رغم دخول فصل الصيف، تبدو أوروبا أمام اختبار مبكر في الاستعداد لموسم الشتاء، بعدما أظهرت بيانات حديثة تباطؤ وتيرة ملء مرافق تخزين الغاز مقارنة بالسنوات السابقة، في وقت تتزايد فيه المنافسة مع آسيا على شحنات الغاز الطبيعي المسال، وتستمر الضبابية حول بعض مصادر الإمداد، ولا سيما من الشرق الأوسط والنرويج.
وتشير تقديرات وكالة التعاون بين منظمي الطاقة في الاتحاد الأوروبي" ACER" إلى أن مخزونات الغاز الأوروبية كانت عند نحو 28% فقط في بداية موسم الحقن في الأول من أبريل/نيسان، وهو أدنى مستوى في 4 سنوات، قبل أن ترتفع لاحقا إلى مستويات تدور حول نصف الطاقة التخزينية، لكنها لا تزال دون متوسط السنوات السابقة ودون وتيرة الملء التي شهدتها القارة بعد أزمة الطاقة في 2022.
list 1 of 3سوناطراك تسلم أول شحنة غاز طبيعي مسال إلى ألمانياlist 2 of 3الغاز الأوروبي يقفز مع تجدد توترات هرمزlist 3 of 3بين فكي هرمز وحظر الغاز الروسي.
شتاء أوروبا في مأزق" الخيارات المرة"وتفرض قواعد الاتحاد الأوروبي على الدول الأعضاء بلوغ مستوى تخزين يبلغ 90% بحلول الأول من نوفمبر/تشرين الثاني، غير أن المفوضية الأوروبية أبدت مرونة أكبر هذا العام، بما يسمح عمليا بمستويات أدنى في بعض الحالات، قد تصل إلى 80% أو حتى 70%، لتجنب الشراء القسري بأسعار مرتفعة.
وتقدر وكالة التعاون بين منظمي الطاقة في الاتحاد الأوروبي أن تحقيق هدف 90% يتطلب زيادة واردات الغاز المسال بنحو 13% مقارنة بمستويات 2025.
السؤال المركزي اليوم، هو ما إذا كانت أوروبا مقبلة على شتاء شبيه بذلك الذي أعقب الحرب الروسية الأوكرانية، غير أن خبراء الطاقة يميلون إلى استبعاد تكرار السيناريو نفسه، وإن كانوا لا ينفون وجود مخاطر سعرية وصناعية واضحة.
وتقول خبيرة شؤون الطاقة لوري هايتايان خلال حديثها للجزيرة نت، إن المقارنة مع أزمة 2022 ليست دقيقة، لأن روسيا كانت توفر قبل الحرب نحو 43% من احتياجات أوروبا من الغاز عبر الأنابيب، بينما لا تتجاوز حصة الغاز القطري والعربي حاليا نحو 8% من واردات أوروبا، وترى أن ما تواجهه القارة اليوم ليس أزمة وجودية كما حدث بعد وقف الإمدادات الروسية، بل حالة ترقب وضغط على التخزين والأسعار.
ويذهب أستاذ الاقتصاد والعلاقات الدولية كميل الساري في حديثه للجزيرة نت، إلى الاتجاه نفسه، معتبرا أن أوروبا تعرضت في 2022 لصدمة مفاجئة من دون بدائل كافية، بينما باتت اليوم أكثر استعدادا، بعدما نوعت مصادرها بين الغاز الأمريكي والنرويجي والجزائري، ورفعت بعض الدول، مثل فرنسا، اعتمادها على الطاقة النووية، مشيرا إلى أن الشتاء المقبل سيكون مريحا.
فالمشكلة لا تكمن فقط في توافر الغاز، بل في سعره وتوقيت وصوله وحجم المنافسة عليه.
تظهر تقديرات مؤسسة أرغوس (Argus) أن أوروبا تحتاج إلى تسريع وتيرة إعادة ملء مخازنها بصورة كبيرة، إذ يتعين عليها ضخ نحو 3.
79 تيراواط/ساعة يوميا حتى تبلغ نسبة التخزين 80% مع بداية أكتوبر/تشرين الأول، في حين لم يتجاوز متوسط وتيرة الحقن خلال الفترة نفسها في السنوات الخمس الماضية 2.
9 تيراواط/ساعة يوميا، ما يعكس حجم التحدي الذي تواجهه القارة قبل حلول الشتاء.
ويترقب المتعاملون إمدادات النرويج التي تعد أكبر مصدر للغاز عبر الأنابيب إلى أوروبا، ووفقا لمؤسسة أرغوس، من المتوقع أن تؤدي أعمال الصيانة المقررة في سبتمبر/أيلول إلى خفض الطاقة الإنتاجية بنحو 71 مليون متر مكعب يوميا، مقابل خفض فعلي وصل إلى 187 مليون متر مكعب يوميا خلال الفترة نفسها من العام الماضي، وهو ما يجعل أي تأخير أو توسع في أعمال الصيانة عاملا قد يزيد الضغوط على وتيرة إعادة ملء المخزونات الأوروبية.
غير أن السوق العالمية لا تتحرك لمصلحة أوروبا بالكامل.
فارتفاع الطلب في الصين والهند وجنوب آسيا يدفع شحنات الغاز المسال إلى التوجه نحو الأسواق القادرة على دفع أسعار أعلى، خصوصا مع تقارب أسعار الغاز في أوروبا وآسيا.
ويرى الباحث الاقتصادي المتخصص في شؤون الطاقة عامر الشوبكي في حديثه للجزيرة نت، أن استهداف ناقلات الغاز وارتفاع مخاطر الشحن والتأمين في محيط مضيق هرمز لا يضرب قطر وحدها، بل يضغط على توازن عالمي كامل بين المنتجين والمستهلكين، ويوضح أن أسعار الغاز الأوروبية تحركت في نطاق قريب من 50 يورو (54 دولارا) لكل ميغاواط/ساعة، بما يعادل نحو 15 إلى 17 دولارا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، وهو مستوى قريب من الأسعار الآسيوية الفورية.
وحسب الشوبكي، فإن هذا التقارب يعني أن أوروبا وآسيا باتتا تتنافسان تقريبا على الغاز في نطاق سعري واحد، بما يجعل الدول الأضعف ماليا، خصوصا في جنوب آسيا، أكثر عرضة للحصول على كميات أقل أو بأسعار أعلى.
ووفق بيانات شركة كابلر، استحوذ المشترون الآسيويون خلال مايو/أيار ويونيو/حزيران على أكبر أحجام من شحنات الغاز المسال القادمة من حوض الأطلسي، وفي المقابل، انخفضت واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز الطبيعي المسال بنحو 2.
37 مليون طن مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
وارتفعت شحنات الغاز الطبيعي المسال الأمريكية إلى آسيا في يونيو/حزيران إلى 3.
25 ملايين طن متري، أي نحو 31% من إجمالي صادرات الولايات المتحدة، بينما تراجعت الشحنات إلى أوروبا إلى 4.
41 ملايين طن (42% من الصادرات) مقابل 5.
13 ملايين طن في مايو/أيار.
ينعكس تباطؤ التخزين على أسعار الغاز أولا، ثم على الكهرباء والصناعة والتضخم، فموجات الحر في أوروبا ترفع الطلب على الكهرباء لأغراض التبريد، وتدفع محطات الغاز إلى زيادة الإنتاج، في وقت تحتاج فيه القارة إلى تخزين أكبر لا إلى استهلاك إضافي.
وتوضح هايتايان أن موجات الحر أصبحت أطول وأكثر تكرارا في أوروبا، ما يزيد الطلب على الكهرباء، حتى في دول لا ينتشر فيها التكييف على نطاق واسع كما في مناطق أخرى.
وإذا تزامن هذا الطلب المرتفع مع مخزونات دون المستويات المطلوبة، فقد يؤدي ذلك إلى ارتفاع أسعار الكهرباء.
وتعد الصناعات الثقيلة الأكثر تعرضا، وفي مقدمتها الأسمدة والزجاج والمعادن والكيماويات، لأنها تعتمد بكثافة على الغاز سواء كمصدر للطاقة أو كمدخل إنتاج.
وتشير هايتايان إلى أن أي نقص في الغاز أو ارتفاع كبير في أسعاره سيضغط على هذه القطاعات، ويزيد كلفة الإنتاج، وقد ينعكس لاحقا على أسعار السلع النهائية.
أما الساري فيرى أن الأسمدة تأتي في صدارة القطاعات الحساسة، لأن الغاز يلعب دورا محوريا في إنتاجها، كما أن أوروبا تعتمد جزئيا على واردات من الشرق الأوسط في مواد صناعية وبتروكيماوية ومعادن مرتبطة بسلاسل الطاقة.
لكنه يؤكد أن القارة لم تصل حتى الآن إلى مرحلة إغلاق واسع للمصانع، وأن العامل الحاسم سيظل مدة الاضطراب في الإمدادات وحركة الشحن.
ويمثل ارتفاع أسعار الطاقة تحديا إضافيا للبنك المركزي الأوروبي.
فإذا صعدت أسعار الغاز والكهرباء، فقد ينعكس ذلك على التضخم، في وقت تسعى فيه أوروبا إلى دعم النمو وتخفيف أثر كلفة التمويل على الصناعة.
ويرى الشوبكي أن الغاز أكثر عمقا في أثره الاقتصادي من النفط، لأن تأثيره لا يظهر فقط في سعر الوقود، بل يمتد إلى الكهرباء والأسمدة والبتروكيماويات والوظائف والتضخم.
لذلك فإن أي خلل في أمن الغاز قد يتحول إلى موجة جديدة من قلق الطاقة.
وتقول هايتايان إن ارتفاع أسعار الطاقة قد يخلق مشكلة جديدة للبنك المركزي الأوروبي، لأنه يعيد الضغط التضخمي في وقت تحتاج فيه الاقتصادات الأوروبية إلى استقرار الأسعار وتخفيف أعباء الصناعة.
تبقى قطر لاعبا مركزيا في سوق الغاز المسال العالمية، وركيزة مهمة لأمن الطاقة في أوروبا وآسيا، حيث شكل نحو 8% من إجمالي واردات الاتحاد الأوروبي في عام 2025.
وتبدو آسيا أكثر حساسية لأي اضطراب في الغاز القطري مقارنة بأوروبا، إذ ترتبط دول آسيوية بعقود طويلة الأجل مع الدوحة، ففي الهند وحدها وفرت قطر نحو 41.
4% من واردات الغاز المسال في عامي 2024-2025، بينما تغطي عقودها مع بنغلاديش نحو 4.
3 ملايين طن سنويا من أصل واردات تقارب 7 ملايين طن، ما يفسر سرعة انعكاس أي اضطراب في الإمدادات القطرية على المنافسة بين أوروبا وآسيا على الشحنات الفورية.
وتتوقع هايتايان أن يكون المستفيد الأكبر من ارتفاع الطلب الأوروبي على الغاز في الأجل القصير هو الإمدادات البعيدة عن مخاطر مضيق هرمز، وفي مقدمتها الغاز الطبيعي المسال الأمريكي، بينما تستطيع الجزائر تلبية جزء من هذا الطلب، لكن ضمن حدود تفرضها طاقتها الإنتاجية والتصديرية واحتياجاتها المحلية.
ورغم موقع الجزائر القريب من أوروبا وامتلاكها خطوط أنابيب نحو إيطاليا وإسبانيا، فإن قدرتها على زيادة الصادرات ليست مفتوحة.
فالاستهلاك المحلي يرتفع، والإنتاج لا يمكن زيادته بقرار سريع، كما أن الطلب الداخلي في الصيف يضغط على الإمدادات المتاحة للتصدير.
ويشير الساري إلى أن الجزائر تواجه تحديا مزدوجا يتمثل في طلب أوروبي قوي على غازها من جهة، واستهلاك داخلي متزايد من جهة أخرى، بما يحد من قدرتها على التحول إلى بديل كامل وسريع لتعويض نقص الإمدادات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك