جمع المؤتمر الدولي الأول للإمام البخاري علماء وباحثين من مختلف أنحاء العالم، والمؤتمر يعقد بمناسبة المنتدى الدولي للحضارة الإسلامية في طشقند الذى عقد يومى ٧-٨ يوليو.
وفي سمرقند مقر المؤتمر الذي يحمل عنوان: الجامع المسند الصحيح للإمام البخاري- كتاب أمة، تتجه الأنظار إلى إرث أحد أبرز أعلام الحضارة الإسلامية، الإمام محمد بن إسماعيل البخاري، الذي تجاوزت مكانته حدود الزمان والمكان، ليصبح رمزا للمنهج العلمي القائم على الدقة والأمانة والتحري.
ويكتسب انعقاد المؤتمر في أوزبكستان دلالة خاصة، إذ تحتضن هذه الأرض التي أنجبت الإمام البخاري عددا من أبرز علماء الحضارة الإسلامية، لتؤكد أن الإرث العلمي لا يزال حاضرا في وجدان الأمة، وأن رسالة الإمام، القائمة على البحث الدقيق وخدمة المعرفة، ما زالت تلهم الأجيال وتفتح آفاقا جديدة للتعاون الفكري والثقافي.
وافتتح الجلسة الخاصة بالمعايير العلمية وطرق التحقق من صحة وتصنيف صحيح البخاري الدكتور نظير عياد مفتي الجمهورية الذي قال إنه ليس من قبيل المصادفة أن ينعقد هذا المؤتمر الدولي في أرض الإمام البخاري، ؛ فإن الاجتماع على دراسة تراثه في موطنه يحمل دلالة علم وحضارية بالغة، ويعبّر عن وفاء للأئمّة الذين أفنوا أعمارهم في خدمة السّنّة النبويّة.
كما يؤكّد أنّ صحيح الإمام البخاريّ لم يعد كتابا تتدارسه الأمّة في مجالس العلم فحسب، بل أصبح تراثًا إنسانيًّا ومنهجًا معرفيًّا يستدعى في كلّ عصر؛ لاستلهام قيم التثبيت، والتوثيق، والانضباط العلميّ، في مواجهة ما تشهده الساحة الفكريّة من اضطراب في معايير نقل المعرفة وتقويمها.
وأضاف فضيلة المفتي، لقد خضعت السّنّة النبويّة لأعلى درجات التحقق، والتثبّت، والمراجعة، والتدقيق، والتمحيص، وبذل علماء الحديث في سبيل الحفاظ عليها جهدًاكبيرًا، وعنوا بها عنايةً فائقةً.
لقد كان من أجلّ علماء الحديث ونقّاد الأثرالذين وقفوا أعمارهم على خدمة السّنّة النبويّة جمعًا، وتمحيصًا، وتصنيفًا: الإمام الكبير أبو عبد لله محمد بن إسماعيل البخاريّ (المتوفّى سنة 256هـ).
وقد تمكّن الإمام البخاريّ، من خلال الرحلات العلمية، واللقاءات المتنوّعة مع الشيوخ وحفّاظ السّنّةالنبويّة، من جمع ما يزيد على ثلاثمائة ألف حديث، مع التنبيه إلى أنّ الحديث الواحد إذا روي بإسنادين عد حديثين، كما نبّه على ذلك الإمام الذهبيّ وغيره.
وتابع: وكتاب «الجامع المسند الصحيح المختصرمن أمور رسول الله صلّى الله عليه وسلم وسننه وأيامه»، قد ظهر فيه نبوغ الإمام البخاريّ وعبقريّته، وذكاؤه الحادّ، وتجلّى فيه حسن تصنيفه، وبرزت منهجيّته الفريدة المتميّزة، ومعرفته بعلوم الحديث، وتقدّمه في ذلك، ولا سيّما معرفته بعلم«علل الحديث»، الذي هو أدقّ علوم الحديث وأصعبها، كما ظهرت معرفته بالفقه من خلال تراجم الأبواب التي ذكرها.
وأضاف: وممّا يجب التنبيه عليه في هذا المقام أنّه، بعدأن أتمّ الإمام البخاريّ تصنيف كتابه، عرضه على علماء عصره، فقبلوه منه، وشكروه عليه، وأقرّوا له بالعلم والفضل، والتقدّم في هذا الشأن، وانتقده بعضهم، ونازعه في تصحيح بعض الأحاديث، سواءمن علماء عصره أم من بعدهم، كالإمام الدارقطنيّ وغيره.
وهذه الانتقادات تدلّ على أنّ الكتاب قد خضع للنظر والمراجعة مرارًا وتكرارًا من علماء الأمّة، وأنّ الحكم على أحاديثه بالصّحّة ليس للبخاريّ وحده، وإنّما هو لعلماء الأمّة جميعًا، منذ تصنيفه وحتىعصرنا، جيلًا بعد جيل.
وأشار إلى أنه لعلّ من أعظم ما امتاز به «الجامع المسندالصحيح» أنّه لم يكن مجرّد كتاب في جمع الحديث، وإنّما كان تجسيدًا عمليًّا لحضارة الإسناد والتوثيق التي تفرّدت بها الأمّة الإسلاميّة؛ إذ لم تقم هذه الحضارة معرفتها على مجرّد نقل الأخبار، وإنّماأقامتها على قواعد دقيقة في التثبّت، والنقد، والموازنة، والتحرير، حتى غدا الإسناد معيارًا للقبول والرد، وأصبح التوثيق منهجًا علميًّا متكاملًا يسبق في كثير من أصوله المناهج الحديثة في التحقّق من الأخبار وتمحيصها.
ومن هنا، فإنّ الاحتفاء بصحيح الإمام البخاريّ ليس احتفاءً بكتاب فحسب، وإنّماهو احتفاء بمنهج علميّ راسخ، وبتراث حضاريّ أسهم في ترسيخ ثقافة التوثيق، وصيانة المعرفة، وحفظ مصادر الشريعة الإسلاميّة عبر القرون.
وأكد الدكتور عياد أن الواجب في عصرنا لا يقتصرعلى الذّبّ عن صحيح الإمام البخاريّ والرّدّ على مايثار حوله من شبهات، وإنّما يمتدّ إلى إبراز المنهج العلمي الذي قام عليه هذا الكتاب العظيم، وتعريف الأجيال به لأنّ الأمم إنّما تصان ذاكرتها العلميّةبحفظ مناهجها قبل حفظ نصوصها.
وأشار إلى أن ما يثار في عصرنا من شبهات ومغالطات حول صحيح الإمام البخاريّ لا ينبغي أن ينظر اليها بوصفها خلافًا علميًّا مجرّدًا؛ إذ إنّ النقد العلميّ المنضبط ظلّ حاضرًا في تراث علماء الحديث، ولم يكن يومًا مرفوضًا، بل كان من أسباب نضج هذاالعلم ورسوخه.
أمّا ما يروّج اليوم من دعاوى تخاصم مناهج المحدّثين، وتتجاوز أصول البحث العلميّ، فإنه يستوجب من علماء الأمّة ومؤسّساتها العلميّة أن يجددوا عرض هذا التّراث بلغة العصر، وأن يبينوا أسسه المنهجيّة، ويكشفوا وجوه الخلل فيما يثارحوله، بالحجّة والبرهان، بعيدًا عن التشنّج أو الاكتفاءبمجرّد التلقّي.
وإذا نظرنا إلى الشّبهات والانتقادات التي توجه اليوم إلى صحيح الإمام البخاريّ، وجدنا أنّها ليست موجّهةً إلى صحيح البخاريّ بوصفه كتابًا مؤلّفًا فيجمع السّنّة وتوثيقها، وإنّما توجّه في الأساس اليه لهدم السّنّة النبويّة؛ بهدف نقض حجّيّتها في التشريع الإسلاميّ، معتمدين في ذلك على مناهج غربية خارجة عن قواعد علوم الحديث وضوابطهاالمعتبرة.
وفي إطار ذلك، أثاروا شبهات متنوّعةً حول الإمام البخاريّ، رحمه الله؛ لذلك، كان لزامًا علينا جميعًا – في إطار تفنيد هذه الشّبهات – أن نجلّي خصائص ومميزات أسانيد الإمام البخاريّ، ونبرز عبقريّته في اكتشاف علل الحديث ومعالجتها، ونسلّط الضوء على جميع الجهود المبذولة في خدمة صحيح الإمام البخاريّ؛ دراسةً، ومجالسةً، وسماعًا، ونولي اهتمامًا بمعالجةجميع الإشكالات والانتقادات الموجّهة إليه، بأسلوب علمي رصين يجمع بين الأصالة والمعاصرة.
كما ثمن فضيلة المفتي الجهد العلمي الذي تتبناه المؤسسةالأزهرية، جامعًا وجامعةً، في صيانة التراث الإسلامي، وحراسة مصادره المعتمدة، والذبِّ عن ثوابته، إذ أولت صحيح البخاري عنايةً علميةً بالغة، دراسةً وتحقيقًا وتقويمًا، من خلال تناول قضاياه من زوايا معرفية متعددة، والكشف عن منهجه الدقيق في الرواية والنقد، وبيان مكانته في البناء المعرفي للأمة، مع تفنيد ما يُثار حوله من شبهات أو دعاوى تفتقرإلى المنهجية العلمية، وذلك بمنهج يجمع بين أصالةالتأصيل ورصانة البحث ومقتضيات الخطاب المعاصر.
كما تتكامل هذه الجهود مع الرسالة العلميةالتي تضطلع بها دار الإفتاء المصرية، عبر مراكزهاووحداتها البحثية المتخصصة، في تصحيح المفاهيم، وتحرير المصطلحات، ونقد التأويلات المنحرفة، ومواجهة الحملات الفكرية التي تستهدف الإسلام ورموزه، وذلك من خلال إنتاج خطاب علمي رصين يستند إلى الدليل، ويراعي الواقع، ويكشف مواطن الخلل في التصورات المغلوطة، سواء تعلقت بالعقيدة، أو الشريعة، أو الحضارة الإسلامية وأعلامها، بما يعزز الأمن الفكري، ويحصن الوعى العام، ويرسخ الثقة بالمرجعية العلمية الرصينة في مواجهة دعاوى التشكيك والتزييف.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك