من المؤلم أن نتحدث في القرن الحادي والعشرين عن العنصرية بينما يفترض أن العالم تجاوزها بعد عقود من المواثيق والاتفاقيات الدولية لكن الواقع يقول إن العنصرية لم تختفى بل تغيرت أدواتها وأشكالها، وأصبحت في بعض الأحيان أكثر خطورة لأنها تُمارس تحت غطاء القانون أو السياسة أو حتى الدفاع عن حقوق الإنسان.
كثيرًا ما يقدم الغرب نفسه باعتباره الحارس الأول لمنظومة حقوق الإنسان ويحرص على توجيه الانتقادات للدول الأخرى بشأن الحريات والمساواة وعدم التمييز ولا خلاف على أهمية الرقابة الدولية واحترام حقوق الإنسان لكن المشكلة تظهر عندما تتحول هذه المبادئ إلى معايير انتقائية فيُدان طرف ويُغض الطرف عن آخر، أو تُصبح قيمة الإنسان مرتبطة بجنسيته أو انتمائه أو بالمصالح السياسية المحيطة به.
فإذا كانت المادة الأولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تنص على أن جميع الناس يولدون أحرارًا ومتساوين في الكرامة والحقوق، فلماذا يشعر كثيرون من أبناء الشعوب غير الغربية بأنهم لا يحظون بالقدر نفسه من التعاطف أو العدالة أو الاهتمام؟ ولماذا تختلف ردود الأفعال تجاه الانتهاكات الإنسانية باختلاف هوية الضحية وكأن دماء بعض البشر أغلى من دماء غيرهم؟ولعل ما حدث في مباراة مصر والأرجنتين بكأس العالم يعكس جانبًا من هذا الشعور فقد رأى قطاع واسع من المصريين والمتابعين أن المنتخب المصري تعرض لقرارات تحكيمية مثيرة للجدل أثرت في نتيجة المباراة وهو ما دفع الاتحاد المصري لكرة القدم إلى التقدم بشكوى رسمية مطالبًا بمراجعة ما جرى وسواء انتهى الأمر إلى إثبات وجود أخطاء جسيمة أو لا فإن ردود الفعل أثارت تساؤلات مشروعة حول مدى المساواة والعدالة في التعامل مع جميع المنتخبات بعيدًا عن النفوذ أو المكانة أو الانتماء.
إن أخطر ما في العنصرية أنها لا تقتصر على التمييز بين الأفراد، بل تخلق شعورًا دائمًا بالظلم وفقدان الثقة في المؤسسات الدولية وعندما يشعر الإنسان أن حقوقه قد تختلف باختلاف هويته، فإن ذلك يمثل تهديدًا حقيقيًا للمبادئ التي قامت عليها منظومة حقوق الإنسان.
إن العالم اليوم لا يحتاج إلى المزيد من الخطب عن حقوق الإنسان بل يحتاج إلى عدالة واحدة لا تعرف لونًا ولا جنسية وإلى معايير تُطبق على الجميع دون استثناء فحقوق الإنسان لا تفقد قيمتها عندما تُنتهك فقط بل تفقد قيمتها أيضًا عندما تُستخدم أداة للضغط على البعض بينما يُتغاضى عن انتهاكها عندما تتعارض مع المصالح.
إن الكرامة الإنسانية لا تُقاس بجواز السفر ولا بلون البشرة ولا بالموقع الجغرافي وإنما بكون الإنسان إنسانًا وعندما تدرك المؤسسات الدولية هذه الحقيقة وتتعامل مع الجميع بالميزان نفسه فقط عندها يمكن أن نقول إن العالم يسير بالفعل على طريق العدالة والمساواة لا على طريق الشعارات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك