قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الجمعة، إن قمة حلف شمال الأطلسي (ناتو) في أنقرة، كانت تاريخية من حيث التنظيم والنتائج، وتمثل نجاحا استثنائيا للسياسة الخارجية التركية.
وفي مقابلة مع قناة" تي أر تي" التركية الإخبارية، أشار فيدان، إلى أن أبرز مخرجات القمة تمثلت في تحول مفهوم" تقاسم الأعباء" من مجرد مفهوم نظري إلى سياسة عملية قابلة للتطبيق.
وأوضح أن القمة انعقدت في ظل نقاشات واسعة بشأن مستقبل الحلف، والعلاقات عبر الأطلسي، وقدرة الحلف على الردع، وسط أجواء من الغموض وعدم اليقين.
وأضاف أن تركيا، بفضل قيادة الرئيس رجب طيب أردوغان، ومخرجات سياستها الخارجية، أثبتت أن الحلف لا يزال يحتفظ بأهميته، وأن الخلافات بين ضفتي الأطلسي يمكن تجاوزها، كما أسهمت في إعادة التأكيد على الهدف الأساسي الذي تأسس من أجله الناتو، والمتمثل في الدفاع وحفظ السلام وتعزيز الاستقرار، وليس شن الحروب.
ولفت فيدان إلى أن الولايات المتحدة كانت تشتكي منذ فترة من تحملها العبء الأكبر في ضمان أمن أوروبا، في حين تستفيد الدول الأوروبية من المظلة الأمنية الأمريكية لتطوير أنظمتها الاجتماعية، وهو ما تحول إلى قضية سياسية داخل واشنطن.
وقال إن قمة أنقرة شهدت تحول مفهوم" تقاسم الأعباء" من مجرد مفهوم إلى سياسة قابلة للتطبيق عمليا.
وأضاف أن ذلك يعد أهم وأبرز مخرجات القمة، وأن الجدل بشأن هذه المسألة أصبح من الماضي.
وأكد فيدان، أن الصناعات الدفاعية أصبحت لا تقل أهمية عن القدرات العسكرية، بل تحولت إلى أحد المكونات الأساسية للأمن.
ولفت إلى أن الناتو أقر على المستوى المؤسسي بأهمية الصناعات الدفاعية في عمليات التخطيط الاستراتيجي، وأن هذا التوجه انعكس في وثائق الحلف وعقيدته الاستراتيجية.
وأضاف أن من أكثر القضايا التي نوقشت خلال القمة مسألة المرونة والصمود، موضحا أن التجارب الأخيرة للحروب أظهرت أهمية امتلاك مخزونات كافية من الذخائر، وضمان استدامة منظومات الدفاع، وتعزيز القدرات اللوجستية، الأمر الذي جعل المنتدى والسياسات الخاصة بالصناعات الدفاعية من أبرز محاور القمة.
وقال إن النهج الذي رسمه الرئيس أردوغان، والقائم على توحيد الأطراف وطرح رؤى بديلة للقضايا العالقة، أسهم في إنجاح القمة وجعلها محطة تاريخية بالنسبة لكل من الناتو وتركيا.
وأكد فيدان، أن مستقبل الحلف يجب أن يقرر بشأنه جميع أعضائه بصورة مشتركة، مشيرا إلى أن النقاش لا يزال قائما حول ما إذا كان أمن أوروبا سيقاد من قبل الاتحاد الأوروبي وحده أم بمشاركة الدول الأوروبية غير الأعضاء في الاتحاد، وفي مقدمتها تركيا.
وأضاف أن الحرب الروسية الأوكرانية أثبتت أن جناحي الحلف، الأوروبي والأمريكي، بحاجة متبادلة إلى بعضهما البعض.
وتابع فيدان: " الولايات المتحدة طالبت بتقاسم الأعباء الدفاعية، وهو ما قبلته الدول الأوروبية رغم ما يفرضه ذلك من أعباء مالية قد تؤثر في الإنفاق على الخدمات الاجتماعية".
وأردف: " التجربة التي بدأت مع عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى السلطة، والقائمة على سعي كل دولة إلى بناء منظومتها الدفاعية بصورة مستقلة، أظهرت أن أيا من الدول لا يستطيع بمفرده إنشاء منظومة دفاعية متكاملة، الأمر الذي جعل بناء منظومة صناعية دفاعية مشتركة بين الحلفاء ضرورة استراتيجية، وليس مجرد خيار".
وكشف فيدان، أنه عقد اجتماعا مصغرا بدعوة من نظيره الأمريكي ماركو روبيو، جرى خلاله بحث إنشاء منظومة متكاملة للصناعات الدفاعية بمشاركة الدول الحليفة التي تمتلك قدرات صناعية، وتحويل هذا الملف إلى مجال جديد للتعاون داخل الحلف.
وأوضح أن صورة الناتو الراسخة في أذهان الكثيرين تعود إلى مرحلة الحرب الباردة، إلا أن التحديات الحديثة فرضت على الحلف البحث عن آليات جديدة للحفاظ على القدرات العسكرية والصناعية للدول الأعضاء في مواجهة التهديدات المتغيرة.
وذكر فيدان أن الحلف انتقل من مرحلة" الناتو 1.
0" التي ارتبطت بالحرب الباردة، إلى" الناتو 2.
0" في مرحلة ما بعدها، مؤكدا أن الحلف دخل اليوم مرحلة جديدة يمكن وصفها بـ" الناتو 3.
0".
وفي معرض رده على سؤال بشأن تأثير زيادة الإنفاق الدفاعي لدول الناتو، واتفاقيات التوريد الجديدة التي تجاوزت قيمتها 50 مليار دولار، على الصناعات الدفاعية التركية، قال فيدان، إن هذه القرارات ستترك آثاراً إيجابية كبيرة إذا جرى تنفيذها بالشكل المطلوب.
وأوضح أن نجاح الصناعات الدفاعية يعتمد على عنصرين رئيسيين، هما استمرار عمل سلاسل التوريد دون انقطاع، وضمان الوصول إلى الأسواق.
وأشار فيدان، إلى أن إنشاء منظومة صناعات دفاعية مشتركة بين دول الحلف سيعزز أمن الإمدادات ويضمن استدامة الأسواق، بما يمكّن القطاع من مواصلة نشاطه دون الحاجة إلى دعم حكومي دائم.
وأضاف أن الاتفاقيات الدفاعية المبرمة بين الحلفاء تمثل أهمية بالغة لمستقبل الصناعات الدفاعية التركية.
وأشار فيدان، إلى أن تركيا تركز على تطوير التقنيات والأسلحة ذات الأهمية الاستراتيجية العالية، مثل منظومات الدفاع الجوي، والصواريخ، والطائرات المقاتلة، والطائرات المسيّرة المتقدمة، وأسراب الطائرات بدون طيار، والقدرات السيبرانية.
ولفت إلى أن تطوير هذه المنظومات ضمن إطار جماعي سيخفض الأعباء المالية، ويعزز قدرة الدول على الصمود في المجال الدفاعي.
وأكد فيدان، أن السياسات التي تنتهجها تركيا أثبتت نجاحها.
وأوضح أن حلف الناتو استخلص من الحرب الروسية الأوكرانية احتياجاته المستقبلية، ورأى في التجربة التركية نموذجا عمليا لكيفية تلبيتها.
وقال فيدان، إن النجاحات التي حققتها تركيا في مجال الصناعات الدفاعية دفعت الحلف إلى الاقتناع بإمكانية تطبيق هذا النموذج على نطاق أوسع داخل الناتو.
وأردف أن تركيا قدمت إسهاما مهما للحلف من خلال تشكيلها نموذجا يحتذى به في تطوير الصناعات الدفاعية.
- العلاقات التركية الأمريكيةوأكد فيدان، أن الرئيسين أردوغان وترامب جددا خلال لقائهما الإرادة المشتركة لتطوير العلاقات الثنائية في مختلف المجالات.
وأعرب عن ثقته في التوصل قريباً إلى حل بشأن العقوبات الأمريكية المفروضة بموجب قانون" كاتسا" وملف مقاتلات" إف-35".
وشدد فيدان، على أن زيارة ترامب إلى تركيا في 7 يوليو/تموز الجاري، يجب النظر إليها بمعزل عن قمة الناتو.
وأشار إلى أن برنامج الزيارة تضمن حوارا استمر نحو ست ساعات.
وأضاف أن ترامب أوضح بنفسه أنه جاء إلى القمة من أجل لقاء الرئيس أردوغان.
واعتبر فيدان، أن ذلك يعكس المكانة الدولية التي يحظى بها الرئيس التركي، والتي تحولت إلى قيمة وطنية وقدرة دبلوماسية مهمة لتركيا.
ولفت إلى أن العلاقة المباشرة بين أردوغان وترامب تنعكس على العلاقات بين الحكومتين وعلى المؤسسات الأمريكية والتركية.
وأوضح فيدان، أن الزعيمين جددا خلال لقائهما إرادتهما للمضي قدما في تطوير العلاقات الثنائية، إلى جانب تجديد الالتزام بإزالة العقبات وحل الملفات العالقة.
وأضاف أن الجانبين بحثا أيضا أفكارا جديدة لتعزيز التعاون الصناعي والتبادل التجاري، إضافة إلى ملفات إقليمية ودولية، من بينها لبنان وفلسطين وسوريا وإيران والحرب الروسية الأوكرانية.
وأكد فيدان، أن تنسيق المواقف بين أنقرة وواشنطن بشأن هذه القضايا الاستراتيجية يمثل أهمية كبيرة.
وأشار إلى أن اللقاء أسهم في تعزيز التفاهم المشترك بين البلدين حيال التطورات الإقليمية والدولية.
وفيما يتعلق بالعقوبات الأمريكية، قال فيدان، إن موقف تركيا ثابت منذ البداية، ويتمثل في رفض فرض أي عقوبات بين الدول الحليفة.
وتابع أن مثل هذه القضايا لا ينبغي أن تتحول إلى قرارات سياسية أو تشريعية تعرقل العلاقات بين الحلفاء.
ولفت فيدان، إلى أن تركيا واجهت خلال السنوات الماضية عقوبات معلنة وغير معلنة من الولايات المتحدة وأوروبا.
وقال إن تركيا نفذت جهودا دبلوماسية مكثفة لإزالتها.
وأضاف أن هذه المسألة لم تعد تشكل مشكلة في أوروبا، كما جرى تجاوز معظم العقبات في الولايات المتحدة باستثناء بعض الملفات التي ينظمها القانون، وفي مقدمتها قانون" كاتسا" وملف مقاتلات" إف-35".
وأردف فيدان: " ما دامت هذه الإرادة موجودة لدى الزعيمين، فإننا، بصفتنا وزراء، نتخذ الخطوات المناسبة لحل هذه الملفات، وآمل أن نتوصل قريبا إلى نتيجة، ولا أعتقد أن هناك مشكلة في هذا الشأن".
وأشار إلى أن تركيا تتمتع بمكانة متزايدة على الساحة الدولية، وهو ما يدفع بعض الدول إلى تكثيف أنشطة الضغط ضدها داخل الولايات المتحدة.
وتابع أن إدارة هذه التحديات تقع ضمن صميم العمل الدبلوماسي.
وأوضح فيدان، أنه منذ توليه منصب وزير الخارجية وضع عددا من الأولويات، من بينها إنهاء جميع أشكال العقوبات المفروضة على تركيا.
وذكر أن الوزارة أعدت قاعدة بيانات شاملة بالمشكلات القائمة، وبدأت العمل بصورة منهجية مع مختلف الدول لمعالجتها، مع الحرص على إدارة جانب كبير من هذه الجهود عبر القنوات الدبلوماسية بعيدا عن الأضواء.
واستضافت تركيا، الثلاثاء والأربعاء، قمة الناتو، للمرة الثانية بعد قمة إسطنبول في 2004، وحظيت القمة بأهمية كبيرة بالنظر للتحديات التي تواجه الحلف والمنظومة الأمنية العالمية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك