لا تزال العودة إلى مدينة النبطية جنوبي لبنان، خجولة، رغم وقف النار المُعلَن، والاتفاق الإطاري الموقّع في 26 يونيو/ حزيران الماصي، وذلك لعاملين أساسيَّين؛ الأول أمني، يفرضه وجود الاحتلال الإسرائيلي على مشارفها، واستمراره باعتداءاته على مستوى القضاء، ما يُسفر عن سقوط مزيدٍ من الشهداء والجرحى؛ والثاني مرتبط بالدمار الواسع الذي حلّ بها، وطاول معالمها وهويتها التاريخية.
وتعرّضت مدينة النبطية، التي تُعتبر عاصمة الجنوب الإدارية والاقتصادية، وتضمّ كل الدوائر الحكومية والمؤسسات الرئيسية التي تخدم المنطقة بأكملها، لاعتداءات إسرائيلية عنيفة، أسفرت عن سقوط 170 شهيداً، وتركّزت على أسواقها التجارية والتراثية، واستهداف ما تبقى من أعمدتها الاقتصادية، بعد عدوان 2024، إلى جانب ضرب مدارسها ودوائرها الرسمية، والمقابر والأضرحة، ومقارّ البنك المركزي والدفاع المدني، وأحيائها السكنية ومواقع أخرى، علماً أنّ الدمار الأكبر سُجِّل في آخر 72 ساعة قبل إعلان وقف إطلاق النار، ليل 16- 17 إبريل/ نيسان الماضي.
ورصد" العربي الجديد"، في جولة بمدينة النبطية أمس الخميس، حجم الدمار الواسع الذي طاول المدينة، وأهمّ معالمها، وحال الترقّب المستمرّ عند الأهالي الذين يتابعون التطورات السياسية في لبنان والمنطقة، " أولاً بأول"، وينزحون من جديد عند كلّ" انتكاسة" للمفاوضات الإيرانية الأميركية، ويتردّدون في الاستقرار، مع مواصلة إسرائيل اعتداءاتها على بلدات في قضاء النبطية، مثل النبطية الفوقا، والاستهداف الذي طاول مطلع الأسبوع، المربية إسبيرانزا غندور، وأدى إلى استشهادها مع ثلاثة أشخاص آخرين، وهو ما يؤثر في قرارات الأهالي، وأعمالهم، وفق ما يؤكده بعض السكان.
وفي معاينة ميدانية، استهدف الاحتلال بشكل رئيسي حي السراي الأثري، وسوق النبطية التاريخي، ودمّر محاله، وحوّل العديد من العمارات التراثية والأحياء والبيوت القديمة إلى ركام، وألحق أضراراً بالمحال والمؤسسات والدوائر الرسمية، مع تدمير كلّي للمركز الرئيسي للدفاع المدني، ليغيّر بذلك ملامح المدينة، التي أصبحت في جزء كبير منها، بمثابة" لوحة ردم وأنقاض".
كما بدّلت الاعتداءات الإسرائيلية عادات المدينة اليومية، بعدما غاب عن شوارعها غالبية باعتها، وزحمة سياراتها وناسها، ودُمّر حي السرايا الذي انطلقت من خلاله ثورة التبغ والتنباك في الجنوب، والذي كان يقصده أهالي المدينة ومحيطها وسكان الأطراف، وأبناء صيدا، كما دُمّرت محلاتها المشهورة صباحاً بالسحلب و" الكرواسون"، والتمرية، والزلابية.
" النبطية اليوم، لم تعد كما كانت"، بهذه الكلمات تصف صاحبة سوبرماركت لـ" العربي الجديد"، (فضّلت عدم ذكر اسمها)، الحال في المدينة.
وتتابع: " الشوارع كانت تنبض بالحياة، وزحمة المتجوّلين والمتسوّقين والتجار، أما الآن فهي شبه خالية.
في ساعات الليل تنام باكراً".
وعلى الرغم من أنها اختارت العودة منذ أسبوعين تقريباً، إلا أنها في الوقت نفسه، تترك حقيبتها موضّبة داخل منزلها، فالخشية لا تزال موجودة من تجدّد الحرب والنزوح، خصوصاً أن الهدنة دائماً ما كانت تُخرق على صعيد مدينة النبطية، وفق ما تقول، وتشير إلى أنها لا تشتري الكثير من البضائع لمحلّها، لا سيما تلك التي تنتهي صلاحيتها سريعاً كالأجبان والألبان، إمّا لأن هناك قلّة تشتريها، باعتبار أن عدد العائدين خجول جداً، أو لأن الإمكانات المادية باتت محدودة، بينما تركز في محلّها على بيع المياه وبعض المواد الأساسية، والمعلّبات.
وفي محلّه لبيع الخضار والفواكه، يجلس محمد جعارة ويتبادل الحديث مع أصدقائه، معوّلاً على بعض الحركة خلال فترة النهار، فهو من العائلات التي اختارت العودة، رغم المخاطر القائمة والتحديات المستمرّة، " فهذه بلدنا، وحياتنا، هنا عشنا وهنا نموت"، وفق ما يؤكد.
ويشير جعارة إلى أن العودة كانت" مؤثرة جداً، فالمنظر مبكٍ ومحزن، في ظلّ مشهد الدمار الكبير، والتحديات الكبيرة أيضاً"، إذ إنّ أضراراً عدة أصابت ممتلكاته، منها قبل وقف النار بساعة فقط، وهو حال النبطية ككلّ" التي باتت منكوبة، وتحتاج إلى فريق عمل كبير، ودولة ومؤسسات ومغتربين حتى تنهض من جديد"، بحسب ما يقوله لـ" العربي الجديد".
ويلفت جعارة إلى أنّ" هناك عائلات لا تزال متردّدة بالعودة، ومنها من عاد ثم غادر بعد التطورات الأخيرة على وقع التصعيد الأميركي الإيراني، وهناك من يصمد لوحده، واختار البقاء"، مشيراً إلى أن الحركة خفيفة في النهار، وفي الليل تخلو الشوارع، فالناس تبقى في بيوتها، بينما يحلّق الطيران الحربي الإسرائيلي بشكل مستمرّ في أجواء المدينة.
ويتفق المواطن حيدر دقدوق مع جعارة، في وصف المشهد في النبطية، ويقول: " النبطية لم تعد كما كانت، وقد غادرها ثلاثة أرباع أهلها، والكثير منهم يفضّل عدم العودة في ظلّ المخاطر الأمنية القائمة، ومواصلة إسرائيل تنفيذ ضربات على بلدات محيطة بالمدينة وقريبة منها، كالنبطية الفوقا".
أما هادي حسن زريق، فقرّر بدوره العودة وفتح مطعمه من جديد، رغم الأضرار التي أصابته، هو الذي استُهدف محلّه ثلاث مرّات، مع تأكيده بـ" أننا سنعود أقوى مما كنّا عليه"، وحرصه على فتح أبوابه لساعات الليل، وتوفير خدمة توصيل الطعام لكل المناطق المفتوحة، إذ هناك وفق تعبيره، " أناس كثر صامدون، علينا توفير المأكل والمشرب لهم".
ويلفت زريق إلى أنّ المواطنين يتأثرون طبعاً بالأخبار التي تُنشر في وسائل الإعلام، كما بالوضع الأمني في البلدات المحيطة بها، فالضربات مستمرّة على النبطية الفوقا، وكفرتبنيت، وعلي الطاهر، وغيرها، ما يدفع بالعديد من السكان، لا سيما العائلات، إلى المغادرة.
رئيس بلدية النبطية يفصّل حجم الدماروفي متابعة لواقع النبطية الميداني، يقول رئيس بلديتها عباس فخر الدين لـ" العربي الجديد"، إنّ" النبطية وهي مدينة الشهداء، أصبحت منكوبة الآن، فهي تعرّضت لهجمات ضخمة وكبيرة جداً، إذ صبّ العدو جام غضبه على المدينة والقرى المجاورة، ظناً منه أنه بذلك يكسر إرادة المواطن الجنوبي، ويكسر إرادة أهل هذه المدينة ومنطقتها، ولكن إن شاء الله هذا الأمر لم ولن يتحقق"، لافتاً إلى أن البلدية بصدد تقديم دعوى قانونية بجرائم الحرب التي ارتكبها الاحتلال الإسرائيلي.
ويلفت فخر الدين إلى أنّ" وسط النبطية لا يتعرض اليوم لاعتداءات، لكن الجو العام في القرى والبلدات المحيطة بالمدينة، يخلق حالة عدم اطمئنان عند المواطن لناحية البقاء في المنطقة"، مشيراً إلى أن وسط المدينة بدأ يشهد عودة تدريجية، بنسبة 40% تقريباً من عدد السكان، الذي هو بالأساس 25 ألف عائلة تقريباً، لكن العامل النفسي يبقى قائماً، فالمدينة رغم الهدنة، تعرّضت في أواخر شهر يونيو/ حزيران الماضي، لغارة عنيفة استهدفت حي المسلخ، وسوّت ثلاثة منازل فيه بالأرض، وهو ما دفع عائلات حاولت العودة، إلى النزوح من جديد.
وفي تفصيل لحجم الأضرار، يقول فخر الدين إنّ نسبتها بالمقارنة ما بين 2024 و2026 كبيرة جداً، خصوصاً في آخر 72 ساعة قبل وقف النار، حيث سُجل خلالها أكثر من نصف الأضرار التي حلّت بالمدينة خلال ما يزيد عن مائة يوم من الحرب، ولا سيما بعدما بدأ الهجوم المركّز على علي الطاهر، والنبطية الفوقا، وكفرتبنيت، والأحزمة النارية حول مدينة النبطية بشكل مكثف وعنيف ومرعب جداً، " بما يدل على همجية قلّ نظيرها بالتاريخ".
ويضيف أمّ" ما يقارب 750 وحدة سكنية دُمّرت بالكامل، ربطاً بإحصاء بنسبة 85%، وهناك أيضاً أضرار ترميم بنسبة 50%، بما يقارب 2500 وحدة سكنية، وترميم دون المتوسط، وأقله 3750 وحدة سكنية، أما في المحلات التجارية، سواء في السوق التاريخي أو الرئيسي في وسط المدينة أو الأسواق الممتدة من الوسط باتجاه النبطية الفوقا وأوتوستراد الرئيس نبيه بري أو منطقة كفرجوز، فهناك ما يقارب 2250 محلاً تجارياً متضرراً"، مشيراً إلى أن حي السراي الأكثر تضرراً، كما البيوت القديمة والأثرية.
ويشدد فخر الدين على أن" كلّ تركيز العدو كان يصبّ على نقطتين أساسيتين؛ الأسواق التجارية لضرب الاقتصاد للمواطنين، والأبنية السكنية وخصوصاً التراثية منها، فهناك ضرر بما يقارب 400 وحدة سكنية تراثية مسجلة في منظمة الأمم المتحدة للتربية والتعليم والثقافة (يونسكو) عبر وزارة الثقافة، وأحياء تراثية كحي السرايا، علماً أن النبطية سُمّيت حي السرايا، فالسرايا العثمانية هنا، وتفرّعت من هذا الحي أحياء أخرى مثل البياض، والمسلخ، والراهبات، وغيرها"، لافتاً إلى أن النبطية قدّمت في هذه الحرب 170 شهيداً، وعام 2024 ما يقارب 150 شهيداً، إلى جانب الجرحى".
حجم الأضرار في مدينة النبطيةأُنشئ هذا الرسم البياني بواسطة الذكاء الاصطناعيوحول وضع النبطية في ظلّ الاحتلال الموجود في بلدات محيطة، يشرح فخر الدين أن حي المسلخ شرقي النبطية يُعتبر شبه خط تماس، كونه ملاصقاً تماماً للنبطية الفوقا، وعلى مشارفه في أعلى التلال، يقع موقع علي الطاهر المسيطر على المنطقة ككلّ، معتبراً أن" هناك مكمن الخطر، ولبّ المعركة، ففي حال سقط، سقطت المنطقة ككلّ من الناحية العسكرية".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك