تتشكل في باطن الأرض السورية أزمة خطيرة تتمثل في الاستنزاف المتسارع للمياه الجوفية التي تعد أحد أهم مصادر الأمن المائي والغذائي في البلاد.
وتشير دراسة أعدها المهندس الزراعي مراد قره مصطفى إلى أن سوريا تواجه ضغوطاً متزايدة على خزاناتها الجوفية نتيجة تداخل عوامل طبيعية وبشرية، أبرزها التغير المناخي، وتراجع الهطولات المطرية، والتوسع في حفر الآبار، والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية خلال سنوات الحرب، إلى جانب تحديات إدارة الموارد المائية.
وترى الدراسة أن استمرار استخراج المياه الجوفية بمعدلات تفوق قدرتها الطبيعية على التجدد قد يؤدي إلى تراجع المخزون المائي في عدد من الأحواض الرئيسية، مع ما يحمله ذلك من انعكاسات على الزراعة، وإمدادات مياه الشرب، والبيئة، والاستقرار الاجتماعي.
تلخص الدراسة واقع المياه الجوفية في سوريا بمجموعة من المؤشرات التي تعكس حجم التحديات التي تواجه هذا المورد الحيوي، ومن أبرزها:انخفاض مستويات المياه الجوفية في شمال غربي سوريا بنحو 43 بالمئة خلال العقد الأخير، مع تسجيل انخفاضات وصلت إلى 62 بالمئة في بعض المناطق مثل مدينة الباب.
ارتفاع عدد آبار الري في شمال غربي البلاد بنسبة 107 بالمئة بعد عام 2011، من 8173 بئراً إلى 16932 بئراً.
تقدير وجود نحو 50 ألف بئر غير مرخصة في محافظة درعا.
فقدان حوض نهر العاصي ما يعادل 2.
25 مليون لتر من المياه الجوفية لكل هكتار بين عامي 2012 و2023.
استهلاك القطاع الزراعي ما بين 85 و90 بالمئة من إجمالي الموارد المائية، مع استمرار الاعتماد الواسع على الري بالغمر الذي يهدر نحو نصف المياه المستخدمة.
تقدير الموارد الجوفية المتجددة في سوريا بنحو ستة مليارات متر مكعب سنوياً، في وقت تتجاوز فيه معدلات الضخ الطبيعي في عدد من الأحواض معدلات التغذية الطبيعية.
يوضح الشكل التالي التوزيع التقديري لمصادر المياه في سوريا، ويبين أن المياه الجوفية تشكل ركناً أساسياً من الميزانية المائية الوطنية.
وتوضح الدراسة أن سوريا تتلقى سنوياً نحو 46 مليار متر مكعب من الهطولات المطرية، إلا أن هذه الكميات لا تتوزع بصورة متساوية بين مختلف المناطق، إذ تختلف معدلات الأمطار بشكل كبير بين الساحل والجبال من جهة، والمناطق الشرقية والبادية من جهة أخرى.
وتشير الدراسة إلى أن البلاد تنقسم هيدرولوجياً إلى سبعة أحواض مائية رئيسية، هي: الفرات، ودجلة والخابور، والعاصي، والساحل، واليرموك، وبردى والأعوج، والسهوب، ويختلف كل منها من حيث المساحة، والهطل المطري، وحجم الموارد المائية المتاحة.
الأحواض المائية الرئيسية في سورياوتظهر بيانات الدراسة أن حوض الفرات يتصدر من حيث حجم الموارد المائية المتاحة، يليه حوض الساحل، ثم حوضا دجلة والخابور والعاصي، بينما تسجل أحواض بردى والأعوج، واليرموك، والسهوب كميات أقل نسبياً.
ويبين الجدول التالي الفوارق بين الأحواض من حيث المساحة، والهطولات المطرية، وإجمالي المياه المتاحة.
ويعكس هذا التباين اختلاف الظروف الطبيعية بين الأحواض السورية، الأمر الذي يجعل إدارة الموارد المائية تختلف من منطقة إلى أخرى، سواء من حيث الاعتماد على المياه السطحية أو المياه الجوفية، أو من حيث حجم الضغوط التي تتعرض لها كل منطقة.
يوضح الشكل التوزع الجغرافي للأحواض المائية السبعة، وحجم الموارد المائية المتاحة في كل منها.
توضح الدراسة أن المياه الجوفية ليست مجرد مصدر إضافي للمياه، بل تمثل مخزوناً استراتيجياً تعتمد عليه سوريا بصورة متزايدة عندما تتراجع الموارد السطحية نتيجة انخفاض الأمطار أو تراجع تدفقات الأنهار أو تعطل مشاريع الري.
وتشير إلى أن هذا المخزون لعب لعقود دور صمام الأمان للقطاع الزراعي، إلا أن الاعتماد المتزايد عليه خلال السنوات الأخيرة، دون أن يقابله تجدد طبيعي بالمعدلات نفسها، أدى إلى تعرض عدد من الخزانات الجوفية لضغوط متزايدة.
وترى الدراسة أن استمرار هذا الاتجاه قد يحول المياه الجوفية من مورد استراتيجي يدعم الأمن المائي إلى مورد معرض للاستنزاف، بما ينعكس على مختلف القطاعات الاقتصادية والخدمية في البلاد.
أربعة أحواض تختزل أزمة المياهتوضح الدراسة أن المياه الجوفية في سوريا لا تتوزع ضمن خزان واحد، وإنما ضمن أنظمة مائية مختلفة، لكل منها خصائص جيولوجية وآليات تغذية طبيعية تختلف عن الأخرى، وهو ما يجعل حجم الضغوط ومستوى الاستنزاف متفاوتاً بين منطقة وأخرى.
وتشير إلى أن فهم طبيعة هذه الخزانات يعد أساسياً لفهم أزمة المياه في البلاد، لأن كل حوض يواجه تحديات مختلفة، سواء من حيث التغيرات المناخية، أو الضغوط الزراعية، أو العوامل العابرة للحدود.
يعد حوض نهر الفرات أكبر الأحواض المائية في سوريا وأكثرها أهمية، إذ يوفر، وفق الدراسة، نحو 7.
9 مليارات متر مكعب من المياه المتاحة سنوياً، كما يمتد النهر داخل الأراضي السورية لمسافة تقارب 610 كيلومترات، ما يجعله الشريان المائي الأهم في البلاد.
وتبين الدراسة أن المياه الجوفية في هذا الحوض لا تقتصر على طبقة واحدة، بل تتوزع ضمن عدة خزانات جيولوجية، من أبرزها خزانات الحجر الجيري شرق حلب، إضافة إلى خزانات متعددة الطبقات تمتد في منطقة الجزيرة والسهوب الشرقية.
كما تشير إلى أن أحد أهم الخزانات المشتركة بين سوريا وتركيا هو خزان الحجر الجيري الإيوسيني–الأوليغوسيني، الذي تقدر تغذيته الطبيعية بنحو 1.
6 مليار متر مكعب سنوياً، بينما تقع معظم مناطق تغذيته داخل الأراضي التركية، في حين تظهر مياهه على هيئة ينابيع داخل سوريا.
تلفت الدراسة إلى أن أهمية الفرات لا ترتبط فقط بحجم مياهه، وإنما أيضاً بطبيعة موقعه الجغرافي، إذ تعتمد سوريا على المياه القادمة من خارج حدودها.
وتوضح أن تركيا، بوصفها دولة المنبع، تتحكم بجزء كبير من تدفقات النهر عبر مشروع جنوب شرق الأناضول (GAP)، الأمر الذي ينعكس بصورة مباشرة على حجم المياه التي تصل إلى الأراضي السورية.
وتشير الدراسة إلى أن انخفاض تدفقات الفرات في بعض الفترات إلى مستويات تقل عن الحد الأدنى المنصوص عليه في التفاهم المؤقت الموقع عام 1987 أدى إلى زيادة اعتماد المزارعين على ضخ المياه الجوفية لتعويض النقص في المياه السطحية.
ويوضح الشكل التالي العلاقة بين تدفقات نهر الفرات والحد الأدنى المنصوص عليه في اتفاق عام 1987، وكيف يؤدي تراجع المياه السطحية إلى زيادة الاعتماد على الضخ من الخزانات الجوفية.
حوض العاصي.
استنزاف ممتد عبر عقودإذا كان الفرات يمثل أكبر مورد مائي، فإن الدراسة تصف حوض العاصي بأنه من أكثر الأحواض تعرضاً للاستنزاف في سوريا.
ويمتد الحوض عبر محافظات حمص وحماة وإدلب، وتشير الدراسة إلى أن بيانات التصريف المائي تظهر تراجعاً مستمراً منذ بدايات القرن الماضي.
ففي محطة داركوش قرب الحدود التركية، انخفض متوسط التصريف السنوي من نحو 1.
85 مليار متر مكعب في ثلاثينيات القرن العشرين إلى 1.
25 مليار متر مكعب في سبعينياته، ثم إلى نحو 600 مليون متر مكعب فقط مع بداية القرن الحادي والعشرين.
وترى الدراسة أن هذا الانخفاض يعكس تغيراً طويل الأمد في ميزان المياه داخل الحوض، وليس مجرد تقلبات موسمية.
ويوضح الشكل التالي الانخفاض التدريجي في متوسط التصريف السنوي لنهر العاصي خلال ما يقارب قرناً من الزمن.
لا يقتصر التغير على مجرى النهر نفسه، بل يشمل أيضاً الينابيع التي كانت تغذي مناطق واسعة.
وتشير الدراسة إلى أن ينابيع شرق سهل الغاب، التي كانت تضخ نحو 13 ألف لتر في الثانية خلال ستينيات القرن الماضي، جفت بالكامل بحلول التسعينيات.
كما انخفض تصريف ينابيع منطقة القصير، بما فيها عين التنور التي تعد أحد مصادر مياه مدينة حمص، إلى نحو ثلث مستواه السابق.
وترى الدراسة أن هذه التغيرات تعكس حجم الضغوط التي تعرض لها المخزون الجوفي في الحوض خلال العقود الماضية.
يقارن الشكل التالي بين معدلات تصريف الينابيع في ستينيات القرن الماضي وما وصلت إليه خلال التسعينيات.
الأقمار الصناعية ترصد انخفاض المخزون الجوفيوتستند الدراسة أيضاً إلى بيانات مستمدة من الأقمار الصناعية، تشير إلى أن الجزء السوري من حوض العاصي فقد بين عامي 2002 و2009 مخزوناً جوفياً يعادل سماكة مائية تبلغ 14.
2 سنتيمتراً.
كما تشير إلى أن الخسائر التراكمية بين عامي 2012 و2023 بلغت نحو 2.
25 مليون لتر لكل هكتار، وهو ما يعكس استمرار استنزاف المخزون الجوفي خلال السنوات الأخيرة.
حوض الخابور.
الجفاف يغيّر ملامح الشمال الشرقيتوضح الدراسة أن نهر الخابور، أحد أهم روافد الفرات، شهد تراجعاً كبيراً في تدفقه، إذ يبلغ متوسط تصريفه داخل الأراضي السورية نحو 2.
09 متر مكعب في الثانية فقط، وهو مستوى يقل كثيراً عن معدلاته التاريخية.
وتشير إلى أن الخزانات الجوفية في محافظة الحسكة تعرضت لضغط كبير نتيجة التوسع في الزراعة المروية، بالتزامن مع موجة الجفاف التي ضربت المنطقة بين عامي 2006 و2010.
ووفق الدراسة، أدى ذلك إلى:نفوق أكثر من 85 بالمئة من الثروة الحيوانية في شرق سوريا.
انخفاض إنتاجية المحاصيل المروية بنسبة 23 بالمئة.
تراجع إنتاجية المحاصيل البعلية بنسبة 79 بالمئة.
هجر ما بين 60 و70 بالمئة من قرى الحسكة ومجاري الخابور بحلول عام 2009، وفق بيانات منظمات أممية.
يوضح الشكل التالي انعكاسات الجفاف على الإنتاج الزراعي والثروة الحيوانية والهجرة من المناطق الريفية.
دمشق.
أزمة إدارة بقدر ما هي أزمة مواردتخصص الدراسة قسماً لحوض بردى والأعوج، الذي يغذي العاصمة دمشق ومحيطها، وتعتبره مثالاً على الضغوط التي تواجهها المياه الجوفية في المناطق ذات الكثافة السكانية المرتفعة.
وتشير إلى أن 87 بالمئة من الآبار في منطقة دمشق كانت غير مرخصة قبل عام 2011، مقابل 38 بالمئة فقط في بقية أنحاء سوريا، ما يعكس، بحسب الدراسة، اتساع ظاهرة الحفر خارج الأطر القانونية في محيط العاصمة.
كما توضح أن متوسط تدفق نهري بردى والأعوج لم يعد كافياً لتلبية الطلب المتزايد على المياه، في ظل نمو عدد سكان دمشق من 1.
6 مليون نسمة عام 2000 إلى أكثر من 2.
5 مليون نسمة بحلول عام 2010.
وتشير الدراسة إلى أن هذا الواقع أدى إلى الاعتماد بصورة متزايدة على ضخ المياه الجوفية، مع انخفاض مناسيبها بمعدل يتراوح بين متر وثلاثة أمتار سنوياً خلال العقد الذي سبق عام 2011.
يوضح الشكل الفارق بين نسب الآبار المرخصة وغير المرخصة في دمشق وبقية مناطق سوريا قبل عام 2011.
لماذا تستنزف المياه الجوفية في سوريا؟ترى الدراسة أن التراجع المتسارع في المخزون الجوفي السوري لا يمكن تفسيره بعامل واحد، بل هو نتيجة تداخل مجموعة من المتغيرات الطبيعية والبشرية التي تراكمت على مدى سنوات.
وتحدد أربعة عوامل رئيسية تقف وراء هذا الواقع، هي: التغير المناخي، والتوسع في حفر الآبار، وتداعيات الحرب على البنية التحتية، إضافة إلى السياسات الزراعية وإدارة الموارد المائية.
تعتبر الدراسة أن سوريا تشهد واحدة من أطول موجات الجفاف في تاريخها الحديث، إذ لم تعد المشكلة تقتصر على انخفاض كمية الأمطار خلال موسم معين، بل امتدت إلى تغيرات في توزيع الهطولات وارتفاع درجات الحرارة وتراجع قدرة الأحواض المائية على تعويض ما تفقده من مياه.
وتستشهد الدراسة بمحافظة درعا، حيث بلغ معدل الهطل المطري خلال عام 2025 نحو 151 مليمتراً، مقارنة بـ 293.
5 مليمتراً في العام السابق، ما يعكس انخفاضاً كبيراً في كميات الأمطار خلال فترة قصيرة.
وترى الدراسة أن هذا التراجع ترافق مع ارتفاع درجات الحرارة وزيادة معدلات التبخر، الأمر الذي قلل من رطوبة التربة، وخفض كمية المياه التي تصل إلى الأنهار والخزانات الطبيعية، وزاد اعتماد المزارعين على المياه الجوفية.
يوضح الرسم البياني التالي الانخفاض الكبير في كميات الأمطار خلال موسم واحد، وهو ما تعتمده الدراسة مؤشراً على شدة الجفاف.
من أزمة مناخية إلى أزمة مائيةوتوضح الدراسة أن التغير المناخي لم يؤثر فقط في كمية الأمطار، بل غيّر أيضاً توقيت سقوطها، وهو ما انعكس على الزراعة التي أصبحت تعتمد بدرجة أكبر على الري، بعد تراجع موثوقية الهطولات الموسمية.
وتلفت إلى أن القطاع الزراعي يستهلك ما بين 85 و90 بالمئة من إجمالي الموارد المائية في سوريا، وهو ما يجعل أي انخفاض في المياه السطحية ينعكس مباشرة على معدلات الضخ من الخزانات الجوفية.
تخصص الدراسة جزءاً مهماً للحديث عن التوسع في حفر الآبار، وتعتبره أحد أبرز أسباب تسارع استنزاف المياه الجوفية.
وتشير إلى أن عدد آبار الري في شمال غربي سوريا ارتفع من 8173 بئراً قبل عام 2011 إلى 16932 بئراً بعده، أي بزيادة بلغت 107 بالمئة خلال سنوات قليلة.
كما تقدر وجود نحو 50 ألف بئر غير مرخصة في محافظة درعا وحدها.
وترى الدراسة أن هذه الزيادة جاءت نتيجة عدة عوامل، أبرزها تضرر شبكات الري، وانخفاض منسوب الأنهار، وغياب الرقابة، إلى جانب حاجة المزارعين إلى تأمين المياه للحفاظ على محاصيلهم.
يبين الشكل التالي الارتفاع الكبير في عدد آبار الري في مناطق شمال غربي سوريا مقارنة بما كان عليه قبل عام 2011.
الطاقة الشمسية.
عامل جديد في معادلة الضخوتشير الدراسة إلى أن انتشار أنظمة الطاقة الشمسية في السنوات الأخيرة أدى إلى خفض تكاليف تشغيل مضخات المياه، ما جعل استخراج المياه الجوفية أقل كلفة وأسهل من السابق.
وترى أن هذا التطور، رغم أهميته في توفير الطاقة، ساهم أيضاً في زيادة ساعات تشغيل المضخات ورفع كميات المياه المستخرجة من الآبار، في ظل غياب ضوابط تنظم عمليات الضخ.
لا تفصل الدراسة بين أزمة المياه وتداعيات الحرب، بل تعتبر أن تضرر منشآت المياه كان من أبرز العوامل التي دفعت المزارعين إلى الاعتماد بصورة أكبر على المياه الجوفية.
وتشير إلى أن نحو ثلثي البنية التحتية المائية في سوريا تعرضت لأضرار أو دمار خلال سنوات النزاع، بما يشمل السدود ومحطات الضخ وشبكات الري والآبار والمنشآت المرتبطة بإدارة المياه.
وترى الدراسة أن خروج أجزاء واسعة من شبكات الري عن الخدمة دفع المزارعين إلى إنشاء آبار جديدة، كما أدى انخفاض مناسيب المياه إلى ارتفاع ملوحتها في بعض المناطق، وهو ما انعكس على الإنتاج الزراعي.
يوضح الشكل التالي حجم الأضرار التي لحقت بمنشآت المياه بين عامي 2011 و2023.
وتشير الدراسة أيضاً إلى أن مصادر المياه تحولت خلال سنوات النزاع إلى عنصر من عناصر الصراع، إذ تعرضت بعض المنشآت للاستهداف أو خرجت عن الخدمة نتيجة العمليات العسكرية، كما شهدت مناطق مختلفة انقطاعاً متكرراً في إمدادات المياه.
وترى أن هذه التطورات دفعت كثيراً من المجتمعات المحلية إلى زيادة الاعتماد على الآبار الخاصة، وهو ما ضاعف الضغط على الخزانات الجوفية.
السياسات الزراعية.
جذور الأزمة أقدم من الحربتؤكد الدراسة أن أزمة المياه الجوفية لم تبدأ مع الحرب، وإنما تعود جذورها إلى السياسات الزراعية التي اتبعت خلال العقود السابقة.
فبحسب الدراسة، توسعت المساحات الزراعية المروية بأكثر من 50 بالمئة بين عامي 2000 و2010، وكان الجزء الأكبر من هذا التوسع يعتمد على ضخ المياه الجوفية.
كما استمر الاعتماد بصورة واسعة على الري بالغمر، الذي يمثل أكثر من 80 بالمئة من أساليب الري المستخدمة، رغم أن هذا الأسلوب يهدر ما يصل إلى 50 بالمئة من المياه نتيجة التبخر والجريان السطحي.
وترى الدراسة أن استخدام تقنيات أكثر كفاءة، مثل الري بالتنقيط أو الرش، بقي محدوداً، رغم توفرها منذ سنوات.
يوضح الشكل التالي الفرق بين كفاءة أساليب الري التقليدية والحديثة، وحجم المياه المفقودة عند استخدام الري بالغمر.
تخلص الدراسة إلى أن أزمة المياه الجوفية في سوريا نتجت عن تزامن عدة عوامل في وقت واحد، فالجفاف خفّض الموارد الطبيعية، والحرب أضعفت البنية التحتية، والآبار غير المنظمة زادت معدلات الضخ، بينما أسهمت السياسات الزراعية التقليدية في استمرار الهدر.
وترى الدراسة أن هذا التداخل أدى إلى دخول عدد من الأحواض المائية في مرحلة أصبح فيها استخراج المياه أسرع من قدرتها الطبيعية على التجدد، وهو ما يهدد بتراجع المخزون الجوفي إذا استمرت الظروف الحالية.
تداعيات استنزاف المياه الجوفية.
الزراعة تدفع الثمن الأكبرلا تقف آثار استنزاف المياه الجوفية عند انخفاض منسوب الآبار أو تراجع كميات المياه المتاحة، بل تمتد، بحسب الدراسة، لتطال مختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، وفي مقدمتها الزراعة، والأمن الغذائي، ومياه الشرب، والصحة العامة، والهجرة، والنظم البيئية.
وترى الدراسة أن هذه التداعيات تمثل الوجه الأكثر خطورة للأزمة، لأنها تؤثر بصورة مباشرة في حياة السكان وسبل معيشتهم.
تشير الدراسة إلى أن الزراعة تعد أكثر القطاعات تأثراً باستنزاف المياه الجوفية، نظراً لاعتمادها على الري في مساحات واسعة من الأراضي السورية، ولا سيما في المناطق التي تراجعت فيها المياه السطحية خلال السنوات الأخيرة.
وتستند الدراسة إلى تقديرات برنامج الأغذية العالمي لعام 2025، التي تشير إلى خسارة نحو 75 بالمئة من محصول القمح، وهي كمية تكفي لإطعام ما يقارب 16 مليون شخص لمدة عام كامل، ما يعكس حجم الضغوط التي تواجه الإنتاج الزراعي في البلاد.
كما توضح الدراسة أن آثار الأزمة لم تقتصر على محصول القمح، بل شملت المساحات الزراعية نفسها، إذ انخفضت الأراضي المروية في شمال غربي سوريا بنسبة 8.
5 بالمئة من إجمالي المساحات المزروعة، فيما تراجعت المساحات المزروعة بشكل عام بنسبة 15.
3 بالمئة.
أما في منطقة الباب، فقد وصلت نسبة التراجع إلى 60 بالمئة مقارنة بما كانت عليه سابقاً.
يوضح الرسم البياني التالي التراجع المتواصل في إنتاج القمح خلال السنوات الأخيرة، وفق البيانات التي استندت إليها الدراسة.
كيف حاول المزارعون التكيف؟توضح الدراسة أن المزارعين لم يقفوا أمام الأزمة دون محاولة التكيف معها، بل لجؤوا إلى مجموعة من الإجراءات لتقليل آثار نقص المياه.
ووفق البيانات الواردة في الدراسة:خفّض 90 بالمئة من المزارعين عدد مرات الري.
لجأ 81 بالمئة إلى حفر آبار جديدة.
اتجه 81 بالمئة إلى زراعة محاصيل أقل استهلاكاً للمياه، رغم انخفاض عائدها الاقتصادي.
اضطر 32 بالمئة إلى ترك الزراعة والبحث عن مصادر دخل أخرى.
وترى الدراسة أن هذه المؤشرات تعكس تحولاً في سلوك المزارعين، من محاولة زيادة الإنتاج إلى التركيز على الحفاظ على الحد الأدنى من النشاط الزراعي في ظل تراجع الموارد المائية.
يوضح الشكل التالي أبرز الخيارات التي لجأ إليها المزارعون لمواجهة تراجع المياه، وفي مقدمتها تقليل الري وحفر آبار جديدة.
مياه الشرب.
تراجع الكميات وارتفاع المخاطرلا تقتصر آثار انخفاض المياه الجوفية على القطاع الزراعي، بل تمتد أيضاً إلى مياه الشرب، إذ تشير الدراسة إلى أن انخفاض مناسيب المياه يؤدي إلى تراجع جودة المياه المتبقية، ويزيد من احتمالات تعرض الآبار الضحلة للتلوث.
وتبين الدراسة أن متوسط استهلاك الفرد من مياه الشرب في شمال غربي سوريا انخفض بنسبة 45 بالمئة، من 59 لتراً يومياً قبل عام 2011 إلى 32 لتراً فقط بعده.
كما سجلت منطقتا حارم وإدلب انخفاضاً بلغ 53 و54 بالمئة على التوالي، وهي مستويات تقل عن الحد الأدنى البالغ 50 لتراً للفرد يومياً الذي توصي به منظمة الصحة العالمية لتلبية الاحتياجات الأساسية.
وترى الدراسة أن انخفاض الكميات المتاحة، إلى جانب تراجع جودة المياه، يزيد من احتمالات انتشار الأمراض المرتبطة بالمياه غير الآمنة، خاصة في المناطق التي تعتمد على مصادر بديلة للشرب.
يبين الشكل التالي الفروقات في معدلات استهلاك مياه الشرب بين المناطق المختلفة، مقارنة بالحد الأدنى الذي توصي به منظمة الصحة العالمية.
تربط الدراسة بين تراجع الموارد المائية وبين التحولات الاجتماعية التي شهدتها بعض المناطق السورية خلال السنوات الماضية.
وتشير إلى أن موجة الجفاف بين عامي 2006 و2009 أدت إلى تضرر سبل عيش نحو 800 ألف شخص، ودفعت عشرات الآلاف إلى الانتقال نحو المدن والمناطق الحضرية.
كما تسجل الدراسة أعلى معدلات هجرة للمزارعين في شمال غربي سوريا في منطقتي حارم (44 بالمئة) وجسر الشغور (42 بالمئة)، نتيجة تراجع القدرة على الاستمرار في النشاط الزراعي.
وترى الدراسة أن تراجع المياه لا يؤدي فقط إلى انخفاض الإنتاج، بل يغيّر أيضاً طبيعة المجتمعات الريفية، مع انتقال عدد متزايد من السكان إلى أعمال أو مناطق أخرى بحثاً عن مصادر دخل بديلة.
إلى جانب الآثار الاقتصادية والاجتماعية، تشير الدراسة إلى أن استنزاف المياه الجوفية ينعكس بصورة مباشرة على البيئة.
فمع استمرار انخفاض المناسيب، تتراجع غزارة الينابيع الطبيعية، ويجف بعضها بالكامل، كما ترتفع ملوحة التربة في عدد من المناطق، وتتسارع وتيرة التصحر، خاصة في البادية السورية التي لا يتجاوز متوسط هطولها المطري 100 مليمتر سنوياً.
وتوضح الدراسة أن فقدان الأنظمة البيئية المرتبطة بالمياه الجوفية لا يؤثر فقط في التنوع الحيوي، بل ينعكس أيضاً على خصوبة الأراضي وقدرتها على الإنتاج الزراعي في المستقبل.
وتخلص الدراسة إلى أن أزمة المياه الجوفية لم تعد قضية تخص قطاع المياه وحده، بل أصبحت قضية ترتبط بالأمن الغذائي، والصحة العامة، والتنمية الريفية، والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
وترى أن استمرار تراجع المخزون الجوفي بالمعدلات الحالية قد يؤدي إلى اتساع هذه التداعيات خلال السنوات المقبلة، ما لم تُتخذ إجراءات تحد من الاستنزاف وتحسن إدارة الموارد المائية.
شمال غربي سوريا.
تضاعف الآبار وتراجع المياهبعد استعراض الواقع العام للمياه الجوفية في سوريا، تنتقل الدراسة إلى مجموعة من دراسات الحالة التي تستعرض تطورات الأزمة في عدد من المناطق، بهدف إظهار اختلاف أنماط الاستنزاف بين الأحواض، مع وجود قاسم مشترك يتمثل في تزايد الضغوط على الموارد المائية وارتفاع الاعتماد على الضخ الجوفي.
تخصص الدراسة حيزاً واسعاً لشمال غربي سوريا، وتصف المنطقة بأنها من أكثر المناطق تعرضاً للاستنزاف خلال السنوات الأخيرة، في ظل تزامن عدة عوامل، منها النمو السكاني، والنزوح الداخلي، وتوسع الزراعة المروية، وتراجع الموارد السطحية.
وتشير الدراسة إلى أن المنطقة تضم نحو 4.
55 ملايين نسمة، بينهم ما يقارب 2.
87 مليون نازح داخلياً، وهو ما رفع الطلب على المياه للاستخدامات المنزلية والزراعية في آن واحد.
وترى الدراسة أن هذا الضغط السكاني ترافق مع زيادة كبيرة في أعداد الآبار، ما أدى إلى انخفاض متواصل في مناسيب المياه الجوفية في عدد من المناطق.
يوضح الشكل التالي العلاقة بين ازدياد الاعتماد على الآبار وتراجع مناسيب المياه الجوفية في المنطقة.
منطقة الباب.
إحدى أكثر المناطق تضرراًتورد الدراسة منطقة الباب مثالاً على المناطق التي شهدت انخفاضاً حاداً في مستويات المياه الجوفية، بالتوازي مع تراجع المساحات الزراعية وازدياد الاعتماد على الضخ من الآبار.
وترى أن استمرار هذا الاتجاه قد يرفع كلفة استخراج المياه ويقلل الجدوى الاقتصادية للزراعة، مع اضطرار المزارعين إلى حفر آبار أعمق أو استخدام مضخات ذات قدرة أكبر.
محافظة درعا.
الجفاف والآبار غير المرخصةتنتقل الدراسة إلى محافظة درعا، التي تعدها نموذجاً آخر للضغوط الواقعة على المياه الجوفية، نتيجة تراجع الهطولات المطرية والتوسع في حفر الآبار.
وتشير إلى أن المحافظة تضم عدداً كبيراً من الآبار غير المرخصة، بالتزامن مع انخفاض معدلات الأمطار خلال السنوات الأخيرة، ما أدى إلى زيادة الاعتماد على المياه الجوفية لتأمين احتياجات الري.
وترى الدراسة أن استمرار هذا الواقع قد يؤدي إلى مزيد من الانخفاض في مناسيب المياه، خاصة إذا لم تترافق عمليات الضخ مع إجراءات لإعادة تغذية الخزانات أو تنظيم استخراج المياه.
حوض العاصي.
خسائر تراكمية خلال عقدينتعود الدراسة إلى حوض العاصي لتعرض نتائج أحدث القياسات الخاصة بالمخزون الجوفي، مشيرة إلى أن بيانات الأقمار الصناعية تظهر استمرار الخسائر التراكمية في المياه الجوفية خلال العقدين الماضيين.
وتوضح أن هذه البيانات تعكس اتجاهاً مستمراً نحو انخفاض المخزون، ما يجعل الحوض من أكثر المناطق حاجة إلى إجراءات تحد من الاستنزاف وتحسن إدارة الموارد المائية.
يوضح الشكل تطور مخزون المياه الجوفية في الحوض خلال سنوات الدراسة.
يعرض الشكل تقديرات الدراسة للخسائر المتراكمة في المياه الجوفية خلال أكثر من عشرين عاماً، اعتماداً على بيانات الأقمار الصناعية.
تشير الدراسة إلى أن الأمثلة الإقليمية، على اختلافها، تقود إلى استنتاج واحد، وهو أن استنزاف المياه الجوفية لا يرتبط بمنطقة بعينها، بل يظهر بأشكال مختلفة بحسب الظروف المحلية.
ففي بعض المناطق يتمثل التحدي في الجفاف، وفي أخرى في تراجع تدفقات الأنهار، بينما يرتبط في مناطق ثالثة بارتفاع الطلب على المياه أو التوسع في الزراعة، إلا أن النتيجة النهائية تبقى واحدة، وهي زيادة الضغط على الخزانات الجوفية.
نحو استدامة المياه الجوفية.
خارطة طريق لإدارة الأزمةبعد استعراض واقع المياه الجوفية وأسباب الاستنزاف وآثاره، تطرح الدراسة مجموعة من التوصيات التي ترى أنها تمثل أساساً لإدارة أكثر استدامة للموارد المائية في سوريا، مؤكدة أن استمرار الوضع الحالي سيؤدي إلى مزيد من الضغوط على الخزانات الجوفية، بينما يتطلب الحد من الأزمة تبني إصلاحات متزامنة على المستويات المؤسسية والزراعية والبيئية والإقليمية.
ترى الدراسة أن الخطوة الأولى تتمثل في إنشاء إطار متكامل لحوكمة المياه، يشمل تسجيل جميع الآبار القائمة، وتسوية أوضاع الآبار القانونية، وإغلاق الآبار المخالفة، إلى جانب تطوير نظام رقابي يضمن متابعة كميات الضخ ومنع الاستنزاف غير المنظم.
وتوصي الدراسة بإعادة النظر في الأنماط الزراعية، عبر التوسع في زراعة المحاصيل الأكثر مقاومة للجفاف، وتقليل الاعتماد على المحاصيل كثيفة الاستهلاك للمياه، بالتوازي مع تعميم تقنيات الري الحديثة، ولا سيما الري بالتنقيط، بهدف رفع كفاءة استخدام الموارد المائية.
وتؤكد الدراسة أن استعادة كفاءة قطاع المياه تتطلب إعادة تأهيل قنوات الري، ومحطات الضخ، وشبكات توزيع المياه، بما يسهم في تقليل الفاقد وتحسين كفاءة إدارة الموارد المائية.
كما تدعو الدراسة إلى تطوير التعاون مع دول الجوار، ولا سيما في الأحواض المشتركة، من خلال تبادل البيانات وتعزيز آليات التنسيق بشأن إدارة الموارد المائية العابرة للحدود.
وتشدد الدراسة على أهمية دمج سياسات التكيف مع تغير المناخ في التخطيط المائي، عبر تطوير أنظمة للإنذار المبكر، وإعداد خطط للتعامل مع موجات الجفاف، وتعزيز قدرة المجتمعات المحلية على مواجهة التقلبات المناخية.
يلخص الشكل أبرز التوصيات التي تطرحها الدراسة لتعزيز استدامة الموارد المائية في سوريا.
تخلص الدراسة إلى أن المياه الجوفية في سوريا تقف أمام مرحلة مفصلية، في ظل استمرار الضغوط الناتجة عن الجفاف، وتراجع الموارد السطحية، والتوسع في الضخ، وتضرر البنية التحتية.
وترى أن الخزانات الجوفية ما تزال تمتلك احتياطيات يمكن الحفاظ عليها، لكن ذلك يتطلب تحركاً مبكراً يجمع بين إصلاح الإدارة المائية، وتطوير القطاع الزراعي، وإعادة تأهيل البنية التحتية، وتعزيز التعاون الإقليمي، بما يضمن إدارة أكثر استدامة لهذا المورد الحيوي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك