ليست المدينة مجرد أبنية وشوارع، بل فضاء حيّ تتشكل داخله الأفكار والفنون والأنماط الثقافية، ومن هذا المنطلق تعاملت الفلسفة مع المدينة باعتبارها بيئة تنتج التعقيد الجمالي والفكري، وهو ما ينطبق على حلب التي استطاعت عبر قرون أن تجعل من الموسيقى جزءًا أساسيًا من هويتها.
وتحولت الموسيقى في حلب إلى لغة خاصة تعبّر عن روح المكان وذاكرته، إذ احتلت مساحة واسعة في الحياة اليومية، لتصبح المدينة مركزًا للمطربين والمنشدين ووجهة لطلاب الموسيقى من مناطق مختلفة.
ومن أبرز ثمار هذه التجربة الفنية ظهور الموشحات الحلبية، التي تعود جذورها إلى الموشح الأندلسي، قبل أن تعيد حلب صياغتها وتمنحها طابعها الخاص.
ويمكن اختصار خصوصية المدرسة الحلبية بثلاثة مفاهيم: الشوق بما يحمله من عاطفة، والذوق باعتباره حسًا جماليًا، والجوق في إشارة إلى الفرقة الموسيقية.
ولا يُفهم الطرب الحلبي بوصفه مجرد حالة وجدانية، بل كظاهرة حضرية مركبة تجمع بين الحرفة والإتقان والنشوة التي تصنعها الموسيقى، وهي نشوة ترتبط بتغير الإحساس بالزمن والوعي، كما وصفها الفيلسوف وعالم النفس ويليام جيمس.
أعلام الطرب الحلبي وإرث الموشحات والقدودبرز عمر البطش كأحد أهم أعمدة الموسيقى الحلبية في القرن العشرين، إذ أسهم في نقل الموشحات من مجالس الطرب إلى التعليم الموسيقي والعروض الفنية، مؤسسًا تقليدًا ترك أثرًا في أجيال لاحقة.
كما شكل صبري مدلل، المعروف بـ" شيخ الطرب"، حلقة بارزة في مسيرة هذا الفن، بعدما انتقل من الإنشاد الديني إلى تقديم الموشحات والقدود الحلبية، مؤكدًا أن المدرسة الحلبية لم تعرف فصلًا حادًا بين الروحاني والدنيوي.
أما حسن حفار فمثّل الجانب الصوفي العميق للموسيقى الحلبية، في حين كان صباح فخري أبرز من نقل القدود الحلبية إلى الجمهور العالمي، فلم يكن مجرد مؤدٍ للتراث، بل صاحب رؤية تقوم على العلاقة التفاعلية بين المطرب والسامع، حيث يصبح الجمهور شريكًا في صناعة اللحظة الموسيقية.
ولا تزال الموشحات والقدود الحلبية مجالًا للبحث حول نشأتها وتطورها، ودورها في التعبير عن التنوع الثقافي والديني الذي ميّز مدينة حلب وتأثيراتها المتبادلة مع محيطها الإقليمي.
الموسيقى الحلبية نتاج تفاعل ثقافي متعددوفي هذا الصدد، أكد الموسيقي والباحث في التراث الموسيقي السوري والمتخصص في القدود والموشحات الحلبية، إبراهيم السلماني، أن الموسيقى الحلبية تشكلت عبر قرون من التفاعل بين ثقافات متعددة، مشددًا على أنه لا يمكن نسب هذا الإرث إلى مكوّن ثقافي واحد، بل هو نتاج مدينة ذات هوية موسيقية مركبة.
وأوضح مؤسس فرقة نوى، الذي تحدث من مدينة غازي عنتاب التركية، أن الموشح بدأ بوصفه فنًا شعريًا تطور بعيدًا عن البحور والتفعيلات التقليدية، قبل أن ينتقل من الأندلس إلى حلب، حيث أعادت المدينة صياغته موسيقيًا وفنيًا عبر مراحل تاريخية مختلفة، من العصور العباسية والأيوبية والمملوكية وصولًا إلى العهد العثماني.
وأشار، خلال حضوره ضيفًا على برنامج" ضفاف" الذي يبث على قناة" العربي 2"، إلى أن الموشح يختلف عن القد الحلبي، إذ يتميز ببنية موسيقية أكثر تعقيدًا وجزالة، بينما يمثل القد تعبيرًا أقرب إلى الأغنية الشعبية المرتبطة بحياة الناس ولهجاتهم المتنوعة، معتبرًا أن القد هو" الموسيقى الشعبية للمدينة".
حلب.
ملتقى التأثيرات الموسيقيةولفت السلماني إلى أن التراث الموسيقي الحلبي لا يمكن ربطه بجذور عربية أو عثمانية أو سريانية أو كردية فقط، بل هو مزيج من روافد مختلفة، مستشهدًا بحضور شخصيات من خلفيات دينية وثقافية متعددة أسهمت في تشكيل المشهد الموسيقي للمدينة.
كما أكد أن دور النساء كان أساسيًا في حفظ هذا التراث ونقله، إذ شكلت مجالس السيدات مساحة مهمة لتعلم الموشحات والقدود قبل انتقالها إلى المسارح والمنابر العامة.
وعن العلاقة مع الموسيقى العثمانية، أوضح السلماني أنها كانت علاقة تبادل وتأثير متبادل، مشيرًا إلى أن حلب أثرت في الموسيقى العثمانية كما تأثرت بها، خاصة في قوالب مثل الموشحات والوصلة والموسيقى الصوفية.
وتحدث السلماني عن تأسيسه فرقة نوى عام 2009، بهدف حفظ التراث الموسيقي الحلبي، مؤكدًا أن اختزال هذا الإرث في تسجيلات بعض المطربين لا يعكس حجم الثراء الموسيقي الذي تمتلكه المدينة.
كما أسس لاحقًا مؤسسة" نفس للفنون والثقافة" لمواصلة مشاريع التوثيق والبحث والنشر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك