لم يعد السؤال عن مستقبل الموارد البشرية سؤالاً نظرياً أو ترفياً، فحين تعلن شركة عالمية مثل Bolt إلغاء قسم الموارد البشرية بالكامل، يصبح من الواضح أن شيئاً كبيراً يتغيّر في عالم العمل، فذلك الزمن الذي كانت فيه إدارة الموارد البشرية تتحكم في مصير الموظف من خلف الأبواب المغلقة يبدو أنه يقترب من نهايته، ترقية تُمنح لأن المدير «مرتاح لك»، تقييم يتأثر بمزاج شخصي، أو قرار نقل يُتخذ لأن أحدهم «سمع عنك شيئاً»، تلك الحقبة كانت تُدار بالمشاعر والانطباعات أكثر مما تُدار بالمعايير.
اليوم يدخل الذكاء الاصطناعي إلى المكتب ليس كأداة مساعدة، بل كسلطة جديدة، نعم سلطة خوارزمية لا تعرف المجاملة، ولا تتأثر بالانطباعات، ولا تنتظر نهاية العام لتقييمك، تقرأ بياناتك، تحلل إنتاجيتك، تقارن أداءك، وتقدّم توصياتها ببرود رياضي لا يعرف التحيّز، ما كان يُنجز في أسبوع اجتماعات، ينجزه النظام في دقائق، وما كان يُكتب تحت تأثير ضغوط أو انزعاج، يتحول إلى تقييم يومي دقيق لا يعرف المزاج.
المشكلة الأزلية في الموارد البشرية كانت دائماً هي البشر، كم موظف كفؤ توقّف عند باب الترقية لأنه لم ينسجم مع مديره؟ وكم تقييم سنوي كُتب في لحظة غضب؟ الذكاء الاصطناعي يمسح هذه الفوضى من المعادلة، حياد كامل، سرعة مذهلة، مراقبة مستمرة، وأخطاء تكاد تكون صفراً، الموظف يدخل اليوم إلى منصة داخلية فيجد إجابات أسرع من موظف الموارد البشرية، ومساراً وظيفياً واضحاً مبنياً على ما يفعله فعلاً، لا على ما يُقال عنه.
أخيراً الذكاء الاصطناعي ليس مديراً جباراً متغطرساً متقوقعاً، بل يكتشف إرهاقك قبل أن تشعر به، يقترح تخفيف ضغطك، ويتنبأ بمهارات ستحتاجها بعد أشهر فيسجّلك في دورة تدريبية قبل أن تطلبها، بيئة عمل بلا ضوضاء، بلا رسائل غاضبة، بلا انتظار، عدالة تُقاس بالأرقام، الذكاء الاصطناعي لن يُلغِ الإنسان، بل سيلغي المزاج، سيعيد تعريف العدالة في بيئة العمل، وفتح الباب لعصر تُدار فيه الموارد البشرية بموضوعية غير مسبوقة، لم يعد السؤال: هل نستغني عن قسم الموارد البشرية؟ بل: هل نحن مستعدون أن يكون مديرنا الجديد خوارزمية؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك