في قلب ريف الديوانية جنوبي العراق، حيث تجف الأنهار وتتشقق الأراضي الزراعية، وُلدت قصة" منتخب الرشيدة"، فريق كرة قدم من قرية مهمشة، استطاع أن يحول بساطته ومعاناته إلى ظاهرة جذبت أنظار الملايين عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
" رحيم كريستيانو" و" ديماريا".
نجوم من رحم المعاناةعلى ملعب ترابي تحدده خطوط غير واضحة، وبمرمى من الخشب، يجتمع شباب قرية" الرشيدة" في قضاء الشافعية.
هم ليسوا رياضيين محترفين، بل كسبة وعمال ورعاة وجدوا في كرة القدم متنفساً لهمومهم اليومية.
بأقدام حافية أحياناً، يركض لاعبون يحملون أسماء نجوم عالميين، مثل" رحيم كريستيانو" و" ماريو" و" ديماريا الرشيدة".
أما الحكم، فلا يرفع بطاقة صفراء أو حمراء، بل" توثية" (عصا خشبية رفيعة) يلوّح بها مازحاً، في مشهد يعكس عفوية هؤلاء الشباب.
هذه العفوية، ممزوجة بالكوميديا السوداء، هي التي صنعت شهرتهم.
فخلف هذه المباريات البسيطة، تكمن قصة قرية تكافح من أجل البقاء.
" أبو ريسان".
حنجرة ذهبية أوصلت صوت القريةالفضل في هذه الشهرة يعود إلى يعقوب عيدان، الملقب بـ" أبو ريسان"، معلق الفريق الذي فشل كلاعب وحكم، لكنه أبدع كصوتٍ معبر عن القرية.
بأسلوبه الفكاهي والنقدي، استطاع عيدان أن يصيغ رسالة احتجاج إنسانية، مغلفة بالضحك، حول مأساة قريته.
يقول يعقوب عيدان لشبكة رووداو الإعلامية: " أنقل لكم الوضع المأساوي في قريتنا، قرية الرشيدة، وجميع القرى المجاورة.
هذا هو نهرنا الذي نسقي منه، وكما تراه، فهو جاف الآن".
ويضيف بحرقة: " قبل فترة، فتحوا المياه قليلاً، ففرح الناس وزرعوا أراضيهم بعد انقطاع دام خمس سنوات.
ولكن لم يلبث أن قُطع الماء عنا مرة أخرى.
والآن، مات الزرع.
أناشد كل مسؤول في الديوانية وفي كل محافظات العراق أن ينظروا في قضيتنا.
لقد أهلكنا العطش، وبعنا مواشينا، وهاجر أهلنا".
ملعب أخضر.
وفرحة لم تكتملنجحت مقاطع الفيديو التي ينشرها الفريق في لفت الأنظار، وتكللت المبادرة بحصولهم على ملعب سباعي بعشب صناعي أخضر، وهو ما أدخل فرحة كبيرة على قلوب أبناء القرية.
لكن هذه الفرحة، ورغم أهميتها، لم تحل المشكلة الأكبر.
يقول رحيم ثجيل، الملقب بـ" رحيم كريستيانو"، لرووداو: " غياب المياه لم يحرم الأهالي من الزراعة فحسب، بل سلبهم مصدر رزقهم الوحيد، ودفع الكثير من أبناء القرية إلى ترك منازلهم والهجرة نحو المدن".
ويتابع رحيم: " أبناء الرشيدة لا يطالبون بالمستحيل، بل يطالبون بحقهم في الماء، لأن عودة المياه تعني عودة الزراعة، وعودة الفلاح إلى أرضه، وعودة الحياة إلى قرية أنهكها الجفاف وما زالت تتمسك بالأمل".
تواجه قرية الرشيدة، التي تضم نحو 50 بيتاً، خطر التفكك.
فمع تفاقم أزمة الجفاف، يضطر شبابها إلى الهجرة بحثاً عن لقمة العيش، مما يهدد مستقبل الفريق الذي جمعهم.
وتشير معلومات شبكة رووداو الإعلامية إلى أن 70 شاباً من قرية الرشيدة وحدها، من أصل 400 شخص مع القرى المجاورة، يضطرون للهجرة في الصيف إلى المدن، وخاصة العاصمة بغداد، للعمل في ظروف صعبة بمعامل الطابوق.
تنتشر معامل الطابوق في العراق بشكل واسع، وتتركز في مناطق معينة مثل قضاء النهروان (شرق بغداد) وبابل والديوانية وذي قار.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك