عادت الطائرات الأمريكية لتستهدف مواقع داخل الأراضي الإيرانيةفي تطور أعاد المنطقة إلى نقطة الصفر، وأحيا المخاوف من انزلاق الشرق الأوسط إلى مواجهة واسعة قد تكون الأكثر خطورة منذ عقود.
ومع ذلك، فإن قراءة المشهد بعيدا عن الانفعال الذي يرافق عادة الساعات الأولى لأي تصعيد، تقود إلى استنتاج مغاير؛ فليس كل تصعيد يقود بالضرورة إلى حرب شاملة، كما أن كل ضربة عسكرية لا تعني بالضرورة انهيار المسار الدبلوماسي.
فالولايات المتحدة وإيران تتحركان منذ سنوات داخل معادلة دقيقة تقوم على مبدأ الردع المتبادل، واستخدام القوة لتحسين شروط السياسة، لا لاستبدالها.
فمنذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979، لم تدخل واشنطن وطهران في حرب مباشرة رغم تعدد ساحات الاشتباك بينهما، سواء في الخليج أو العراق أو سوريا أو لبنان أو البحر الأحمر.
وحتى في أشد لحظات التوتر، كان الطرفان يحرصان على إبقاء خيط رفيع يمنع انتقال المواجهة من حرب بالوكالة أو ضربات محدودة إلى صدام شامل.
وما يحدث اليوم، رغم خطورته، لا يبدو خارج هذا الإطار، وإن كانت هوامش المناورة أصبحت أضيق بكثير، وأصبح احتمال الخطأ في الحسابات أكبر من أي وقت مضى.
وتدرك الإدارة الأمريكية أن أي حرب مفتوحة مع إيران لن تشبه الحروب التي خاضتها في العراق أو أفغانستان.
فإيران ليست دولة معزولة عسكريا، ولا تمتلك جيشا تقليديا فحسب، بل بنت على مدى عقود منظومة ردع متعددة المستويات، تشمل ترسانة صاروخية كبيرة، وقدرات متطورة في الطائرات المسيرة، ونفوذا إقليميا عبر حلفاء وشركاء في أكثر من ساحة.
ولهذا فإن أي قرار بالانتقال إلى حرب شاملة لن يقتصر أثره على الجغرافيا الإيرانية، بل سيمتد إلى الخليج والعراق وسوريا ولبنان والبحر الأحمر، وربما إلى مصالح أمريكية وغربية في مناطق أخرى من العالم.
وفي المقابل، لا تقل القيادة الإيرانية إدراكا لحجم المخاطر.
فالحرب الشاملة قد تمنح الولايات المتحدة وحلفاءها مبررا لاستهداف البنية العسكرية والاقتصادية الإيرانية بصورة غير مسبوقة، في وقت لا يزال الاقتصاد الإيراني يرزح تحت وطأة العقوبات، ويعاني من ضغوط داخلية لا تخفى على أحد.
لذلك تبدو طهران حريصة على تحقيق معادلة دقيقة مفادها الرد بما يحفظ هيبتها وقدرتها على الردع، ولكن دون الوصول إلى مستوى يجبر واشنطن على اتخاذ قرار بالحرب المفتوحة.
إنها سياسة تقوم على رفع كلفة المواجهة على الخصم، لا على البحث عن معركة فاصلة معه.
ولهذا تبدو فرضية الحرب المحدودة أكثر واقعية من سيناريو الحرب الشاملة.
فالولايات المتحدة ستواصل، على الأرجح، استهداف ما تعتبره مصادر تهديد مباشر لقواتها أو للملاحة الدولية، بينما سترد إيران بوسائل مختلفة، سواء عبر عمليات مباشرة ومدروسة أو من خلال أدوات نفوذها الإقليمية.
وستظل خطوط الاشتباك مفتوحة، لكنها ستبقى، في الغالب، محكومة بسقف غير معلن يحرص الطرفان على عدم تجاوزه، لأن تجاوز هذا السقف يعني الدخول في حرب لا يمكن التنبؤ بمآلاتها.
غير أن أخطر ما في هذه المرحلة ليس نيات الطرفين، بل احتمال فقدان السيطرة على مسار الأحداث.
فالتاريخ الحديث مليء بأزمات بدأت بضربات محدودة، ثم تحولت إلى حروب واسعة بسبب خطأ في التقدير أو رد فعل غير محسوب.
وإذا أسفرت إحدى الضربات عن سقوط أعداد كبيرة من الجنود الأمريكيين، أو إذا تعرضت منشآت نفطية استراتيجية في الخليج لهجوم واسع، أو إذا تعطلت الملاحة في مضيق هرمز لفترة طويلة، فقد تجد واشنطن نفسها أمام ضغوط سياسية وعسكرية تدفعها إلى تجاوز سياسة الاحتواء، بينما قد ترى إيران أن التراجع في تلك اللحظة سيفسر بوصفه هزيمة استراتيجية، وهو ما يجعل دائرة التصعيد تتوسع تلقائيا.
ورغم الضجيج العسكري، فإن حديث البعض عن نهاية المفاوضات يبدو متسرعا.
فالعلاقة بين واشنطن وطهران لم تكن يوما علاقة حرب أو سلام، بل علاقة تجمع بين الضغط والتفاوض في الوقت نفسه.
وفي كثير من المحطات، كانت القنوات الدبلوماسية تعمل بصمت فيما كانت الطائرات والصواريخ تتبادل الرسائل في العلن.
ولذلك فمن المرجح أن تستمر الوساطات الإقليمية والدولية، سواء عبر دول الخليج أو سلطنة عمان أو أطراف دولية أخرى، لأن الجميع يدرك أن البديل عن التفاوض هو الحرب المفتوحة التي قد تتجاوز آثارها حدود المنطقة.
ولا يقتصر الرهان في هذه الأزمة على الحسابات العسكرية والسياسية، بل يمتد إلى الاقتصاد العالمي الذي لا يزال يتعافى بصعوبة من تداعيات أزمات متلاحقة، من جائحة كورونا إلى الحرب في أوكرانيا، وصولا إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية.
فأي اضطراب طويل في الخليج لن يبقى شأنا إقليميا، لأن هذه المنطقة لا تزال تمثل شريانا رئيسيا لتدفقات الطاقة العالمية، ومضيق هرمز وحده يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط والغاز المنقولة بحرا.
ومن ثم فإن مجرد ارتفاع احتمالات المخاطر الأمنية كفيل بإشعال أسعار النفط، ورفع كلفة النقل والتأمين، وزيادة الضغوط التضخمية التي تعاني منها اقتصادات كبرى وصغرى على حد سواء.
صحيح أن العالم اليوم أكثر استعدادا لمواجهة صدمات الطاقة مما كان عليه قبل عقدين، بفضل تنويع مصادر الإمداد وزيادة الاحتياطيات الاستراتيجية، إلا أن ذلك لا يلغي حقيقة أن الأسواق المالية أصبحت أكثر حساسية تجاه الأزمات الجيوسياسية.
فالمستثمرون لا ينتظرون إغلاق مضيق هرمز حتى يتفاعلوا، بل يكفي أن ترتفع احتمالات حدوث ذلك حتى تبدأ موجات المضاربة، وترتفع أسعار النفط والذهب، وتتراجع شهية الاستثمار، وهو ما قد ينعكس سلبا على معدلات النمو العالمي في مرحلة لا تزال هشة اقتصاديا.
وبالتالي، يبدو أن الطرفين لا يبحثان عن الحرب بقدر ما يحاول كل منهما تحسين موقعه قبل العودة إلى طاولة التفاوض.
فالولايات المتحدة تريد أن تدخل أي مفاوضات جديدة من موقع القوة، وإيران تسعى إلى إثبات أن الضغوط العسكرية لن تدفعها إلى تقديم تنازلات مجانية.
وبين هذين الهدفين تستمر سياسة حافة الهاوية، حيث يقترب الطرفان من نقطة الانفجار دون أن يرغبا فعليا في تجاوزها.
لكن التاريخ يعلمنا أيضا أن أخطر الحروب ليست تلك التي يقررها القادة، بل تلك التي تفرضها الأخطاء وسوء التقدير.
ولهذا فإن مستقبل هذه المواجهة سيظل مرهونا بقدرة واشنطن وطهران على إدارة التصعيد بعقل بارد، لأن البديل لن يكون مجرد حرب بين دولتين، بل أزمة دولية ستكون كلفتها على الاقتصاد العالمي والاستقرار الإقليمي أكبر من أن يتحملها أي طرف.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك