طهران- “القدس العربي”: شهدت مراسم تشييع المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي في مدينة مشهد، الخميس، هتافات مناهضة للمفاوضات وللمفاوضين الإيرانيين، بل وأظهرت مقاطع مصورة تعرض الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي لاعتداءات جسدية في الوقت الذي تحتد فيه الخلافات حول جدوى المسار الحالي للمفاوضات مع الولايات المتحدة، وتزايد انتقادات التيار الأصولي للسياسة الخارجية للحكومة والوفد المفاوض.
وأظهرت مقاطع فيديو متداولة أن مجموعة من المشاركين في مراسم تشييع المرشد السابق بمدينة مشهد رددت شعار: “قاليباف، عراقجي – أين دم مرشدي؟ ”.
وانتشرت هذه المقاطع أولاً عبر شبكات التواصل الاجتماعي والقنوات الإخبارية، قبل أن تعيد وسائل إعلام إيرانية نشرها.
ويعد محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان ورئيس الفريق المفاوض، إلى جانب عباس عراقجي، من الشخصيات المحورية في المفاوضات الإيرانية مع الولايات المتحدة.
كما ردد المشاركون، أثناء مراسم التشييع وقبل إقامة الصلاة على خامنئي في مرقد الإمام الرضا بمدينة مشهد، هتافات ضد المفاوضات وضد المفاوضين الإيرانيين، بينما حاول مقدم الحفل تغيير مسار الهتافات ومنع استمرارها.
وردد المشاركون شعارات: “الموت للمساوم”، و”الموت للمنافق”، و”التفاوض مع العدو خيانة للوطن”.
وتستهدف هذه الشعارات المفاوضات مع الولايات المتحدة وأعضاء الفريق الإيراني المفاوض.
وحاول التلفزيون الرسمي الإيراني، عبر خفض صوت المشاركين، منع بث هذه الهتافات على الهواء.
وأثارت هذه الخطوة انتقادات النائب المتشدد حميد رسائي، الذي أيد هذه الشعارات وانتقد رئيس هيئة الإذاعة والتلفزيون بسبب حذف صوت شعار “الموت للمساوم”.
وكتب رسائي مخاطباً رئيس الهيئة: “كل من أمركم بحذف شعار (الموت للمساوم) الذي ردده الناس، فهو بالتأكيد عميل للعدو.
ووفقاً لأوضح تصريحات الإمام الراحل والإمام الشهيد، فإن الجمهورية الإسلامية لن تساوم أبداً الكفر والاستكبار.
وعدم المساومة معهما من المبادئ الثابتة لثورتنا، وشعار (الموت للمساوم) هو أحد الشعارات الأساسية والمبدئية للثورة.
” وأضاف: “إذا طلب منكم حذف شعار الموت لأمريكا أو الموت لإسرائيل، فهل ستفعلون؟ لا تشكوا في أن أي شخص أو منظمة أو مجلس أصدر لكم مثل هذا التوجيه قد تعرض للانحراف.
”ولم تقتصر أساليب التعبير عن السخط من موقف الحكومة على الشعارات، إذ أظهرت مقاطع مصورة تعرض الرئيس مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي لاعتداءات جسدية من بعض الأشخاص خلال التشييع.
ووفقاً لمقاطع الفيديو المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي، ردد عدد من الحاضرين هتافات ضد قاليباف وعراقجي أثناء مرور سيارات المسؤولين.
كما أظهرت مقاطع أخرى أنه أثناء حضور بزشكيان بمراسم تشييع خامنئي في طهران، رددت مجموعة من الحاضرين شعار “الموت للمساوم”، فيما سُمعت في بعض التسجيلات هتافات أخرى ضد الحكومة وضد التفاوض مع الولايات المتحدة.
وسرعان ما انتشرت هذه المقاطع على مواقع التواصل الاجتماعي، لتتحول إلى إحدى أبرز الوقائع المثيرة للجدل في مراسم التشييع.
وبعد دقائق، وصل وزير الخارجية عباس عراقجي، حيث أظهرت مقاطع الفيديو أن مجموعة من الأشخاص هتفت ضده بشعارات من بينها: “الموت لبائع الوطن”، و”عديم الشرف”، و”اللعنة على قتلة مرشدي”.
وفي الوقت نفسه، شكلت قوات الحماية طوقاً أمنياً حول عراقجي، في محاولة لإخراجه من بين الحشود ومنع اقتراب الأشخاص منه.
كما أظهرت المقاطع مجموعات من الأشخاص وهي تندفع نحو عراقجي وفريق حمايته مرددة هتافات حادة، قبل أن ترشقهم بالحجارة، حيث أصابت إحدى الحجارة الكبيرة سيارة بالقرب من الوزير.
وذكر موقع “تابناك” الإخباري أن “عدداً من المتشددين للغاية هاجموا عراقجي وألقوا قوارير المياه باتجاهه على هامش مراسم تشييع المرشد السابق”.
وسبق ذلك أيضاً أن تجمع عدد من المتشددين أمام وزارة الخارجية في طهران مرددين شعارات ضد المفاوضات والاتفاق مع الولايات المتحدة، من بينها: “الموت لعراقجي المساوم عديم الشرف”.
وأضاف “تابناك”: “بعد مقابلة عباس عراقجي مع قناة الخبر بشأن المفاوضات مع الولايات المتحدة، بدأت مجموعة متطرفة أمام مبنى وزارة الخارجية بتوجيه الشتائم إلى وزير الخارجية.
كما قامت مجموعة أخرى أمام مكتب وزارة الخارجية في مشهد بإطلاق الشتائم وهتافات مثل: “الموت لعراقجي المساوم عديم الشرف، والموت لعراقجي العميل عديم الشرف”.
وفي تعليقه على هذه الأحداث خلال مراسم تشييع المرشد السابق، أشار وزير الثقافة الإيراني إلى حادثة وقعت قبل 14 عاماً، عندما هاجم متشددون رئيس البرلمان آنذاك علي لاريجاني في مرقد السيدة المعصومة بمدينة قم، مؤكداً أن المسؤولية الأساسية تقع على من يصدرون أوامر تنفيذ مثل هذه الأعمال، وليس على المنفذين فقط.
وكتب على منصة “إكس”: “لم يمض وقت طويل على حادثة إلقاء ختم الصلاة باتجاه الشهيد الدكتور لاريجاني، وقد شهدنا أمس أحداثاً مشابهة.
هل سيستمر التاريخ في تكرار نفسه؟ المنفذون أقل مسؤولية، أما المحرضون والآمرون فيجب وضع حد لهم.
أهذا أمر صعب؟ ”.
وكتبت وكالة “خبر أونلاين” أن نشر الصور ومقاطع الفيديو من مراسم تشييع المرشد الشهيد أعاد اهتمام الرأي العام بظاهرة تكررت خلال العقدين الماضيين في مناسبات سياسية ودينية مختلفة، وهي إطلاق هتافات ضد المسؤولين الذين تولوا في مراحل مختلفة إدارة المفاوضات النووية أو السياسة الخارجية.
وأضافت الوكالة أن ما يميز هذه الواقعة هو توقيتها ومكانها، إذ إن مراسم تشييع المرشد الشهيد كان ينبغي، من وجهة نظر كثير من المراقبين، أن تكون ساحة للتضامن والاحترام والوحدة الوطنية، وأن تتراجع خلالها الخلافات السياسية لصالح الحفاظ على حرمة المناسبة ومشاعر الجمهور، ولذلك أثارت الهتافات السياسية ضد بعض المسؤولين ردود فعل واسعة في وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي.
وأضافت أن مراجعة تطورات العقدين الماضيين في إيران تظهر أن الهتافات ضد المفاوضين أو مسؤولي السياسة الخارجية ليست ظاهرة جديدة، فمنذ مفاوضات الملف النووي، مروراً بالمفاوضات التي أفضت إلى الاتفاق النووي، ثم المحادثات غير المباشرة في السنوات اللاحقة، واجه المسؤولون عن التفاوض مع الأطراف الأجنبية احتجاجات في عدد من التجمعات والمسيرات.
وأوضحت أنه خلال فترة تولي حسن روحاني مسؤولياته في المجلس الأعلى للأمن القومي، ثم خلال ولاية محمد جواد ظريف في وزارة الخارجية، ولاحقاً خلال فترة تولي عباس عراقجي مسؤولية التفاوض، تكررت الهتافات ضد فريق التفاوض في المسيرات والمناسبات الوطنية والتجمعات الطلابية والسياسية، وكان منتقدو المفاوضات يعتبرون أن أي تقديم لتنازلات للطرف المقابل يتعارض مع المصالح الوطنية ويجب رفضه.
وفي المقابل، يؤكد مؤيدو المفاوضات أن انتقاد السياسة الخارجية يُعد جزءًا من التنافس السياسي، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى الإساءة للأشخاص أو توجيه الإهانات أو خلق أجواء من التوتر خلال مناسبات أُقيمت أساساً لأهداف أخرى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك