في قاعة «إنجاز البحرين» التي اختيرت بتوفيق كبير لاستضافة الحدث، قدم سعادة الدكتور علي بن محمد الرميحي رئيس مجلس أمناء معهد البحرين للتنمية السياسية محاضرة شبابية استثنائية بعنوان «الدولة الوطنية في عصر الإعلام الجديد: الأمن والوعي.
الهوية والانتماء».
محاضرة لم تكن تقليدية، بل كانت حواراً عقلياً وفكرياً مع جيل الشباب بلغة العصر وأدواته.
وفق أسلوب يخاطب العقل، وطرح يلامس الواقع، أجاد الدكتور علي الرميحي في قدرته على تحويل المفاهيم الكبيرة إلى نقاش حي قريب من هموم الشباب.
لم يقدم نظريات جامدة، بل فتح مساحة للتفكير والنقد والبناء.
أسلوبه الاحترافي الممزوج بالبساطة والأمثلة الواقعية جعل القاعة تتفاعل من الدقيقة الأولى.
خاطب عقول الحضور لا عواطفهم فقط، واحترم ذكاءهم بتقديم معادلات واضحة: كيف نصنع الوعي؟ وكيف نحميه؟ محاور رسمت خارطة طريق للوعي الوطني، وتناولت المحاضرة مجموعة محاور جوهرية تمس أمننا المجتمعي مباشرة.
أولاً: الوعي السياسي والهوية والثقة، حيث أكد د.
الرميحي أن الوعي السياسي هو صمام أمان الدولة الوطنية، إذ لا يمكن بناء ولاء حقيقي من دون فهم، ولا يمكن ترسيخ هوية من دون معرفة بتاريخنا وإنجازاتنا، وأن الثقة بمؤسسات الدولة لا تُمنح، بل تُكتسب بالشفافية والإنجاز والتواصل.
ثانياً: الاستقرار ومواجهة الشائعات في زمن أصبحت فيه الشائعة تنتشر أسرع من الحقيقة، قدم د.
الرميحي قاعدة ذهبية: «كل خبر غير صحيح حتى يثبت صحته».
دعوة الى التمهل والتثبت قبل النشر والمشاركة، وربط بين الاستقرار وتعزيز المشاركة المجتمعية، فالمواطن الشريك هو خط الدفاع الأول عن وطنه.
ثالثاً: الفرق بين الوعي والتسييس، حيث وقف د.
الرميحي عند نقطة مفصلية، مفادها أن الوعي هو أن تفهم فتختار، أما التسييس فهو أن تُلّقن فتُنفذ.
وكانت من أبرز المقولات التي تفاعل معها الشباب: «الوعي يُبنى ولا يُفرض» لأنها تلخص الفرق بين التربية الوطنية والتلقين.
رابعاً: أدوات صناعة الوعي اليوم هي الإعلام الرسمي، المؤسسات التعليمية، المؤثرون، والأسرة.
وفي المقابل حذر من تحديات ضخمة تتمثل في غرف الأخبار المزيفة، والحملات الممنهجة، ومحاولات ضرب عناصر الهوية الوطنية من لغة وتاريخ وقيم.
خامساً: الأمن الفكري وعناصر الهوية، حيث إن المعركة اليوم هي معركة «أمن فكري» قبل أن تكون أمنية.
والهوية ليست شعاراً، بل هي تراكم من الدين، واللغة، والتاريخ، والانتماء للأرض.
وختم د.
الرميحي المحاضرة بتأكيد راسخ أن مملكة البحرين بقيادتها الحكيمة وشعبها المخلص عصية طوال التاريخ على كل المحاولات التي تستهدف نسيجها ووحدتها، بفضل وعي أبنائها وتمسكهم بقيادتهم.
ولا يمكن الحديث عن هذه المحاضرة الاستثنائية من دون الإشادة بجهود معهد البحرين للتنمية السياسية، هذا الصرح الوطني الذي أثبت أنه مصنع للوعي وبناء الكوادر.
فالشكر واجب لمجلس الأمناء، وللإدارة التنفيذية على اختيار الموضوعات ذات الأولوية، وعلى التنظيم الاحترافي الذي يليق باسم المعهد.
واختيار قاعة ((إنجاز البحرين)) لم يكن صدفة.
الاسم والمكان والرسالة اجتمعت لتعكس أن إنجاز الوطن الحقيقي يبدأ بإنجاز الإنسان الواعي المنتمي.
وقد خرج الحضور من المحاضرة وهم يحملون أكثر من معلومات.
خرجوا بمهارات عملية، وأدوات للفرز، للتحليل، للمساءلة، وللانتماء الواعي.
في عصر يضج بالضجيج الإعلامي، نحتاج الى مثل هذه المحاضرات التي تعيد البوصلة إلى مكانها: وطن، وهوية، ووعي مسؤول.
إقرأ أيضا لـ" محميد المحميد".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك