وسط درجات حرارة تتجاوز في بعض الأيام خمسين درجة مئوية، برزت في عدد من مدن العراق مبادرات فردية لتوفير مراوح كبيرة مزوّدة بمرشات رذاذ الماء، تعمل على تبريد الهواء بشكل متواصل وتوفير متنفس للعابرين والمتسوقين مجاناً، في محاولة للتخفيف من وطأة الحر خلال فصل الصيف.
ورغم بساطة الفكرة، فإن هذه المبادرات تركت أثراً إنسانياً لافتاً، إذ أسهمت في تخفيف معاناة المارة والعاملين في الشوارع الذين يواجهون يومياً ظروفاً مناخية قاسية.
يبادر أصحاب محال تجارية في الأسواق والشوارع المكتظة بالمارة إلى وضع مراوح كبيرة مزوّدة بمرشات رذاذ الماء أمام متاجرهم، تعمل على تلطيف الهواء وخفض درجات الحرارة ليستفيد منها المتسوقون والعابرون مجاناً، في مشهد يعكس روح التكافل الإنساني خلال أيام الصيف شديدة الحرارة.
وينظر أصحاب هذه المبادرات إليها بوصفها صدقة جارية وعملاً إنسانياً يهدف إلى التخفيف من معاناة الناس في ظل موجات الحر اللاهبة، مؤكدين أن توفير قدر من الراحة للمارة، ولو بشكل بسيط، يمثل واجباً أخلاقياً وإنسانياً تجاه المجتمع.
وبالتوازي مع انتشار هذه المبادرات، تشهد سوق مرشات رذاذ الماء رواجاً ملحوظاً خلال فصل الصيف، مع تزايد الإقبال عليها من أصحاب المقاهي والمطاعم والمتنزهات والمرافق الترفيهية للاستعانة بها في تلطيف الأجواء وتخفيف وطأة الحر.
كما اتسع استخدامها ليشمل الحدائق المنزلية والمناسبات الاجتماعية المقامة في الأماكن المفتوحة.
وبين المبادرات الإنسانية التي تخفف عن المارة وطأة الحر والرواج التجاري الذي يرافق موسم الصيف، تلتقي روايات أصحاب المحال التجارية والمواطنين وبائعي هذه الأجهزة لترسم صورة عن كيفية مواجهة العراقيين حرارة الصيف بروح التعاون والتكافل.
ويقول شهاب العيسى، صاحب محل لبيع الملابس في إحدى الأسواق التجارية المزدحمة، إنه دأب منذ سنوات على نصب مروحة كبيرة مزوّدة بمرشات رذاذ الماء أمام متجره مع بداية موجات الحر الشديد.
ويوضح، في حديثه لـ" العربي الجديد"، أن الفكرة ولدت بعدما لاحظ معاناة كبار السن والنساء والأطفال أثناء تجولهم في السوق تحت أشعة الشمس ودرجات الحرارة المرتفعة.
ويضيف: " لسنا ملزمين بالقيام بذلك، لكننا نؤمن بأن هذه المبادرة تخفف، ولو بقدر بسيط، من معاناة الناس في هذا الحر الشديد.
كثير من المارة يتوقفون بضع دقائق تحت رذاذ الماء ليستعيدوا أنفاسهم قبل مواصلة طريقهم، وبعضهم لا يكتفي بكلمات الشكر، بل يدعو لنا، وهذا وحده يمنحنا شعوراً بأن ما نقوم به يستحق الاستمرار".
ويتابع أن المشهد يتكرر يومياً، إذ يتوقف رجال ونساء وأطفال بضع دقائق أمام المروحة ليستمتعوا برذاذ الماء المنعش قبل استكمال أعمالهم أو جولة تسوقهم.
ويؤكد أن كلمات الشكر والدعوات التي يتلقاها باستمرار من المارة تشكل حافزاً يدفعه إلى مواصلة هذه المبادرة، مضيفاً: " أجمل ما في الأمر أن الناس يغادرون وهم أكثر ارتياحاً، وربما بدعوة صادقة لا تُقدّر بثمن".
ولا تختلف الصورة كثيراً عند حسين العجيلي الذي يملك محلاً لبيع المنتجات الغذائية حيث يحرص على تشغيل مروحة رذاذ كبيرة أمام متجره طوال ساعات النهار.
ويقول لـ" العربي الجديد" إن عدداً كبيراً من العمال والمتسوقين والمارة يضطرون إلى السير مسافات طويلة، لذلك رأى أن توفير مساحة صغيرة من الهواء البارد قد تصنع فرقاً في يومهم.
ويضيف: " ألاحظ أن كثيرين يتوقفون لثوانٍ أو لدقيقة أمام الرذاذ، بعضهم يحمل أكياس التسوق، وآخرون عائدون من أعمالهم، وحتى الأطفال يفرحون عندما يمرون بالقرب من المروحة".
ويشير إلى أن ردات أفعال الناس تمنحه شعوراً بالرضا، موضحاً أن كلمات الشكر والدعوات الطيبة تتكرر يومياً، وهو ما يشجعه على الاستمرار في هذه المبادرة كل صيف، معتبراً أن فعل الخير لا يشترط أن يكون كبيراً، بل يكفي أن يخفف عن الناس مشقة يوم حار.
ومع اتساع انتشار هذه المراوح في الأسواق، ازداد الطلب عليها بشكل لافت خلال السنوات الأخيرة، بحسب أحد باعة مرشات رذاذ الماء الذي يؤكد أن موسم الصيف يمثل الفترة الأكثر نشاطاً في هذا المجال.
ويقول قيس العيساوي لـ" العربي الجديد" إن الأسواق تضم أنواعاً متعددة من مراوح الرذاذ، تبدأ بالأجهزة الصغيرة المخصصة للمحال التجارية، وصولاً إلى المراوح الصناعية ذات القدرة العالية التي تستخدم في الساحات المفتوحة والمواقع الترفيهية.
ويضيف أن المقاهي والمطاعم التي توفر جلسات خارجية تعد من أكثر الجهات طلباً لهذه الأجهزة إلى جانب المتنزهات والاستراحات، فضلاً عن ذلك، يحرص أصحاب المنازل الكبيرة على اقتنائها لاستخدامها في الحدائق، بينما تشهد المناسبات الاجتماعية التي تقام في الهواء الطلق إقبالاً متزايداً على استئجارها أو شرائها لتوفير أجواء أكثر راحة للحضور.
ويرى أن ارتفاع درجات الحرارة جعل هذه الأجهزة أقرب إلى وسيلة ضرورية في كثير من الأماكن، لافتاً إلى أن الطلب يزداد كلما اشتدت موجات الحر.
من جانبهم، يؤكد عدد من المارة الذين يقفون لدقائق تحت مرشات رذاذ الماء أن أثرها يتجاوز مجرد التبريد، إذ يمنحهم فرصة لالتقاط الأنفاس واستعادة نشاطهم قبل مواصلة أعمالهم أو استكمال طريقهم.
تقول زهراء قاسم (47 عاماً) إنها تتعمد المرور في الشوارع التي توجد فيها مراوح الرذاذ عندما تخرج للتسوق خلال ساعات النهار، موضحة أن الوقوف أمامها لدقيقة أو دقيقتين يجعلها تشعر بارتياح واضح، خاصة في الأيام التي تلامس فيها درجات الحرارة مستويات مرتفعة جداً.
وتضيف أن هذه المبادرات تمنح الناس شعوراً بأن هناك من يفكر في راحتهم، وتصف أصحابها بأنهم يقدمون خدمة إنسانية يستحقون عليها كل الشكر.
أما سارة أحمد (38 عاماً)، فتؤكد أن النساء اللواتي يرافقن أطفالهن يستفدن كثيراً من هذه المرشات، خاصة بعد المشي مسافات طويلة بين الأسواق.
وتقول إن الأطفال يقبلون عليها بفرح، فيما يشعر الكبار بانتعاش مؤقت يساعدهم على إكمال أعمالهم، مضيفة أن انتشار هذه المبادرات في مزيد من الشوارع والأسواق يجعل التنقل خلال الصيف أقل مشقة.
بدوره، يقول خليل الأنباري، وهو موظف يقطع يومياً مسافة على الأقدام بين موقف النقل ومقر عمله، إن مراوح الرذاذ أصبحت بالنسبة إليه محطة قصيرة للراحة خلال الأيام شديدة الحرارة.
ويضيف: " قد لا يستغرق الوقوف أمامها أكثر من دقيقة، لكنها تحدث فرقاً حقيقياً وتشعرك بأنك قادر على مواصلة الطريق.
والأجمل أن من يضعها يفعل ذلك مجاناً ومن باب الخير، لذلك يستحقون كل التقدير".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك