الجزيرة نت - ريال مدريد يتجاوز إنجاز برشلونة 1994 ويكتب التاريخ في كأس العالم العربي الجديد - الشرطة تحقق في تبرعات حزب "الإصلاح البريطاني" قبل انتخابات 2024 الجزيرة نت - رفع سوريا من "قائمة الإرهاب" يكسر عزلتها الرقمية؟ القدس العربي - مجلس الولايات الألمانية يؤيد تجريم الإنكار العلني لحق إسرائيل في الوجود قناة القاهرة الإخبارية - نشرة أخبار الثالثة عصرا من القاهرة الإخبارية قناه الحدث - إيران تتوعد بضرب إسرائيل في حال مهاجمة بناها التحتية العربي الجديد - خاص | وفد قطري يجري مباحثات في مشهد لخفض التصعيد بين طهران وواشنطن الجزيرة نت - الإمارات العالمية للألومنيوم تستأنف عمليات مصفاة الطويلة العربية نت - رويترز: مفاوضون قطريون سيلتقون مسؤولين إيرانيين في طهران لتهدئة التوترات القدس العربي - مدرب سويسرا يؤكد على قدرة فريقه على تخطي عقبة الأرجنتين
عامة

مدن إدلب المنسية.. كنز أثري عالمي صمد آلاف السنين ويواجه خطر الضياع

تلفزيون سوريا
تلفزيون سوريا منذ ساعتين

تحتضن محافظة إدلب واحدة من أكثر المجموعات الأثرية إثارة للدهشة في العالم، إذ تقف عشرات القرى الحجرية شاهدة على مراحل تاريخية متعاقبة تمتد من عصور ما قبل الميلاد وصولا إلى الفترات الرومانية والبيزنطية....

تحتضن محافظة إدلب واحدة من أكثر المجموعات الأثرية إثارة للدهشة في العالم، إذ تقف عشرات القرى الحجرية شاهدة على مراحل تاريخية متعاقبة تمتد من عصور ما قبل الميلاد وصولا إلى الفترات الرومانية والبيزنطية.

وتضم المحافظة أكثر من أربعين قرية أثرية بنيت من الحجر الكلسي الصلب، إضافة إلى مئات المواقع الأثرية التي توثق تاريخ الاستقرار البشري وتطور الزراعة والعمران والحياة الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة.

وتعد" المدن المنسية" في إدلب، والمسجلة على لائحة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو، من أبرز الشواهد على ازدهار الحضارات في شمال غربي سوريا، إذ ما تزال مبانيها وكنائسها ومدافنها ومعاصرها قائمة حتى اليوم، لتقدم صورة عن مجتمع امتلك تقنيات متقدمة في البناء والزراعة وإدارة الموارد قبل أكثر من ألف عام.

لكن هذا الإرث الحضاري واجه خلال العقود الماضية إهمالا متراكما، إذ بقيت هذه المواقع بعيدة عن الاستثمار السياحي والتعريف الإعلامي، كما تعرضت خلال سنوات الثورة السورية للقصف والتنقيب غير المشروع، إضافة إلى الأضرار التي لحقت بها من جراء الزلزال الذي ضرب المنطقة عام 2023، ما جعل عددا منها أمام خطر فقدان أجزاء من معالمها التاريخية.

قرى حجرية تحكي تاريخ الحضاراتويطلق اسم" المدن المنسية" على مجموعة من القرى والمواقع الأثرية التي تعود إلى الفترة الواقعة بين القرنين الأول والسابع الميلاديين، وشهدت ازدهارا كبيرا بين القرنين الثاني والسابع، قبل أن يهجرها سكانها خلال الفترة الممتدة بين القرنين الثامن والعاشر الميلاديين.

وكان الرحالة الفرنسي شارل دي فوغي قد زار المنطقة عام 1861 برفقة بعثة علمية، وهو أول من أطلق على هذه القرى اسم المدن المنسية، بعدما وجد مواقع أثرية حافظت على كثير من خصائصها العمرانية رغم مرور قرون طويلة.

ولم تكن هذه القرى مجرد مستوطنات معزولة، بل كانت مراكز زراعية واقتصادية مزدهرة، اعتمد سكانها على إنتاج وتصدير زيت الزيتون والنبيذ والحبوب إلى مناطق مختلفة ضمن الإمبراطورية الرومانية.

وتكشف آثار هذه المدن عن مستوى متقدم من الهندسة المعمارية، إذ بنيت المنازل من الحجر من دون استخدام الطين لتثبيتها، واعتمد الحرفيون السوريون القدماء على نحت الحجارة وتركيبها بطريقة دقيقة جعلتها تقاوم عوامل الزمن والزلازل.

كما تحتوي القرى على معاصر زيتون ونبيذ ضخمة، وحمامات عامة، وكنائس من العصر البيزنطي، ومعابد من الحقبة الوثنية للإمبراطورية الرومانية، إضافة إلى أنظمة متطورة لجمع مياه الأمطار عبر خزانات أرضية وصهاريج حجرية.

وتضم محافظة إدلب نحو 600 موقع أثري، بينها تلال تعود إلى ما قبل الميلاد، حيث أظهرت المسوحات الأثرية في تلال عين الكرخ وعبد العزيز وعري في منطقة الروج وجود استقرار بشري منذ نحو 5500 قبل الميلاد، وهي الفترة التي عرف فيها الإنسان الانتقال إلى الزراعة وتدجين الحيوانات.

وفي الألف الثالث قبل الميلاد ظهرت مملكة إبلا في تل مرديخ، والتي شكل اكتشافها تحولا مهما في الدراسات التاريخية والأثرية حول العالم.

وتعد قرية البارة في جبل الزاوية من أكبر المواقع الأثرية في محافظة إدلب، وكانت خلال الفترة البيزنطية مركزا اقتصادياً مهما مرتبطاً بشبكات الطرق التجارية بين أنطاكيا وأفاميا وحلب.

وتنتشر في البارة المدافن الحجرية الهرمية الضخمة، التي تتألف من قاعدة مربعة مبنية من الحجارة الكلسية المنحوتة، يعلوها هرم، إضافة إلى الزخارف التي تغطي حواف القواعد والأبواب.

كما تضم البارة بقايا كنائس تعود إلى أواخر القرن السادس الميلادي، إضافة إلى دير سوباط الذي يعود إلى القرن السادس، وتكشف هذه الأبنية عن مستوى الثراء الذي وصلت إليه المنطقة خلال تلك الفترة.

ومن المواقع المهمة أيضا مدينة سرجيلة، التي تضم حماماً يعود إلى عام 473 ميلادي، ومعاصر زيتون تعود إلى القرن السادس الميلادي، وخزانات مياه صخرية كانت تستخدم لجمع مياه الأمطار ونقلها عبر أنابيب حجرية إلى الحمامات.

وتكشف بقايا الحمام في سرجيلة عن نظام هندسي متطور، إذ وجدت في أرضيته فسيفساء كتب عليها اسم يولانيوس وزوجته ديمينة، كما تظهر أنظمة تسخين المياه وتجميعها داخل الصهاريج الحجرية.

وتضم سرجيلة كذلك مدافن حجرية" نواويس"، كان لكل واحد منها رمز خاص بالعائلة، حيث كانت تستخدم لدفن أفراد العائلة الواحدة.

أما كنيسة قلب لوزة فتعد من أبرز نماذج العمارة البيزنطية في المنطقة، وتعود إلى أواخر القرن الخامس الميلادي، وتمتاز بتصميمها من نوع البازيليك وبزخارفها النباتية والهندسية المحفورة على الحجر الكلسي.

ويحيط بالكنيسة نحو عشرين موقعا أثرياً، وتعد من الأبنية التي أثرت في تطور العمارة الكنسية لاحقاً، إذ يشير مختصون إلى أن تصميمها كان ملهما لعدد من الكنائس في العالم وأوروبا.

عقود من الإهمال وخطر الاندثارورغم القيمة الأثرية الكبيرة للمدن المنسية، بقيت هذه المواقع خلال عقود حكم نظام الأسد الأب والابن بعيدة عن الاهتمام السياحي والثقافي، إذ لم تحصل على البنية التحتية اللازمة من طرق ومراكز تعريفية وخدمات سياحية.

ويرى مختصون أن إدلب التي تحتضن ثلث آثار سوريا تقريبا، لم تحصل على الاهتمام الذي تستحقه مقارنة بمواقع أثرية أخرى، إذ غابت المدن المنسية عن المناهج الدراسية والترويج الإعلامي الرسمي، ما جعل هذا الإرث الحضاري بعيدا عن معرفة كثير من السوريين.

كما أدى غياب الحماية إلى تعرض بعض المواقع للسرقة والتنقيب غير المشروع، قبل أن تتفاقم الأضرار خلال سنوات الثورة السورية نتيجة للقصف، وتحول بعض المواقع إلى أماكن لإيواء النازحين.

وتعرضت المدن المنسية أيضا لأضرار بسبب الزلزال الذي ضرب المنطقة عام 2023، إضافة إلى التوسع العمراني وتآكل العناصر الزخرفية في بعض الأبنية.

ويؤكد المختصون أن هذه المواقع تحتاج إلى مشاريع حقيقية للتوثيق والترميم، إذ جرى حتى الآن توثيق سبعة مواقع من أصل اثني عشر موقعا أثريا، وتفاوتت نسبة الأضرار فيها بين 5 و40 في المئة، كما أعدت مشاريع ترميم ورفعت إلى الجهات المختصة تمهيدا لعرضها على منظمة اليونسكو.

ورغم حجم التحديات، بقي الأهالي عامل الحماية الأبرز لهذه المواقع، حيث حافظوا عليها رغم غياب المشاريع الكبرى، في حين تتزايد الدعوات لإعادة النظر في واقع هذا الكنز الحضاري، وإنشاء خطة تشاركية بين الجهات الحكومية المعنية ووزارتي السياحة والثقافة ومديريات الآثار.

فالمدن المنسية في إدلب ليست مجرد حجارة قديمة، بل سجل مفتوح لتاريخ الإنسان في هذه المنطقة، وحفاظها لا يمثل حماية للتراث فقط، بل حماية لذاكرة حضارية تمتد آلاف السنين.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك