شكّل “الدربيل” (المنظار البصري) إحدى الأدوات البصرية الأساسية التي ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بحياة أهل البادية في شبه الجزيرة العربية قديمًا، إذ مثّل وسيلة رئيسة للرصد، والاستكشاف، وتحديد المواقع، في حقبة ما قبل ظهور التقنيات الحديثة، مسهمًا بفاعلية في تيسير حركة التنقل عبر الفيافي والصحاري، والاستدلال على الموارد الطبيعية والمعالم الجغرافية.
واعتمد أبناء البادية والقوافل والمسافرون قديمًا على “الدربيل”، لا سيما ما يُعرف بـ”درابيل العيون”، في مراقبة الأهداف البعيدة، والبحث عن “القلبان” (الآبار)، ومصادر المياه من مسافات شاسعة، مما يسهّل رسم مسارات الرحلات، وتأمين الاحتياجات الحيوية في البيئة الصحراوية الصعبة.
كما استخدمه الرعاة في اقتفاء أثر الإبل والماشية الشاردة، وتحديد اتجاهاتها، إلى جانب قراءة تضاريس الأرض، والتعرف على الجبال و”الرجوم” (الركامات الحجرية) التي كانت تُستخدم علاماتٍ مرشدةً للطرق والمسارات.
وأكد عدد من كبار السن في محافظة رفحاء لـ”واس” أن اقتناء “الدربيل” كان جزءًا لا يتجزأ من مستلزمات الرحلات البرية، ورعي الإبل، والصيد، موضحين أنه وفر قديمًا ميزة الاستطلاع والكشف المبكر عن المواقع والمعالم الطبيعية، مشيرين إلى أن هذه الأداة باتت جزءًا حيًا من ذاكرة المجتمع وقصصه التراثية، واشتهرت تاريخيًا بإصداراتها العسكرية المتينة وجودة صناعتها، مؤكدين أنها لا تزال تحظى باهتمام هواة التراث وجامعي المقتنيات الذين يحرصون على اقتنائها وعرضها في المزادات والمنصات المتخصصة.
ويُصنف “الدربيل” اليوم أحد المقتنيات التراثية النادرة التي تعكس طبيعة الحياة اليومية في الماضي، وجسرًا يربط بين أصالة الماضي وتقنيات الحاضر في أعمال المراقبة وتحديد المسارات، وذلك قبل أن تحل أنظمة الملاحة الحديثة محل وظائفه التقليدية.
وقد وثقت وكالة الأنباء السعودية “واس” نماذج متنوعة من “الدرابيل” التاريخية المحفوظة ضمن مقتنيات متحف “للماضي أثر” في محافظة رفحاء بمنطقة الحدود الشمالية، وهو متحف مرخص من هيئة المتاحف، حيث تبرز هذه القطع التطور التاريخي للأدوات البصرية، وتقدم قراءة حية لأساليب العيش والاعتماد على الذات في بيئة الصحراء قديمًا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك