طرابلس – «القدس العربي»: تتواصل التحركات السياسية في ليبيا بوتيرة متسارعة مع تكثيف الاتصالات بين الأطراف المحلية والبعثة الأممية وعدد من الفاعلين الدوليين، في وقت تتداخل فيه المبادرات المطروحة لإنهاء الأزمة السياسية المستمرة منذ سنوات.
وبينما تسعى الأمم المتحدة إلى الحفاظ على زخم الحوار المهيكل، يتمسك المجلس الرئاسي بخرطة الطريق الثلاثية، في حين تتواصل الجهود الأمريكية لدفع مسار موازٍ لتوحيد المؤسسات، وسط مطالب متجددة من إقليم فزان بضمان حضوره في أي ترتيبات سياسية مقبلة.
وفي هذا السياق، التقى رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، الخميس، الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة ورئيسة بعثة الدعم في ليبيا هانا تيتيه، ونائبتها للشؤون السياسية ستيفاني خوري، في مدينة القبة، لبحث آخر تطورات العملية السياسية والجهود المبذولة لدفعها نحو إنهاء الأزمة.
وقال المركز الإعلامي لرئيس مجلس النواب إن عقيلة أكد خلال اللقاء موقف المجلس الداعي إلى تحقيق الاستقرار عبر مسار ديمقراطي توافقي، مشددا على ضرورة تهيئة الظروف المناسبة لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، باعتبارها الطريق لإنهاء المرحلة الانتقالية.
وأضاف أن تيتيه أكدت استمرار بعثة الأمم المتحدة في جهود الوساطة وتقريب وجهات النظر بين الأطراف الليبية، مشيدة بدور مجلس النواب في دعم العملية السياسية.
ويأتي اللقاء ضمن جولة مشاورات تقودها البعثة الأممية مع مختلف الأطراف الليبية، في إطار مساعيها للحفاظ على المسار السياسي الذي أطلقته منذ العام الماضي، واستكمال التفاهمات المتعلقة بالقوانين الانتخابية والترتيبات المؤسسية، بعد إعلان تقدم في أعمال الحوار المهيكل خلال الأسابيع الأخيرة.
ولم يتطرق بيان مجلس النواب إلى المبادرة الأميركية التي يقودها مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، والتي تقوم على الدفع نحو توحيد المؤسسات بين شرق البلاد وغربها، كما خلا البيان من أي إشارة إلى خارطة الطريق الثلاثية التي أعلنتها رئاسات المجلس الرئاسي ومجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة في يونيو الماضي.
وفي طرابلس، استقبل رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، السفير الفرنسي لدى ليبيا تيري فالات، حيث ناقش معه مستجدات المشهد السياسي، واستعرض رؤية المجلس الرئاسي والمبادرة الثلاثية التي يتبناها لدفع العملية السياسية.
وقال المكتب الإعلامي للمجلس الرئاسي إن المنفي أكد أن المبادرة تقوم على إطلاق حوار ليبي مباشر يقود إلى توافق وطني شامل، يتجاوز الحلول المؤقتة، ويمهد لإجراء انتخابات تشمل جميع الليبيين.
كما تناول اللقاء ملف توحيد المؤسسة العسكرية، حيث أكد المنفي استمرار الجهود الرامية إلى إنجاز هذا الملف باعتباره أحد الاستحقاقات الرئيسية المرتبطة ببناء مؤسسات الدولة وتعزيز الاستقرار.
ويواصل المجلس الرئاسي خلال الفترة الأخيرة عقد لقاءات مع سفراء وممثلين عن عدد من الدول والمنظمات الدولية لحشد الدعم لخارطة الطريق الثلاثية، التي تنص على استكمال الإطار الدستوري والقانوني وإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بشكل متزامن في موعد أقصاه 17 شباط/فبراير 2027، إضافة إلى توحيد المؤسسات السيادية وتنفيذ إصلاحات اقتصادية ومالية.
وتأتي هذه التحركات بالتزامن مع استمرار المساعي الأميركية لإطلاق تفاهمات جديدة بين حكومة الوحدة الوطنية واللواء المتقاعد خليفة حفتر، في إطار رؤية تستهدف توحيد المؤسسات التنفيذية والعسكرية قبل الانتقال إلى الاستحقاق الانتخابي، وهي المبادرة التي أثارت خلال الأيام الماضية ردود فعل متباينة بين القوى السياسية الليبية.
وفي الجنوب، عادت قضية تمثيل إقليم فزان إلى واجهة النقاش السياسي، بعدما طرحت العضوة المؤسسة في التجمع السياسي فزان، رانيا عبد السلام الصيد، أربعة مسارات قالت إنها تمثل مدخلا لإنهاء ما وصفته بالعزلة السياسية التي يعانيها الإقليم.
ودعت الصيد إلى تحويل مطالب الجنوب إلى خطط تنفيذية تستند إلى مخرجات الحوار المهيكل، مع التركيز على اللامركزية والتوازن في توزيع السلطة، إضافة إلى إنشاء صناديق تنموية للإقليم.
كما طالبت بمنح الجنوب تمثيلا فعليا داخل مؤسسات المرحلة الانتقالية، عبر مناصب تتمتع بصلاحيات تنفيذية، وإنشاء مجلس تنسيق لإقليم فزان، وصندوق لإعمار الجنوب يمول بنسبة من عائدات النفط، إلى جانب توحيد موقف البلديات والأعيان ومؤسسات المجتمع المدني حول رؤية سياسية موحدة.
وتعيد هذه المطالب تسليط الضوء على ملف توزيع السلطة والثروة بين الأقاليم الليبية، وهو أحد الملفات التي حضرت في معظم جولات الحوار السياسي خلال السنوات الماضية، دون التوصل إلى صيغة نهائية تحظى بإجماع مختلف الأطراف.
وتأتي دعوات تجمع فزان بعد أسابيع من مطالبات سابقة بتخصيص نسبة من عائدات النفط والغاز لتنفيذ مشروعات تنموية في مدن الجنوب، في ظل استمرار الشكاوى من ضعف الخدمات وتراجع الاستثمارات الحكومية في المنطقة.
وتعكس مجمل هذه التحركات استمرار تعدد المسارات السياسية في ليبيا.
فالأمم المتحدة تواصل العمل على استكمال الحوار المهيكل، والمجلس الرئاسي يتمسك بخريطة الطريق الثلاثية، بينما تتحرك الولايات المتحدة عبر مبادرة منفصلة لتقريب وجهات النظر بين الأطراف المتنازعة، في وقت تسعى فيه الأقاليم، وعلى رأسها فزان، إلى ضمان حضورها في أي تسوية سياسية مقبلة.
ورغم اختلاف هذه المبادرات في آلياتها وأولوياتها، فإنها تلتقي عند هدف واحد يتمثل في إنهاء المرحلة الانتقالية والوصول إلى الانتخابات، إلا أن استمرار تعدد المسارات، وغياب توافق نهائي حول الإطار الذي سيقود العملية السياسية، يبقي المشهد الليبي مفتوحا على مزيد من المشاورات والتفاوض خلال المرحلة المقبلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك