أعاد مجلس السلام التابع للرئيس الأميركي دونالد ترامب، من خلال عزمه على إطلاق منطقة" إنسانية" تجريبية في جنوب قطاع غزة، للأذهان ما سعى الاحتلال الإسرائيلي لتطبيقه خلال حرب الإبادة على غزة من خلال خطة" الفقاعات الإنسانية".
وطرحت خطة" الفقاعات الإنسانية" خلال الأشهر الأولى للحرب، من قبل وزير الأمن في حينه يوآف غالانت، واستهدفت إقامة مناطق" إنسانية" تجريبية يُنقَل الفلسطينيون إليها، شرط عدم تبعيتهم لحركة حماس أو فصائل المقاومة وبعد فحص أمني دقيق، على أن تقام لهم تجمعات إيواء من دون السماح لهم بالخروج من هذه المناطق.
كيف انطلقت فكرة إنشاء مناطق" إنسانية" تجريبية في غزة؟وجاء الطرح الأخير الذي كشفه مسؤول في مجلس السلام لوكالة فرانس برس، أمس الأربعاء، أن هناك توجهاً نحو إقامة منطقة" إنسانية" تجريبية، تكون بمثابة" نقطة انطلاق" لعمل اللجنة الفلسطينية التكنوقراطية المكلفة إدارة الشؤون اليومية في غزة خلال المرحلة الانتقالية بعد الحرب.
وبحسب المسؤول، يدرس المجلس إقامة المشروع في مدينة رفح جنوبي القطاع، على أن تتولى تأمينه قوة متعددة الجنسيات تابعة لـ" قوة الاستقرار الدولية" (ISF)، ستكون" منطقة عازلة" تفصل بين السكان الفلسطينيين والقوات الإسرائيلية.
ويتزامن الحديث مع هذا الطرح مع استمرار الحراك السياسي المتمثل بالمفاوضات من خلال لقاءات متواصلة تجري بين حركة حماس والوسطاء، حيث وصل وفدها، مساء الأربعاء، استعداداً لاستكمال المفاوضات.
محمد الحاج موسى: جوهر مشروع إقامة مناطق" إنسانية" تجريبية يتمحور حول تقسيم قطاع غزة إلى مناطق معزولةوتأتي هذه الزيارة بعد أيام قليلة من" إعلان دراماتيكي" قامت به الحركة تمثل بإعلان حل لجنة الطوارئ الحكومية، وتقديم رئيسها محمد الفرا استقالته من منصبه، من أجل استكمال خطوات وصول اللجنة الوطنية لإدارة غزة للقطاع.
وخلال حرب الإبادة على القطاع، وبعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار، طُرح عدد من المشاريع تستهدف تهجير الفلسطينيين، سواء عبر الفقاعات الإنسانية، أو أصابع شارون، أو خطة الجنرالات، أو رفح الخضراء.
ورغم إعلان هذه الخطط، إلا أن أياً منها لم يرَ النور، ورفضت عشرات الدول استقبال الفلسطينيين من القطاع، وهو ما أقرّ به جهاز الموساد الإسرائيلي أخيراً، فاتجه نحو تغيير عملية تهجير الفلسطينيين، ليطلق عليها اسم" العبور الحر"، آملاً تعاطياً مختلفاً من قبل الدول في مسألة استقبال الغزيين.
في الأثناء، قال المتحدث باسم حركة الجهاد الإسلامي، محمد الحاج موسى، إن الحركة ترفض طرح مناطق" إنسانية" تجريبية جملةً وتفصيلاً، معتبراً أنه ليس مشروعاً إغاثياً، بل مخطط أمني وسياسي تصفوي، يهدف إلى الالتفاف على ما تم التوافق عليه، وفرض وصاية أجنبية.
وأضاف الحاج موسى في حديثٍ لـ" العربي الجديد"، أن جوهر مشروع إقامة مناطق" إنسانية" تجريبية يتمحور حول تقسيم قطاع غزة إلى مناطق معزولة، تخضع لآليات ضبط إلكتروني و" تدقيق أمني"، بما يحوّل المناطق السكنية إلى مربعات أمنية مغلقة تخضع لسيطرة كاملة من الخارج والداخل.
وأوضح الحاج موسى أن المشروع يستهدف تحويل الفلسطينيين إلى" عمال وأجراء في أرضهم" لخدمة مشاريع اقتصادية يخطط لها الرئيس الأميركي دونالد ترامب وأعضاء ما يُسمى بـ" مجلس السلام"، مبيناً أن مشروع إقامة مناطق" إنسانية" تجريبية من شأنه تكريس المزيد من التمزيق الجغرافي داخل القطاع، عبر الإبقاء على مساحات واسعة خارجه في أوضاع إنسانية متدهورة، يحرم فيها السكان احتياجاتهم الأساسية.
واعتبر الحاج موسى أن ما يُطرح" ليس خطة لإعادة إعمار قطاع غزة، بل هندسة تخدم الاحتلال وأهدافه على حساب الشعب الفلسطيني"، مشيراً إلى أن هذا الطرح يمثل استنساخاً وتطبيقاً حرفياً لنموذج الفقاعات الإنسانية، ويهدف إلى تحويل القطاع إلى جزر معزولة، وفرز السكان وإخضاعهم لتدقيق أمني.
وفي ما يتعلق بتداعيات المشروع على مسار المفاوضات، رأى الحاج موسى أنه يشكل محاولة واضحة لعرقلة جهود التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، مؤكداً أن المقاومة تتعامل مع المفاوضات بـ" إيجابية ومرونة عالية" من أجل حقن الدماء وإنجاح الاتفاق، فيما يواصل الاحتلال التهرب من تنفيذ التزاماته.
من جهته، قال عضو اللجنة المركزية للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين محمد الغول، إن الطرح المتعلق بإقامة مناطق" إنسانية" تجريبية في قطاع غزة، يمثل" مخططاً مشبوهاً" يخدم بالدرجة الأولى الرؤية الإسرائيلية، ويستهدف تكريس سياسة عزل الفلسطينيين داخل كانتونات ومناطق جغرافية مغلقة تحت غطاء إنساني.
وأضاف الغول في حديثٍ لـ" العربي الجديد"، أن هذه المناطق ليست إنسانية بأي حال، بل هي معازل أمنية تتناقض مع أبسط القيم والمبادئ الإنسانية، وتعكس حالة من التماهي مع الطرح الإسرائيلي على حساب الحقوق الوطنية الفلسطينية.
ودعا الوسطاء وجميع الأطراف المعنية إلى التدخل العاجل لضمان دخول لجنة التكنوقراط لممارسة مهامها في جميع مناطق قطاع غزة، والإسراع في تنفيذ البروتوكول الإنساني المنصوص عليه في المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، بما يضمن إدخال المساعدات وتخفيف معاناة السكان.
وطالب الغول مجلس السلام بالتراجع عن سياسة الانحياز للرؤية الإسرائيلية، والانحياز بدلاً من ذلك إلى الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ووقف أي خطوات من شأنها تكريس واقع التقسيم والعزل داخل قطاع غزة.
إياد القرا: أي ترتيبات من قبيل نشر قوات استقرار دولية أو تشكيل هياكل إدارية جديدة، لن يكون لها أي أفق عملي ما لم تستند إلى اتفاق سياسي واضحورفض ممثلون عن حركة حماس وقياديون فيها التعليق لـ" العربي الجديد" على الاستفسارات المتعلقة بمخطط مجلس السلام الحالي بشأن إقامة مناطق" إنسانية" تجريبية جنوبي قطاع غزة، فيما اكتفى أحد الشخصيات بالإشارة إلى وجود وفد من الحركة في القاهرة لبحث الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق وتنفيذ المرحلة الأولى.
ضغط سياسي لا خطط قابلة للتنفيذإلى ذلك، رأى الكاتب إياد القرا أن الطروحات الحالية تأتي في إطار ممارسة الضغط السياسي، أكثر من كونها خططاً قابلة للتنفيذ، مؤكداً في حديثٍ لـ" العربي الجديد"، أن أي ترتيبات من قبيل نشر قوات استقرار دولية أو تشكيل هياكل إدارية جديدة، لن يكون لها أي أفق عملي ما لم تستند إلى اتفاق سياسي واضح.
واعتبر القرا أن ما يجري محاولة لإيصال رسائل إلى حركة حماس، بأن الطرف الإسرائيلي يمتلك بدائل في حال تعثر المفاوضات، عبر التلويح بخطط تتعلق بإقامة مناطق خاضعة لإشراف دولي أو الدفع بأجسام محلية لإدارة بعض المناطق، إلا أن هذه الأفكار تواجه تعقيدات قانونية وسياسية وعسكرية تجعل تنفيذها أمراً بالغ الصعوبة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك