شكّل الحكم الذي أصدرته المحكمة الجنائية في العاصمة النمساوية فيينا، يوم الإثنين 6 تموز 2026، والقاضي بسجن كلٍّ من العميد السابق في مخابرات نظام الأسد خالد الحلبي، والمقدم مصعب أبو ركبة، ثماني سنوات لكل منهما، انتصاراً جديداً لمسار العدالة الجنائية الدولية، ورسالةً واضحة بأن جرائم الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان لا تسقط بالنسيان، ولا يحول مرور الزمن دون ملاحقة مرتكبيها متى توافرت الأدلة وأُتيحت الولاية القضائية.
جاء هذا الحكم نتيجة الجرائم التي ارتكبها المدانان خلال ممارستهما مهامهما الأمنية منذ اندلاع الثورة السورية وحتى تحرير مدينة الرقة مطلع عام 2013.
وقد أسهمت الملفات التي جمعتها اللجنة الدولية للعدالة والمساءلة (CIJA) في دعم التحقيقات، بعدما بذل محققوها جهوداً استثنائية على مدى سنوات في جمع شهادات الضحايا وذويهم، ممن تحلّوا بشجاعة كبيرة في الإدلاء بإفاداتهم رغم ما حملته من آلام ومخاطر.
واستطاع الادعاء العام النمساوي، استناداً إلى هذه الأدلة، بناء ملف قضائي متكامل استوفى المعايير الجنائية المطلوبة، قبل إحالته إلى المحكمة التي أصدرت حكمها استناداً إلى وقائع موثقة وأدلة قانونية راسخة.
نجحت اللجنة في جمع ملايين الصفحات من الوثائق الرسمية، وآلاف إفادات الشهود والضحايا، بما جعل أرشيفها مرجعاً رئيسياً تعتمد عليه سلطات إنفاذ القانون والنيابات العامة في الولايات المتحدة وأوروبا عند ملاحقة المتهمين بارتكاب جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانيةولم تكن هذه المحاكمة سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من المحاكمات الأوروبية التي استندت إلى الأدلة التي وفرتها" سيجا"، في إطار الجهود الدولية الرامية إلى مكافحة الإفلات من العقاب، وترسيخ مبدأ المسؤولية الجنائية الفردية عن الجرائم الدولية.
فماذا يعرف السوريون والسوريات عن اللجنة الدولية للعدالة والمساءلة (سيجا)، التي استطاعت خلال سنوات الحرب بناء واحد من أكبر الأرشيفات الجنائية المتعلقة بالجرائم المرتكبة في سوريا؟لقد نجحت اللجنة في جمع ملايين الصفحات من الوثائق الرسمية، وآلاف إفادات الشهود والضحايا، بما جعل أرشيفها مرجعاً رئيسياً تعتمد عليه سلطات إنفاذ القانون والنيابات العامة في الولايات المتحدة وأوروبا عند ملاحقة المتهمين بارتكاب جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية ممن يقيمون داخل ولاياتها القضائية.
فعلى سبيل المثال، أعدّت اللجنة حتى الآن ملفات قانونية بحق اثنين وعشرين من كبار مسؤولي النظام السوري السابق، كما أقامت شراكات مع (76) جهة من أجهزة إنفاذ القانون، و(16) منظمة غير حكومية، و(9) منظمات متعددة الأطراف.
وفي إطار هذا التعاون، تلقت اللجنة (427) طلباً للحصول على معلومات تتعلق بالشهود، إضافة إلى (5636) طلباً للحصول على وثائق، و(909) طلبات مقابلات مع شهود، كما أنجزت دراسة (27) ملفاً لمشتبه بهم، وأعدّت (3) دراسات تحليلية و(22) مذكرة إحاطة.
ولم تتوقف جهود اللجنة عند دعم المحاكمات الأوروبية، بل بادرت منذ الأيام الأولى لتحرير دمشق إلى التواصل مع الحكومة السورية الجديدة، حيث زار وفدها العاصمة السورية، والتقى مسؤولين في وزارات الخارجية والداخلية والعدل والطوارئ، إضافة إلى النائب العام، وقضاة التحقيق، والهيئة العليا للعدالة الانتقالية، ولجنة المفقودين.
وقد أثمرت تلك اللقاءات تفاهماتٍ أولية مع وزارة العدل لتنفيذ عدد من برامج التعاون، فيما تتواصل الزيارات بصورة دورية، وتعمل اللجنة حالياً على استكمال إجراءات ترخيص عملها رسمياً وفق القوانين السورية النافذة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك