قرر البنك المركزي العراقي، الأربعاء، خفض الحصة النقدية المخصصة للمواطنين المسافرين إلى خارج البلاد، من 3000 دولار إلى 2000 دولار شهرياً، ضمن إجراءات قال إنها تستهدف تنظيم بيع النقد الأجنبي، ورفع كفاءة إدارة الموارد، وتشجيع استخدام وسائل الدفع الإلكتروني، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً بين المسافرين والأوساط العراقية.
وأكد البنك المركزي في بيان، أن القرار يأتي ضمن حزمة إصلاحات تنظيمية تهدف إلى ضمان وصول النقد الأجنبي إلى أكبر عدد من المستفيدين، وتعزيز استقرار السوق النقدية، ومواكبة التطورات العالمية في أنظمة المدفوعات، من خلال تشجيع استخدام البطاقات الائتمانية ومسبقة الدفع لتغطية نفقات السفر خارج العراق.
وأوضح البنك أن الإجراءات الجديدة ذات طابع تنظيمي، وتهدف إلى تعزيز كفاءة السياسة النقدية ودعم التحول نحو الاقتصاد الرقمي، إلا أن القرار أثار تساؤلات وردات فعل متباينة بشأن تأثيره على المسافرين، ولا سيما المرضى والطلبة، فضلاً عن انعكاساته المحتملة على الطلب في السوق الموازية للدولار.
في هذا السياق، قال مندوب شركة للسياحة والسفر ياسر تركي، إن قرار البنك المركزي خفض الحصة النقدية للمسافرين من ثلاثة آلاف إلى ألفي دولار قد ينعكس بصورة مباشرة على شريحة واسعة من المسافرين، ولا سيما المتجهين إلى دول ترتفع فيها تكاليف الإقامة أو العلاج أو الدراسة أو الرحلات الطويلة.
وأشار تركي في حديثه لـ" العربي الجديد"، إلى أن جزءاً كبيراً من المسافرين ما زال يفضل حمل مبالغ نقدية لتغطية نفقاته، بسبب عدم قبول بطاقات الدفع الإلكتروني في بعض الدول أو ارتفاع عمولات استخدامها، ولا سيما أن بعض الدول ما زالت تعتمد بشكل كبير على التعاملات النقدية، فضلاً عن أن سقف الحصة الجديد قد لا يغطي الاحتياجات الفعلية لبعض المسافرين.
وأضاف أن شركات السفر تتفهم توجه البنك المركزي نحو تنظيم بيع الدولار، إلا أن نجاح القرار يرتبط بتوفير بدائل مصرفية مرنة تضمن حصول المسافر على احتياجاته المالية بسهولة، محذراً من أن عدم كفاية الحصة لبعض الفئات قد يدفعها إلى شراء الدولار من السوق الموازية، وهو ما قد يزيد الأعباء المالية على المسافرين بدلاً من تقليصها.
وأكد تركي أن المرضى والطلبة والعائلات التي تسافر لفترات طويلة قد تكون الأكثر تأثراً بهذا القرار، ما يستدعي اعتماد آليات استثنائية تراعي طبيعة كل حالة خاصة.
من جانبه، قال المواطن خطاب عبد العزيز إن قرار تقليص الحصة النقدية للمسافرين أثار مخاوف كثيرة، خصوصاً لدى من يسافرون للعلاج أو الدراسة أو برفقة عائلاتهم، لافتاً إلى أن مبلغ ألفي دولار قد يكون مناسباً للرحلات القصيرة، لكنه لا يكفي في حالات السفر التي تتطلب نفقات مرتفعة أو إقامة طويلة خارج العراق.
وأضاف عبد العزيز لـ" العربي الجديد"، أن غالبية المواطنين لا يعترضون على تنظيم بيع الدولار إذا كان الهدف حماية الاقتصاد واستقرار سعر الصرف، لكنهم يأملون أن تراعي الجهات المعنية الظروف المختلفة للمسافرين، وأن توفر بدائل مصرفية فعالة يمكن الاعتماد عليها في الخارج.
وأشار إلى أن عدم توفر تلك البدائل قد يدفع بعض المسافرين إلى اللجوء إلى السوق الموازية للحصول على الدولار، الأمر الذي يضيف أعباء مالية جديدة عليهم في ظل ارتفاع أسعار الصرف.
في السياق ذاته، قال الباحث الاقتصادي علي العامري إن قرار البنك المركزي يأتي ضمن سياسة أوسع لإعادة تنظيم الطلب على الدولار، وتقليل خروج النقد الأجنبي من البلاد، والحد من عمليات التلاعب وتهريب الدولار باستغلال الثغرات القانونية للصلاحيات المالية، كما تشجع هذه الخطوة على استخدام وسائل الدفع الإلكتروني بدلاً من الاعتماد على النقد المباشر.
وأضاف العامري لـ" العربي الجديد"، أن البنك المركزي لم ينشر بيانات تفصيلية عن إجمالي مبيعات الدولار للمسافرين، إلا أن خفض الحصة بمقدار ألف دولار لكل مسافر قد يوفر مئات ملايين الدولارات سنوياً، وربما يقترب من مليار دولار إذا استمرت حركة السفر الخارجية عند مستوياتها الطبيعية.
وأوضح أن نجاح القرار لن يُقاس بحجم الوفر المالي فقط، بل بقدرته على تقليص الطلب على الدولار في السوق الموازية، مشيراً إلى أن تحقيق هذا الهدف يتطلب توسيع استخدام البطاقات المصرفية والتحويلات الرسمية وتسهيل حصول المسافرين عليها، لأن غياب البدائل العملية قد يؤدي إلى انتقال جزء من الطلب إلى السوق غير الرسمية، بما يحد من النتائج الإيجابية المتوقعة للقرار.
من جهته، قال عضو مجلس النواب سامي أوشانا إن تنظيم بيع الدولار للمسافرين يدخل ضمن صلاحيات البنك المركزي في إدارة السياسة النقدية، إلا أن نجاح أي قرار من هذا النوع يتطلب تحقيق توازن بين حماية الاستقرار المالي وتلبية الاحتياجات المشروعة للمواطنين، ولا سيما المرضى والطلبة ورجال الأعمال الذين قد يحتاجون إلى مبالغ تفوق السقف المحدد.
وأضاف أوشانا، لـ" العربي الجديد"، أن مجلس النواب يتابع آثار القرار خلال المرحلة المقبلة للتأكد من عدم انعكاسه سلباً على المواطنين أو دفعهم نحو السوق الموازية، مؤكداً أهمية مراجعة التعليمات إذا أظهرت التجربة العملية وجود صعوبات أمام بعض الفئات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك