تحويل معاناة المدنيين إلى معادلة سياسية للدفاع عنهم هي قضية وطنية وأخلاقية وإنسانية بكامل المقاييس، غير أن استغلال معاناتهم والعمل على إطالتها هو فعل ينتمي الى عالم الجريمة، لأنه يجعل من البشر كائنات مدارية، وسلّة غذائية بين الاستثمار البيئي وإعادة التدوير وفق مقتضيات المجهود السياسي المراد الوصول إليه،فهو نموذج عرفته البشرية عبر النظم الاستبدادية التي وضعت شعوبها على صدر التهلكة أمداً على قدر ما تستأثر في سدة القيادة.
فالكائنات البشرية تصبح حجارة ترفع أسوار السلطة، ومعنية وجوباً بالذود عنها حتى الرمق الأخير ولو أدى ذلك لامتناع الناس عن الماء والهواء ومقتضيات البقاء، بالتالي هما مسألتان (الدولة والشعب) أو (خلاصة الشعب للدولة) والأخيرة هي التطابق في الموروث بين جماعات الإسلام السياسي وما استنسخوه عن الطغاة قبلهم ولا يرون من دون ذلك بُداًّ.
قطاع غزّة يمتلك كل أثقال المعاناة والألم، لكن توصيف ذلك بالصمود هو الجانب الإشكالي والغريب في المعادلة، فالصمود للمجتمع المدني يكون خلف قوى متشابكة مع الناس عبر روابطهم ومتطلباتهم، ولا يكون صبر الناس فيه من متممات القهر، على غير سمات المفاوض الذي يتحدث نيابة عن أهل غزة والذي تتبعه هواتف النشطاء أثناء قيامه بالاستيلاء على طاولات المطاعم الفخمة، بينما في ذات التوقيت تجلس الطفولة والكهولة في غزة على موائد تبرعات" التكيات" وقُضي الأمر على ذلك واستوت سفينة حماس على جراح الناس، ويغزو الموت الصامت ظلال الخيام، ليأكل المباح من ضحايا الجراح ما فوق مئتي ألف مصاب يبحثون عن فاصل زمني قصير يلتقطون فيه طريق التعافي المغلق، ومثلهم من ينهشه المرض الذي يتوالد بين نحول الأجساد، وغيرهم تكسر قلبك رؤية العجز فيهم وهم يبحثون عن أيدي يمسكون بها الأشياء وأرجل يمشون عليها، لكن الحرب أكلت هذه وهذه، ثم يأتي من يصف فواجع الناس بكلمة الصمود، ويعلن انتصاره في ختام مشهد تجيزه الأيديولوجيا وتنكره الشرائع والضمائر.
في غزة لا يقف الشعب خلفك عندما تحتكر الطعام والخيام واضواء الليل وتترك الناس يتحسسون حرارة الرمل صيفاً والغرق شتاءً، لأن الخيام التي دخلت ضمن قوافل المساعدات اختفت فجأة، وأصبحت تباع في الأسواق بكلفة خيالية تعجز عنها الأيادي القصيرة، التي تبحث بين خراب البيوت عن بواقي اقمشة كانت تصنع ثوباً وأصبحت تصنع قطعة من خيمة، فيما أنت الحاكم العاجز تشاهد من يبيع الخيمة وأكياس الطحين والجوع معاً ثم تأخذ حصتك منه وتمشي، لأن متطلباتك وجيشك تقتطع هذا الثمن الذي لم تعد قادراً على الحصول عليه، وتفعل تماماً كمن يأخذ من حوصلة الطير الجريح حبات القمح، ولا يترك بداً ولو كان الطير كسير الجناح لا يطير.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك