رام الله- «القدس العربي»: يصاب الفلسطينيون بالدهشة كلما سمعوا من وسائل الإعلام العبرية، أو تناقلوا تصريحات المسؤولين الإسرائيليين، حديثًا عن تصعيد عسكري في الضفة الغربية لأسباب أمنية؛ فالفلسطينيون يرون واقع الضفة، وحجم سيطرة سلطات الاحتلال عليها، وطبيعة العمليات العسكرية اليومية فيها.
وعليه، يكون السؤال: لماذا هذا التصعيد الخطابي الصادر عن مستويات عسكرية وسياسية وإعلامية أيضًا؟وخلال الأيام الماضية، تداول محللون ونشطاء تصريحات نقلًا عن الصحافة العبرية، جاء فيها ما نصه: «استجابة لتهديدات آنية: الأجهزة الأمنية الإسرائيلية تدخل حالة تأهب قصوى في الضفة الغربية».
كما تداول نشطاء تصريحات مماثلة صادرة عن مستويات متعددة من مسؤولي حكومة الاحتلال، إذ جاء في ما نقلته وسائل إعلامية أنه «خلال العملية العسكرية في غزة، تم الكشف عن عشرات خطط الهجمات التي أعدتها «حماس»، بما في ذلك التخطيط لهجوم واسع النطاق على مستوطنات في الضفة الغربية وخط التماس، إلى جانب مراسلات داخلية بين كبار قادة الحركة حول تنفيذ هجمات واسعة النطاق».
سألت «القدس العربي» محللين وخبراء في الشأن الإسرائيلي عن كيفية قراءتهم هذا التسخين المتكرر، الذي يتصاعد مع إيقاع الواقع السياسي الإسرائيلي، إلى جانب الوقائع الميدانية الفلسطينية، وعما إذا كان يعكس رغبة حقيقية، أم أنه جزء من دعاية سياسية قد تترك أثرها الحاد في الضفة الغربية وسكانها.
رأى المحلل في الشأن الإسرائيلي ياسر مناع أن حكومة الاحتلال تسعى إلى استباق أي ضغط أمريكي محتمل بشأن الضفة الغربية، عبر تثبيت وقائع ميدانية واسعة تمنحها موقعًا أقوى في أي صيغة سياسية مقبلة.
وقال مناع إن إسرائيل تتعامل مع المرحلة الراهنة بوصفها فرصة لإعادة تشكيل الأرض قبل أن تتبلور المطالب الأمريكية بصورة أكثر إلزامًا، من خلال توسيع الحضور العسكري والاستيطاني، وتعميق السيطرة على الطرق والمفاصل والمساحات الفاصلة بين التجمعات الفلسطينية.
وتابع مناع، في حديث مع «القدس العربي»، أن إسرائيل تستند في ذلك إلى خطاب تصعيدي لا يخاطب المجال الأمني وحده، بل يستهدف الوعي الفلسطيني أيضًا، عبر إنتاج شعور دائم بالتهديد وانسداد الأفق.
وفي الميدان، تعمل على هندسة الضفة وفق منطق العزل والتقطيع؛ فتفصل الفلسطينيين عن المستوطنين أمنيًا ومكانيًا، وتفصل المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية بعضها عن بعض.
وبهذا، تتحول الضفة إلى وحدات مجزأة تخضع لحركة إسرائيلية مفتوحة وحركة فلسطينية مقيدة، بما يصعّب قيام فضاء فلسطيني متصل وقابل للسيادة.
وقبل أيام، واستباقًا لضغوط أمريكية ترتبط بإعادة أجزاء من أموال المقاصة إلى السلطة الفلسطينية وقطاع غزة، صادقت الهيئة العامة للكنيست الإسرائيلي، بالقراءة التمهيدية، على مشروع قانون يقضي بتجميد أموال من عائدات الضرائب الفلسطينية تعادل الأموال التي حولتها السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة في العام السابق.
خبراء لـ«القدس العربي»: حسابات داخلية لليمين الإسرائيليوينص مشروع القانون، الذي بادر إليه عضو الكنيست موشيه بسال من حزب «الليكود»، على تخصيص هذه الأموال لدفع تعويضات لمن تضرروا جراء «عمل إرهابي مصدره قطاع غزة».
وقد حظي الاقتراح بتأييد 12 عضوًا في الكنيست، من دون تسجيل أي معارضة، على أن يعود لاحقًا إلى مناقشات لجنة الخارجية والأمن في الكنيست.
وتحتجز إسرائيل حاليًا نحو 14 مليار شيكل (4.
65 مليار دولار) من أموال السلطة الفلسطينية، تراكمت منذ عام 2019، ويضاف إليها شهريًا نحو 400 مليون شيكل، بينما تضطر الحكومة الفلسطينية في رام الله إلى اتخاذ إجراءات تقشفية إضافية لمواجهة التدهور الاقتصادي المستمر منذ ما يقارب ثلاث سنواتوفي سياق موازٍ، نقلت صحيفة «هآرتس» عن مصادر أن قائد المنطقة الوسطى في جيش الاحتلال، آفي بلوت، حذّر مؤخرًا رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو من أن عدم تحويل أموال السلطة الفلسطينية يشكل أحد العوامل التي قد تؤدي إلى تصعيد الأوضاع في الضفة الغربية.
وحسب الأكاديمي والباحث في التحولات السياسية، الدكتور إبراهيم ربايعة، فإن النقاش أو التهديد الإسرائيلي جزء من الخطاب الذي تشكّل بعد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، واتجه إلى أمننة الفضاء العام وتضخيم التهديدات، خصوصًا عند الحديث عن الضفة الغربية.
وأضاف، في حديث مع «القدس العربي»: «الحديث عن هجوم واسع يستهدف مخيمات الضفة لا يمكن فصله عن السياق السياسي الداخلي في إسرائيل، ولا سيما الحسابات الانتخابية والتحالفات داخل اليمين».
فالضفة الغربية والتصعيد فيها يشكلان بمثابة «حصالة» سياسية، بحسب ربايعة، وبالتالي يُنظر إليهما على أنهما جزء من خطة تمكّن اليمين الإسرائيلي من كسب مزيد من النقاط من خلالهما.
وشدد قائلًا: «يمكن القول إن الضفة الغربية أصبحت جزءًا من مساحة الحركة السياسية والأيديولوجية لليمين المتطرف، وتحديدًا تيار الصهيونية الدينية المرتبط ببن غفير وسموتريتش.
فهناك ما يشبه المقايضة الداخلية داخل الحكومة الإسرائيلية؛ إذ تُترك الضفة وسياساتها الأمنية والاستيطانية بوصفها مجالًا مفتوحًا لهذا التيار، بينما تبقى الجبهات الأخرى، مثل لبنان وسوريا وإيران، أكثر ارتباطًا بحسابات حزب «الليكود» ونتنياهو وكاتس والمؤسسة العسكرية».
وتابع ربايعة: «بهذا المعنى، فإن تصعيد الخطاب حول الضفة لا يعكس فقط تقديرًا أمنيًا مباشرًا، بل يؤدي أيضًا وظيفة سياسية داخلية؛ إذ يمنح اليمين المتطرف مساحة لإظهار نفوذه، ويعيد تقديم الضفة بوصفها «جبهة تهديد» قابلة للإدارة الأمنية والعسكرية، لا بوصفها قضية سياسية مرتبطة بالاحتلال والاستيطان وانسداد الأفق السياسي».
ويرى الباحث ربايعة أن إسرائيل، وتحديدًا المؤسسة العسكرية مدعومة باليمين الحاكم، تتعامل مع الضفة الغربية بوصفها نطاقًا مفتوحًا للفعل الأمني والسياسي والاستيطاني.
فالضفة، بالنسبة إلى اليمين، ليست فقط ساحة أمنية، بل أيضًا خزان انتخابي يعزز شعبيته ويغذي قاعدته التصويتية، خصوصًا لدى التيارات الصهيونية الدينية والاستيطانية التي ترى في التوسع داخل الضفة عنوانًا أيديولوجيًا ومصدرًا للتعبئة السياسية.
واستدرك قائلًا: «لكن الأهم أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تنظر إلى السياسات الموجهة نحو المخيمات تحديدًا بوصفها سياسات منخفضة الكلفة.
والمقصود بانخفاض الكلفة هنا أن استهداف المخيمات لا يُتوقع، من وجهة النظر الإسرائيلية، أن ينتج ردود فعل سياسية أو إقليمية أو دولية ثقيلة، كما قد يحدث عند استهداف مراكز المدن أو تنفيذ خطوات استيطانية فجة وواسعة يصعب تسويقها دوليًا».
وتستند إسرائيل في ذلك، حسب ربايعة، إلى سردية جاهزة تستخدمها أمام الولايات المتحدة والغرب عمومًا، تقوم على تصوير المخيمات بوصفها خزانات للعنف والتطرف، وبؤرًا أمنية قابلة للربط المباشر بغزة وبخطاب «مكافحة الإرهاب».
وبذلك، يصبح استهداف المخيمات أسهل تسويقًا من استهداف المدن أو توسيع الاستيطان بصورة مباشرة، لأن الخطاب الإسرائيلي يقدم العمليات هناك بوصفها إجراءات أمنية ضرورية، لا بوصفها جزءًا من مشروع أوسع لإعادة هندسة الضفة الغربية سياسيًا واجتماعيًا وأمنيًا.
وشدد: «من هنا، فإن خطورة هذا المنطق تكمن في أنه يحوّل المخيمات إلى مساحة مستباحة سياسيًا وأمنيًا؛ فهي تُقدَّم خارجيًا كتهديد أمني، وتُستخدم داخليًا كأداة لإرضاء اليمين وتعزيز حضوره، وفي الوقت نفسه يجري فصلها عن سياقها الحقيقي بوصفها نتاجًا تاريخيًا للنكبة واللجوء والاحتلال وانسداد الأفق السياسي».
ويُذكر أنه، خلال الفترة التي أعقبت العملية الإسرائيلية الواسعة في شمال الضفة الغربية، ولا سيما في جنين وطولكرم وقلقيلية ومحيطها، جرى تداول حديث عن مخططات إسرائيلية تستهدف إعادة تشكيل الواجهة المكانية للمخيمات.
والمقصود هنا ليس فقط تنفيذ عمليات أمنية عابرة، بل التأسيس لتدخلات أعمق تمس شكل المخيم وبنيته العمرانية وجغرافيته الداخلية، وربما تركيبته الديموغرافية والاجتماعية.
وفي هذا السياق، تبدو المخيمات، وخصوصًا في وسط الضفة وشمالها، مرشحة لأن تكون موضوعًا لسياسات إسرائيلية تتجاوز منطق «الملاحقة الأمنية»، حسب ربايعة، إلى منطق إعادة الهندسة المكانية.
فإسرائيل لا تتعامل مع المخيم فقط بوصفه بؤرة أمنية، بل بوصفه مساحة رمزية وسياسية واجتماعية مكثفة، تختزن معنى اللجوء والمقاومة والذاكرة الوطنية.
ولذلك، فإن تغيير شكل المخيم، أو فتح شوارعه، أو إعادة تنظيم فضائه العمراني، قد يحمل بعدًا أمنيًا مباشرًا، لكنه يحمل أيضًا بعدًا سياسيًا يستهدف تفكيك المخيم بوصفه كتلة اجتماعية ورمزية متماسكة.
وبهذا المنطق، يرى الباحث أن إسرائيل ستسعى إلى تحيّن الفرصة المناسبة لتنفيذ جزء من هذه التصورات، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أننا أمام عملية شاملة ومفتوحة تستهدف جميع المخيمات في وقت واحد.
والأرجح، إذا حدثت العملية، أن تكون انتقائية ومحددة، تستهدف مخيمات بعينها وفق حسابات أمنية وسياسية وإعلامية.
أي أن الاختيار لن يكون عشوائيًا، بل سيخدم رواية إسرائيلية محددة: مخيم يُقدَّم بوصفه «بؤرة تهديد»، أو منطقة يمكن ربطها بخطاب غزة، أو مساحة يمكن تسويق استهدافها دوليًا بوصفه جزءًا من مكافحة العنف والتطرف.
ويخلص إلى أن النتيجة هنا تتمثل في تقاطع البعد الأمني مع المشروع السياسي والانتخابي لليمين المتطرف.
فالعملية، إن وقعت، لن تكون مجرد قرار عسكري تقني، بل ستخدم أيضًا حاجة اليمين إلى إنتاج صورة القوة والحسم أمام جمهوره، من دون دفع كلفة سياسية عالية.
لذلك، قد نشهد نمطًا من العمليات المحسوبة: قوية بما يكفي لإرسال رسالة داخلية إلى الناخب الإسرائيلي، لكنها محدودة بما يكفي لتجنب انفجار واسع أو ردود فعل دولية ثقيلة.
وبمعنى آخر، لا يكمن الخطر فقط في احتمال تنفيذ عملية عسكرية، بل في أن تتحول المخيمات إلى مختبر لسياسات إسرائيلية جديدة تجمع بين الأمننة والهندسة المكانية والتوظيف الانتخابي، وإعادة تعريف المخيم من فضاء للجوء والذاكرة السياسية إلى «مشكلة أمنية» قابلة للتفكيك والتدخل الدائم.
استهداف قلب القضية الفلسطينية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك