقة تماماً، لكن ذلك لم يثبط رغبتهم في المجازفة.
وفي حين شددت اليابان شروط الحصول على بعض التأشيرات، فقد فتحت مسارات جديدة للعمال في الصناعات التي تواجه نقصاً مزمناً في اليد العاملة.
ويُعد قطاع الرعاية من بين القطاعات التي تعاني هذا الضغط، في الوقت الذي تواجه فيه اليابان شيخوخة سريعة للسكان، وتقلصاً في القوة العاملة، إذ قدّرت وزارة الصحة والعمل والرعاية الاجتماعية أن عدد العاملين في هذا المجال بلغ نحو 2.
15 مليون شخص في عام 2022.
وتتوقع الوزارة أن تحتاج اليابان بحلول عام 2040 إلى ما يقارب 570 ألف عامل رعاية إضافي، وقد أصبح «تحسين بيئة استقبال العمال الأجانب» من الركائز الخمس التي تعتمد عليها الوزارة لسد هذه الفجوة.
وقد أسفر ذلك عن ظهور ما يمكن تسميته «ممر مقدمي الرعاية» بين الهند واليابان، وهو ما يخلق فرصاً جديدة لشباب مثل آموس لالهرويزيلا (23 عاماً)، الذي يدرس اللغة اليابانية في أكاديمية «شباب من أجل اليابان» في «أيزاول».
ويقول لالهرويزيلا بابتسامة: «لدينا حالياً فرصة للذهاب إلى اليابان، لذا فإننا ندرس اللغة اليابانية».
وفي عام 2019، أدخلت اليابان تأشيرة «العامل الماهر محدد المواصفات»، وهو مسار جديد للأجانب للعمل في القطاعات التي تواجه نقصاً في اليد العاملة، بما في ذلك الرعاية التمريضية، والزراعة، والبناء، وخدمات الطعام، والتصنيع.
ويُعد لالهرويزيلا وزملاؤه من بين أحدث الراغبين في الانضمام إلى مسار هجرة، لايزال قيد التطوير بين الهند واليابان.
يتألف نظام «العامل الماهر محدد المواصفات» من مستويين، المستوى الأول، الذي يسمح للعمال ذوي المهارات الأساسية والكفاءة في اللغة اليابانية بالبقاء لمدة تصل إلى خمس سنوات، والمستوى الثاني، الذي يتطلب مهارات أكثر تقدماً وكفاءة في اللغة اليابانية، ويسمح بتجديد الإقامة لعدد غير محدود من المرات، كما يسمح لحاملي هذه الإقامة بإحضار أزواجهم وأطفالهم إلى اليابان.
واعتباراً من يونيو 2025، كان أكثر من 333 ألف عامل أجنبي يحملون وضع المستوى الأول، بينما ظل 449 ألفاً آخرون في «برنامج التدريب الفني للمتدربين» القديم، الذي من المقرر أن يحل محله في عام 2027 وضع إقامة جديد قائم على التدريب، يُعرف باسم «التوظيف من أجل تنمية المهارات».
وتخلق شيخوخة السكان في اليابان فرصاً جديدة لمقدمي الرعاية الأجانب في الوقت الذي تكافح فيه البلاد لتلبية الطلب المتزايد.
وبالنسبة للمواطنين الهنود، تظل الأعداد قليلة، وحتى يونيو 2025، كان 578 هندياً يحملون وضع الإقامة من النوع الأول (نحو 0.
17% من الإجمالي)، في حين لم ينتقل سوى اثنين إلى المستوى الثاني، من بين أكثر من 3000 حامل تأشيرة.
وفي إطار وضع الإقامة المنفصل المخصص لـ«الرعاية التمريضية»، وهي تأشيرة طويلة الأجل تتطلب شهادة وطنية لمقدمي الرعاية، لم يكن هناك سوى 43 هندياً من بين 13 ألفاً و500 حامل لهذا الوضع، وفي الوقت الحالي، لايزال «ممر مقدمي الرعاية» في مراحله الأولى.
يتألف شمال شرق الهند من ثماني ولايات، تقع بين بنغلاديش وميانمار والصين، وبسكان يبلغ عددهم 45 مليون نسمة، وأكثر من 200 مجموعة عرقية، لكل منها لغتها أو لهجتها الخاصة وهويتها الثقافية المتميزة، فإن هذه المنطقة لا يعرف عنها، حتى معظم الهنود في بقية أنحاء البلاد، سوى القليل.
كما يتمتع الكثيرون في شمال شرق الهند بملامح «وجوه» شبيهة بملامح سكان شرق آسيا، ويتوجه الشباب من هذه المنطقة بشكل روتيني إلى أجزاء أخرى من الهند، بحثاً عن التعليم والوظائف، حيث يواجهون في كثير من الأحيان التمييز، فيتعرضون للسخرية بسبب ملامحهم، ويُعاملون كأجانب في بلدهم.
أما في اليابان، حيث لا يشعر المرضى المسنون دائماً بالراحة مع مقدمي الرعاية غير اليابانيين، فقد أصبحت هذه الملامح شيئاً مميزاً.
اليابان شددت شروط الحصول على بعض التأشيرات، وفتحت مسارات جديدة للعمال في الصناعات التي تواجه نقصاً في اليد العاملة، ويُعد قطاع الرعاية من بين القطاعات التي تعاني هذا الضغط.
لم يغادر معظم طلاب «جاسيكس» الهند من قبل، واليابان التي يعرفونها تشكّلت إلى حد كبير من خلال ما يشاهدونه على الشاشات في الأنيمي و«اليوتيوب» ووسائل التواصل الاجتماعي.
يقول مؤسس شركة «جاسيكس»، راجيف غوبتا: «اليابانيون يحبون شمال شرق الهند»، ومنذ ما يقرب من عقد من الزمان، تعمل مؤسسته على تدريب الشباب الهنود على الأعمال التي تتطلب مهارات في اليابان، ويضيف غوبتا: «هناك تقارب وأوجه تشابه في ملامح الوجه وعادات غذائية مشتركة».
ويقدم شيمبي أوشيدا، الذي يترأس قسم استقدام العمال المهرة بمواصفات محددة، بشركة «زينكين»، في طوكيو، والتي تعمل على توظيف العمال الأجانب في اليابان، ملاحظة مماثلة من الجانب الياباني، ويقول: «لقد رأينا مرشحين واعدين من الولايات الشمالية الشرقية، بسبب أوجه التشابه في عاداتهم الغذائية وإتقانهم اللغة الإنجليزية».
اللغة اليابانية.
بداية صعبةطلاب هنود وصلوا حديثاًً إلى اليابان.
من المصدروصل كل من جانيت مالساومتلوانجي وتادو زالاومبيا إلى اليابان في عام 2017، بتأشيرات دراسية، ودرسا للحصول على شهادة الرعاية، وعلى مدار السنوات عملا في وظائف بدوام جزئي بمتاجر صغيرة ومزارع ومطاعم، كما اضطرا إلى اجتياز امتحانات اللغة اليابانية وامتحانات الشهادة الوطنية قبل أن يصبحا مؤهلين للعمل كمقدمي رعاية.
وبعد حصولهما على التأهيل، يقول كلاهما إن السنوات الأولى من العمل في مجال الرعاية كانت صعبة، وتتذكر مالساومتلوانجي، قائلة: «كان ظهري يؤلمني كثيراً، وفي البداية كنت أشعر بالوحدة».
وتصادمت خطة زالاومبيا لكسب المال والعودة إلى الهند سريعاً، مع واقع الضرائب وتكاليف المعيشة في اليابان، إذ يقول: «كنت أرغب في ادخار 200 ألف ين كل شهر، لكن هذا مستحيل»، مضيفاً أنه حتى الآن، وبعد سنوات من العمل في هذا المجال، لايزال يدخر مبلغاً أقل بكثير من ذلك.
ويبدأ الضغط للتواصل باللغة اليابانية فوراً تقريباً، ويُطلب من مقدمي الرعاية اجتياز المستوى الرابع من «اختبار إتقان اللغة اليابانية» أو ما يعادله من «اختبار مؤسسة اليابان للغة اليابانية الأساسية»، وهو شرط للحصول على تأشيرة «العامل الماهر محدد المواصفات».
لكن استخدام اللغة اليابانية في مكان العمل يتطلب معرفة باللهجات والتعبيرات العامية والأشكال القديمة للغة التي يشيع استخدامها بين كبار السن.
ويقول أحد مقدمي الرعاية، الذي طلب عدم الكشف عن هويته خوفاً من رد الفعل: «قد يؤدي القليل من الصبر من جانب رؤسائنا إلى تسريع عملية تعلمنا للغة بالفعل»، ويتابع: «بدلاً من ذلك، فإن التذمر المستمر بشأن مهاراتنا اللغوية لا يؤدي إلا إلى زيادة صعوبة العمل وإثارة توترنا».
الشباب من شمال شرق الهند أصبح مصدراًً متزايد الأهمية لقطاع الرعاية في اليابان.
من المصدربرزت ولاية «ميزورام» كواحدة من أولى المصادر التي أرسلت مقدمي الرعاية إلى اليابان، وبدأ تدفق العمال بشكل جدي، في الخامس من يناير 2017، عندما استقل 16 شاباً من هذه الولاية، ذات الأغلبية المسيحية، رحلة جوية متجهة إلى اليابان، وبعد يومين تبعهم 16 آخرون.
وكانت جانيت مالساومتلوانجي وتادو زالاومبيا، البالغان الآن 32 و38 عاماً على التوالي، من بين هؤلاء الرواد، وتقول مالساومتلوانجي: «ليس لدينا نظام لرعاية المسنين في ميزورام، وكنت أرغب في تعلّمه، وربما نقل هذه التجربة إلى ولايتنا»، وفي اليابان، يساعد مقدمو الرعاية، المعروفون باسم «كايغوشي»، كبار السن وذوي الإعاقة في مختلف جوانب حياتهم اليومية.
نشأت مالساومتلوانجي، وهي معلمة سابقة، وهي تستمع إلى قصص عن اليابان يرويها جدها، الذي كان يعمل معلماً أيضاً، ما عزز اهتمامها بهذا البلد منذ الصغر.
أما زالاومبيا فكان يعمل أيضاً في مجال التدريس عندما شاهد إعلاناً عام 2015 عن فرصة للعمل في اليابان مقدماً للرعاية، وكان يحمل شهادة في علوم الحاسب، لكنه لم يتمكن من العثور على وظيفة ذات راتب مجزٍ في الهند، ويقول: «في النهاية، أردت السفر إلى اليابان لإعالة أسرتي».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك