لم يكن مشوار المنتخب المصري في كأس العالم 2026 حدثاً رياضياً تابعته الجماهير المصرية وحدها، بل حظي أيضاً بمتابعة واسعة من السوريين داخل مصر وخارجها، الذين رافقوا" الفراعنة" بالتشجيع منذ بداية البطولة، واحتفلوا بتأهلهم إلى دور الـ16 بعد الفوز على أستراليا، قبل أن يواصلوا دعمهم بعد انتهاء المشوار بالخسارة أمام الأرجنتين.
وخلال أيام البطولة، برزت على منصات التواصل الاجتماعي آلاف الرسائل التي حملت عبارات التهنئة والتشجيع من سوريين في مختلف أنحاء العالم، في مشهد عكس جانباً من العلاقات المتينة بين الشعبين السوري والمصري، بعيداً عن السجالات التي تظهر أحياناً على بعض المنصات الإلكترونية.
ولفت الانتباه حجم التفاعل السوري مع المنتخب المصري، سواء من داخل مصر أو سوريا أو بين السوريين المنتشرين في أوروبا والخليج وتركيا، إذ امتلأت الصفحات بمنشورات الدعم، وتزين كثير منها بالعلم المصري، في تعبير عفوي عن التقارب الشعبي بين السوريين والمصريين.
السوريون يشجعون" الفراعنة"في المقاهي والمطاعم المنتشرة في القاهرة والإسكندرية ودمياط، تابع مئات السوريين مباريات المنتخب المصري إلى جانب أصدقائهم المصريين، ومع ركلات الترجيح التي حسمت التأهل أمام أستراليا، تحولت أماكن المشاهدة إلى ساحات احتفال، ورفعت الأعلام المصرية وسط هتافات مشتركة عكست حالة من التفاعل الطبيعي بين أبناء البلدين.
تقول رولا الحلبي، سورية مقيمة في القاهرة منذ 13 عاماً: " كادت قلوبنا تتوقف في اللحظات الأخيرة من المباراة، جميع السوريين الذين كانوا في المقهى كانوا يصرخون من الفرحة، كأنها سوريا التي تلعب، نشجع بنفس الحب والانتماء وندعم أصدقاءنا المصريين".
ولم يقتصر هذا المشهد على السوريين المقيمين في مصر، بل امتد إلى السوريين في دول أخرى، حيث انتشرت على مواقع التواصل فيديوهات ومنشورات لمشجعين سوريين يحتفلون بتأهل المنتخب المصري.
بدوره، يقول حسام الحريري، وهو سوري مقيم في ألمانيا، لموقع" تلفزيون سوريا": " منذ سقوط النظام لم أشعر بهذه الفرحة، كنا نتابع بكل حماس، وعندما تأهلت مصر نزلنا إلى الشوارع لنحتفل".
خلال الأشهر الماضية، شهدت منصات التواصل موجات متكررة من الجدل حول وجود السوريين في مصر، وتصدرت منشورات ومقاطع فيديو أثارت انقساماً واسعاً بين المستخدمين، قبل أن تتراجع بصورة ملحوظة مع تأهل المنتخب المصري إلى دور الـ16.
فبمجرد أن أصبح المنتخب المصري محور اهتمام الجمهور، تصدرت الوسوم الرياضية قوائم الأكثر تداولاً، وامتلأت الصفحات بمقاطع الاحتفال وتحليل أداء اللاعبين، بينما انخفضت بشكل واضح مساحة المحتوى الذي كان يركز على إثارة الخلافات المتعلقة بالسوريين والعرب.
ولا يمكن الجزم بأن الحسابات التي كانت تنشر هذا الخطاب اختفت، إلا أن رصد المحتوى المتداول خلال تلك الفترة أظهر تراجعاً واضحاً في نشاطها، مقابل تصاعد غير مسبوق للمحتوى الرياضي والاحتفالي، وهو ما يعكس طبيعة منصات التواصل التي تنتقل بسرعة من قضية إلى أخرى بحسب الحدث الأكثر جذباً للجمهور.
لماذا هدأت الحملات الإلكترونية؟يرى مختصون في الإعلام الرقمي أن الأحداث الرياضية الكبرى تمتلك قدرة استثنائية على تغيير أجندة النقاش العام، إذ تمنح خوارزميات المنصات أولوية للمحتوى الذي يحظى بأعلى نسب مشاهدة وتفاعل، وهو ما يدفع القضايا الأخرى إلى التراجع مؤقتا.
وفي حالة مباراة مصر واستراليا، أدى الاهتمام الشعبي الواسع إلى انحسار المحتوى المرتبط بالسجلات اليومية، بما في ذلك المنشورات التي كانت تستهدف السوريين أو تثير الخلافات بين الشعوب العربية، لتفسح المجال أمام حالة عامة من الاحتفال والدعم.
الواقع يختلف عن مواقع التواصلورغم الصورة التي ترسمها بعض الحسابات على الانترنت، يؤكد كثير من السوريين والمصريين أن العلاقة اليومية بين الطرفين بقيت طوال السنوات الماضية أكثر استقرارا مما يبدو على الشاشات.
ففي بعض الأحياء التي يتركز فيها السوريون، وفي الأسواق والمصانع والمطاعم والجامعات، تستمر العلاقات اليومية بصورة طبيعية، حيث يعمل السوريون والمصريون جنبا إلى جنب، وتجمعهم شراكات تجارية وعلاقات صداقة ومصاهرة، بعيدا عن خطاب الكراهية على مواقع التواصل الاجتماعي.
وجاءت مباراة المنتخب المصري لتقدم نموذجا حيا لهذه العلاقة، بعدما جلس المصري والسوري أمام الشاشة نفسها، وشجع الفريق ذاته، واحتفل بالنتيجة نفسها، دون أن يكون للجنسية أي حضور في تلك اللحظات.
يقول أحمد أشرف، مصري الجنسية، " السوريين ليسوا ضيوف في بلدنا، بل إخوة وشركاء، ولم نشعر يوما أنهم عبء علينا، وعندما بدأت تظهر الفيديوهات على مواقع التواصل قلت لهم أن من يفرقنا هم اللجان الإلكترونية التي هدفها زعزعة الاستقرار".
بدوره رامي الصباغ، سوري مقيم في مدينة الرحاب، يقول، " يجب علينا أن نتجاهل منشورات الفتنة، فالسوريين في مصر لم يلقوا إلى المعاملة الحسنة من أهلها الطيبين، كانوا نعم الأهل والأصدقاء، وقفوا معنا في أصعب ظروفنا".
ورغم أن المنتخب المصري أنهى مشواره في كأس العالم لاحقاً بالخسارة أمام الأرجنتين، فإن التفاعل الذي رافق تأهله إلى دور الـ16 شكّل نموذجاً لافتاً على التقارب بين السوريين والمصريين، وأظهر أن ما يجمع الشعبين في حياتهما اليومية يبقى أوسع بكثير مما تعكسه السجالات العابرة على منصات التواصل الاجتماعي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك