عندما يريد ترامب إبهار ضيوفه في المكتب البيضاوي، يقدم لهم نسخة من الخطاب الذي سمعه من “مؤرخ جاد” كما يسميه.
لقد ألقي الخطاب المكون من صفحتين في فعالية في النادي خاصته للغولف، ويبدأ بعبارة: “ترامب أقوى رجل في التاريخ”.
جنكيز خان، يوليوس قيصر، هتلر، ستالين، ماو – كل هؤلاء ليسوا سوى رماد وغبار بجانبه.
لقد انتهى زمنهم.
“إذا كان ترامب هو النسر الأمريكي، فإن وليام الفاتح بصعوبة يعتبر غراباً”.
لقد ورد هذا الخطاب في كتاب “تغيير النظام”، الذي نشره الصحافيان في “نيويورك تايمز”، ماغي هابرمان وجونثان سوان، حيث رسما صورة رئيس مهووس بالعظمة ومقطوع تماماً عن الواقع.
واكتشف الصحافيان أن “المؤرخ الجاد” ليس إلا هاو لألعاب الغولف، أراد التحدث إلى الرئيس المعجب به.
عندما أعطى ترامب الصحافيين نسخة من الخطاب، لاحظا أنه لا يهتم بالجرائم الفظيعة التي ارتكبها هؤلاء القادة.
لا يوجد أي نقاش أخلاقي حول أفعالهم.
كل ما يهم ترامب هو من الذي يملك النفوذ الأكبر أو الأصغر.
وحسب هذا الهراء، كان تأثير هؤلاء القادة على بلادهم فقط، أما تأثير ترامب فيمتد إلى العالم كله.
واليوم، يسعى ترامب لترك بصماته في كل مكان بحثاً عن إرث.
هذا ما يبحث عنه في قمة الناتو التي افتتحت أمس، وكذلك في كأس العالم الذي نجح في إفساده.
وصل ترامب إلى تركيا أمس للمشاركة في قمة حلف الناتو التي ستستمر يومين، وسط ترقب حذر من كل الأطراف المشاركة في القمة، في ظل التوتر المستمر منذ عقد.
لطالما كان ترامب من أشد منتقدي الناتو منذ دخوله إلى السياسة في العام 2015، عندما قال إن دولاً أخرى تستغل حسن نية الولايات المتحدة وقوتها الاقتصادية.
وقد تحدث مستشار الأمن القومي السابق، جون بولتون، عن كيف كان ترامب قريباً من إعلان انسحاب الولايات المتحدة من الحلف الذي تترأسه، لكنه تراجع عن ذلك في نهاية المطاف.
منذ عودته إلى البيت الأبيض، ازداد انتقاد ترامب لأعضاء الناتو.
كثيراً ما هاجم الدول الأوروبية التي لم تستجب لطلبه المساعدة في قضية مضيق هرمز، بعد أن شن الحرب على إيران دون تنسيق مع الناتو.
في ولايتيه الرئاسيتين، دأب ترامب على التلويح باحتمالية الانسحاب.
في السنة الماضية، هدد حتى بالاستيلاء على غرينلاند وأخذها من الدانمارك، العضوة في الناتو، ومنذ ذلك الحين بقي هذا الملف يخيم على الناتو كسيف مسلط على رقابهم.
لم يساهم ميل ترامب إلى تملق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وإهانة رئيس أوكرانيا فولودمير زيلينسكي، في تعزيز الحلف العسكري.
قبل شهر فقط، قبيل عقد القمة في تركيا، استضاف ترامب الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، في البيت الأبيض، الذي يتبنى استراتيجية تملق مبالغ فيها.
وأظهر ترامب عدم اكتراث بالقمة المرتقبة، وقال عن المستضيف رجب طيب أردوغان: “سأشارك في هذا الحدث بالأساس من أجل إسعاده”، بالإشارة إلى أنه “صديق”.
وأضاف ترامب بأنه ينوي الإعلان عن خطوة مرضية للزعيم التركي، ويرجح على نطاق واسع أن الأمر يتعلق بطائرات “إف35”.
وقبل عقد المؤتمر، أفادت الـ “سي.
ان.
ان” بأن ترامب يظهر استياء وغضباً كلما كان عليه ذكر حلف الناتو.
وفي جلساته الخاصة، يكثر من الشكوى من الحرب في إيران ومن نقص دعم الناتو.
وفي بعض الأحيان، يطفو هذا الاستياء على السطح ويصبح علنياً، مثلما في تغريدته في الشبكات الاجتماعية في نهاية الأسبوع: “من السخافة أن تستمر الولايات المتحدة في التصرف بشكل أحادي.
فالعلاقات ليست متبادلة.
لم يكونوا موجودين”، كتب في حديثه عن دعوته لحلف الناتو لمساعدة الولايات المتحدة في فتح مضيق هرمز.
ورغم أن التهديد بالانسحاب من الناتو كان موجوداً دائماً، فإن عزاء قادة أوروبا كان أنهم التقوا ترامب بعد الحرب، ولم ينته هذا بكارثة.
لقد وصل ترامب إلى قمة مجموعة “جي 7” في فرنسا بمعنويات عالية في أعقاب محادثاته مع إيران.
ولكن هذه الحالة الإيجابية لم تستمر ليوم واحد بعد القمة.
فقد قال ترامب إن رئيسة وزراء إيطاليا، جورجيا ميلوني، توسلت إليه لالتقاط صورة معه.
فوصفته بالكاذب.
فرد عليها بأنه سيفحص “إصدار أمر إبعاد ضدها”.
هذا لم يخفف من شدة التوتر قبل عقد قمة الناتو.
يعتبر الناتو ثاني هيئة دولية تعاني اليوم من زعيم أمريكي متقلب المزاج وغاضب وفاسد.
وقد أثار قرار ترامب التدخل في المونديال لإلغاء إيقاف اللاعب الأمريكي بولارين بالوغون دهشة كل مشجعي كرة القدم الذين لا يعرفون الرئيس جيدا.
ولكن هذا القرار يعكس نزعة ترامب التي تهيمن في هذه الأيام – التأثير بكل أشكاله.
الرئيس الذي يبني قاعة احتفالات وقوس نصر ويطبع اسمه وصورته وتوقيعه على كل شيء، أراد أن يظهر للعالم قدرته على التأثير في الرياضة الأكثر شعبية في العالم.
وفي حين حاول البيت الأبيض والـ “فيفا” التستر على أي صلة بين محادثة ترامب مع رئيس الفيفا، التي أدت إلى رفع الإيقاف، تجاهل ترامب كل من حاول الدفاع عنه، واعترف متفاخراً بأفعاله: “لم أكن أعرف ما هي البطاقة الحمراء، وعندما عرفت قلت: هل تمزحون؟ كما تعرفون، مقبول معاقبة لاعب في مباراة ما، لكن معاقبته على مباراة لم يلعبها بعد؟ هذا ليس عدلاً.
لا يمكن فعل ذلك.
لذلك، نعم سألت الفيفا، وتحدثت إلى شخصية مرموقة جداً حول هذا الأمر”، هكذا قال ترامب عن جياني إنفانتينو.
الفيفا، مثل أي هيئة تعاملت مع ترامب في الخمسين سنة الأخيرة، تكتشف الآن أنها في موقف محرج.
ترامب لا يلتزم بالقواعد، ويخرقها بشكل صارخ وعلني.
ترامب لا يكتفي بانتهاك القانون والأعراف، بل يحب فعل ذلك أمام العدسات، وبأكثر الطرق علنية.
من المهم عنده أن يكون فوق القانون، وأن يعرف الجميع أن هذه هي مكانته.
فهو، كما قال “المؤرخ، ” أقوى شخص في التاريخ.
فمن هم جميع هؤلاء المليارات من مشجعي كرة القدم الذين سيقولون له ما معنى البطاقة الحمراء؟ ترامب هو من سيقرر ذلك بنفسه – لكن لنفسه فحسب، ولمن خدعوه أيضاً.
قد يستمر العالم في اللعب حسب القواعد المعتادة.
ومن الناحية الرمزية، انتهت مغامرة ترامب هذه أيضاً بخسارة كبيرة، فازت بلجيكا بنتيجة 4: 1.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك