من المعلوم أن السيرة الذاتية بوصفها نوعا أدبيا، لم يُؤرخ لها إلا في نهاية القرن الثامن عشر للميلاد، وأن التأمل النظري والنقدي حولها أتى مُتأخرا بـ«نحو قرنين من الزمان»، كما قال جورج ماي، ثم سرعان ما تحولت المشكلات التي طرحتها السيرة الذاتية إلى «ساحة معركة» تتلاقى فيها عدة موضوعات أساسية للنقاش النظري الأدبي، عبر منظورات ومقاربات متنوعة؛ تاريخية، وفلسفية، ونفسية، وأدبية ولسانية.
وفي صميم هذا النقاش طُرحت قضايا أساسية «لما فيه اعتبار»: أن النوع السيرذاتي يُمَفْصل العالم والأنا والنص، وهو على تماس مع التاريخ والسلطة والذات والتمثيل والإحالة، فضلا عن اللغة التي يُكتب بها.
وترتيبا على ذلك، كان الخلاف في محاولات تعريف النوع أساسا، يأتي من الجواب الذي أُعطي للسؤال التالي: هل يرجع الأدب الذاتي ليقين الموقف الحميمي، أم لشعرية الأنواع ووضعها اللساني والتداولي؟من هنا، فإن كل تعريفٍ للسيرة الذاتية كان يفرض بدوره أنماطا من التلقي، وبالأخص من داخل الرؤية التي تبنتْها الأسس النظرية والفلسفية للحديث وما بعد الحديث، بحيث سنرى كيف أن تصور الذات لا يُميز الكتابةَ السيرذاتيةَ فحسب، بل كذلك التأملَ النظري حول السيرة الذاتية كما عند جورج غوسدورفGeorges GUSDORF.
صحيح أن الأعمال التي قدمها فيليب لوجون، منذ عقد السبعينيات من القرن العشرين، تشكل التأمل النظري حول السيرة الذاتية، وقد تجاوز ذلك ما كان موجودا قبله من بحوث ذات طابع موضوعاتي وتاريخي، كانت ترجئ القضايا الإبستمولوجية إلى مرحلة ثانوية.
وإن كان فيليب لوجون نفسه يعترف بأنه اعتمد في تعريفه لنوع السيرة الذاتية على جملة من التحديدات، التي وجدها متفرقة في أغلب القواميس.
بيد أن دراسة جورج غوسدورف «شروط السيرة الذاتية وحدودها»، تُمثل عند كثير من الباحثين بمثابة الجهد الأول الأكثر عمقا وفهما، الذي بُذِل لاستقصاء معظم المظاهر الفلسفية والأدبية للنوع السيرذاتي.
نُشرت هذه الدراسة في عام 1956، تحت عنوان: «Conditions et Limites de L’autobiographie»، وقد أدرجها فيليب لوجون في كتابه «السيرة الذاتية في فرنسا» (1971)، وعليها أحال أغلب البحوث واستشهد بها.
لكن المفاهيم الأساسية المشكلة للدراسة سيتم إعدادها بشكل أكثر تفصيلا في أهم عملي جورج غوسدورف، هما: «كتابات الذات»، و»الأوتو-بيو-غرافيا»، المنشوران عام 1991.
وفيهما يسعى غوسدورف إلى الإجابة عن النظريات الأحدث مثل نظرية رولان بارت، ويبرز ما تشكل في عام 1956، مؤكدا أن الجوهري الذي سلم به لم يتغير.
يصوغ غوسدورف بعض الشروط لهذا النوع من الكتابة: عندما يحكي مُؤلف السيرة الذاتية تاريخه الخاص، فإنه يستحيل أن يقدم صورة وفية عن ماضيه كما كان؛ لأن السيرة الذاتية تُبْنى وتفرض وحدة وانسجاما على متواليات حياته الماضية، فالقصد الجوهري من هذه الفعالية بأكملها هو أن تُقْدم على المعرفة بالذات.
ويقوم الوعي داخلها بدور مركزي، بعد أن تتضمن السيرة الذاتية قراءة ثانية للتجربة المعيشية والحقيقية أكثر من الأولى، بسببٍ من أن الوعي الذي يتأمل فيها يُضيف إليها.
وهذا البحث عن الانسجام من جهة الوعي، يوحي بـ«حقيقة» الإنسان الذي يكتب فيما هو يكشف عن بنية كينونته الخفية: «وهذه البنية الخفية هي بالنسبة إليه مفترضة، تتضمنُ كل معرفة ممكنة، أيا كان النظام الذي أتت به.
من هنا، المكانة المركزية للسيرة الذاتية، خاصةٍ في المجال الأدبي».
ومن المهم أن نلاحظ أن جورج غوسدورف، أحد مُنظري النوع الأوائل، ناقش هنا الدور الإبستمولوجي الأساسي في السيرة الذاتية، بينما الوضع الأدبي لهذا الشكل من الكتابة الذاتية لم يكن معروفا بكيفيةٍ أعم إلا حديثا.
إن تعريف السيرة الذاتية باعتبارها نصا كاشفا عن طوية المؤلف الداخلية الأكثر خفاء، سمح لجورج غوسدورف بتجاوز مشكلة الحقيقة التاريخية للسيرة الذاتية، مُؤكدا القيمة الأدبية للنص، وأن جدواها لا ترتبط بعلاقتها مع الواقع التاريخي الذي تتأسس عليه.
ولأن الانسجام يُفرض ابتداء من حاضر الكتابة، فالثغرات والتغيرات تظهر بشكل لا يمكن تحاشيه، في ما يتم تذكره.
لكن ذلك لا يهم، فما يهم هو القيمة الأدبية التي تشيدها الصورة التي يستخدمها المؤلف لتمثل العالم وتمثيله، لأن مثل هذه الصور تثبت الحقيقة الأخرى للإنسان.
ثمة شيء آخر أهم من القيمة الأدبية، وهو الدلالة الأنثروبولوجية، التي يقيم فيها جوهر السيرة الذاتية، ويمكن أن يعثر النقد على هذه الدلالة، إذ «بدلا من إجراء التصويب المادي للحكي أو تسليط الضوء على قيمته الفنية، يجب بذل الجهد لاستخلاص الدلالة الحميمية والشخصية منه، باعتبارها رَمْزا بشكل من الأشكال، أو أمثولة، من أجل الوعي في بحثه عن حقيقته الخاصة».
إن النتيجة المنطقية من هذا التعريف للسيرة الذاتية هي أن حاضر الكتابة، أو اللحظة التي ينخرط فيها البحث عن وعي بمعرفة الذات، أهم من الماضي الذي يتم حكيه والإخبار به.
يُتوسل بالماضي «من أجل الحاضر وفي الحاضر»، وهو ما يترتب عليه القول إن الحقيقة التاريخية تقل أهميتها داخل السيرة الذاتية.
سوف يُتمم غوسدورف، في كتابه « Auto-bio-graphie» (1991)، تحديده لمجال السيرة الذاتية، حيث يقدم ما يمكن أن نُسميه أسسا فلسفية للكتابة السيرذاتية.
وهو يُعلق على المصطلحات الثلاثة التي تُكون الاسم، يطرح غوسدورف بوضوح مختلف أبعاد هذا الشكل الخاص بالكتابة الذاتية:– الذات (Auto)، «إنما هي الهوية، أنا الواعية بنفسها»، ومبدأ التجربة المستقلة.
وهذا المُركب تَطور ببطء داخل مسارٍ من الوجود المفرد والمستقل.
– الحياة (Bio)، وهي تمثل على وجه التحديد الاستمرارية الحيوية لهذه الهوية، انتشارها التاريخي، التنوع الوجودي الذي يكتنف الموضوع الجوهري الباني للذات (l’auto)، والأنا (le moi): بين الذات (auto) والحياة (bio) ترتسم العلاقة الصعبة للأنطولوجيا (علم الوجود) والفينومينولوجيا (الظاهراتية)، للكائن ووجوده، للهوية والحياة، حسب غوسدورف نفسه.
– أما الكتابة (La graphie)، أخيرا، فهي تُدرج الوسيلة التقنية الخاصة بالكتابات الذاتية.
الحياة الشخصية البسيطة في عيشها، حياة الذات Bios d’un Autos، تستفيد من الولادة الجديدة عبر وساطة الكتابة».
يُـبين غوسدورف، وَعْيا منه بالتساؤل المعاصر حول مفهوم الفرد والطبيعة المرجعية للنص السيرذاتي، أن «الفرد المحسوس» الذي تحيل عليه ذات النص السيرذاتي «من المستحيل أن يُطرح جانبا، حتى لو كان من السهل تعريف وضعه».
كما يُنبه إلى مظهر آخر يتعلق باللغة كوسيط للتمثل الذاتي، قائلا: «اللغة ليست تظاهرا بالهوية، بل هي اختلاس وتزييف؛ إنها تُموه أصالة كل الكلمات المقتبسة، كلمات العالم كُله.
وفارق الزمن غير قابل للاختزال بفضل اللغة، التي هي نظام للتواصل، وهي الوجود الذي من المفروض أن يتكشف.
والواقع، أصل المعنى وبؤرته، يتوارى خلف مواقف العلامات والرموز التي تدعي أنها تُمثله».
ورغم هذه الحاجة إلى التوافق بين اللغة والهوية الفردية، يشرع غوسدورف في الـتأكيد على أن «الكتابات الذاتية تزعم رد الاعتبار للذات تبعا لطرائق الكتابة، وتجيز التوافق بين الذات والكتابة».
وبما أنها بحثٌ شخصي عن معنى الحياة، فإن السيرة الذاتية – في نظر غوسدورف – يمكنها من خلال اللغة أن تقوم به خير قيام، رغم كل شيء: «أنا أحكي بنفسي أسطورة حياتي.
حصتي من العالم، حصتي من الحقيقة، وليس الحقيقة كما يفهما الناس، بل حقيقتي حسب فهمي أنا».
ترتيبا على ما سبق، لا تبدو المقاربة الشكلانية للنوع السيرذاتي، حسب غوسدورف، مُلائمة لأن السير الذاتية الحقيقية كانت تنبع من الوجود أكثر من البلاغة.
ولذلك اقترح تعريفا مؤقتا للمصطلح الذي ينطوي على خطر عدم الدقة: «الاستخدام الخاص بالكتابة التي تعيد جمع كل الحالات التي تُتخذ فيها الذات الإنسانية نفسها موضوعا للنص الذي تكتبه».
وفي هذا المعنى الواسع، تدل كلمة (سيرة ذاتية) على كل كتابٍ عبّرَ فيه المؤلف عن حياته ومشاعره وأفكاره، ولا يبدو شكل الكتاب أكثر أهمية.
وفي الاستعمال الراهن، تحيل كلمة (سيرة ذاتية) على خصائص محددة فيما تحتفظ الصفة (سيرذاتي) بكل مرونتها.
وفي هذا الصدد، يلاحظ أن مصطلح (سيرة ذاتية) الذي نقابل به (Autobiographie)، يقفز على شرط الكتابة، وهو ما يترتب عليه «شرخ مفهومي يتأسس على أنقاض غياب هذا الشرط»، كما يرى عمر حلي وهو يدرس «البوح والكتابة» في السيرة الذاتية التي أنتجها الأدب العربي الحديث.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك